تتهم غالبية دول العالم الولايات المتحدة بأنها السبب في فشل جولة الدوحة لمفاوضات التجارة الحرة حيث تطلب الكثير من إجراءات تحرير التجارة فيما لا تقدم هي أي تنازلات في هذا الجانب.
وقالت مجلة الايكونوميست ان هذه الأصوات ارتفعت بالشكاوى منذ انفصام اجتماع مؤتمر وزراء التجارة في جنيف في أول الشهر الجاري، أي قبل الموعد المحدد له ودون التوصل الى أي نتائج أو تقدم. وكان المفاوضون يحاولون التوصل الى إطار لتحرير التجارة في المنتجات الزراعية والصناعية وهي المهمة التي يسعون الى تحقيقها منذ خمس سنوات بلا طائل.
ويعرف الجميع ان هذه الاتفاقية أو الإطار تتطلب تخفيضات أكبر في الدعم الزراعي أكبر مما عرضته أميركا. كما تتطلب أيضاً تخفيضات في التعريفات الجمركية من الاتحاد الأوروبي والدول النامية ذات الاقتصادات الصاعدة.
غير ان سوزان شوامب الممثل التجاري الأميركي الجديد، قالت في اجتماع جنيف بوضوح انها لا تستطيع تقديم تخفيضات إضافية في الدعم الزراعي الأميركي.
لكنها أشارت الى عدم الكفاية في تحقيق المقترحات الأخرى خاصة النقائص التي يستطيع الاتحاد الأوروبي والأسواق الصاعدة ان يقللوها الى الحد الأدنى بتخفيض التعريفات الجمركية.
وقد يكون لدى شوامب بعض المنطق لأن الاتحاد الأوروبي والأسواق الصاعدة لايزالون أقل رغبة من أميركا في خفض التعريفات الجمركية. في مجال تجارة المنتجات الزراعية مثلاً تريد أميركا ان تخفض الدول الغنية الحواجز التجارية بنسبة 6.6%، لكن الاتحاد الأوروبي عرض 39% فقط.
وعرضت مجموعة العشرين التي تضم الاقتصادات الصاعدة الكبيرة مثل البرازيل والصين والهند، نسبة 54%، من جانب الدول الغنية، وافترضت ان الدول الفقيرة لن تستطيع خفض الحواجز الجمركية بنسبة تزيد على الثلثين.
غير ان هناك كثيراً من الاستثناءات التي تضعف هذه المقترحات، لان كلا من الدول الغنية والفقيرة يمكن ان تعلن ان بعض السلع «حساسة» فلا تنطبق عليها التخفيضات. وهناك نقيصة أخرى لدى الدول النامية تتعلق بالمنتجات التي تسميها «خاصة» الرامية الى حماية المزارعين.
وتطالب بعض الدول باستثناءات قد تكون كافية لتدمير هذه المقترحات بالكامل، مثلاً مجموعة من الدول ذات الاقتصادات الصاعدة تشمل الصين والهند واندونيسيا تريد ان يكون لها حق وصف 20% من المنتجات الزراعية بأنها «خاصة» وعدم خفض الحواجز الجمركية على هذه المنتجات على الإطلاق.
وسوف يؤدي ذلك الى استثناء 90% من السلع الزراعية المستوردة من أي تخفيضات جمركية.
وفي الوقت نفسه يكون المنتقدون لأميركا على صواب عندما يقولون ان ما تعرضه من خفض الدعم الزراعي ليس جذاباً كما يبدو، فقد وعدت أميركا بخفض الدعم الزراعي بمقدار النصف.
وقد تبدو هذه النسبة جيدة، لكن السقف الجديد للدعم الزراعي البالغ 23 مليار دولار، يقل كثيراً عن العرض الأوروبي، لكنه يزيد عما تنفق أميركا فعلياً «بلغ في العام الماضي 19.7 مليار دولار» سنوياً مما أغضب شركاء المفاوضات.
ويقول المتفائلون (الأقل عدداً) ان هذا المأزق مجرد تكتيك. فقد كانت شوامب في حاجة لأن تبدو متشددة لتثبت قدرتها التفاوضية عندما تعود لبلادها عقب المفاوضات لأنها أول مرة تمثل بلادها في هذه المفاوضات.
وسوف تحصل شوامب على ثقة الكونغرس وبالتالي تستطيع التوصل الى اتفاق بعد ان تتسلح بسمعة طيبة في الدفاع عن المصالح الأميركية.
الأكثر من ذلك حسب رأي المتفائلين فإن مكونات التنازل واضحة، فقد قال باسكال لامي مدير عام منظمة التجارة العالمية بأن تخفض أميركا سقف الدعم الزراعي لأقل من 20 مليار دولار، وان يوافق الاتحاد الأوروبي على اقتراح مجموعة العشرين بشأن الجمارك على المنتجات الزراعية.
وان توافق الاقتصاديات الصاعدة على ان يكون الحد الأقصى للجمارك الصناعية 20%. وسوف تؤدي هذه التنازلات الى تخفيض الحواجز التجارية بأكثر من نصف ما اقترضته أميركا، لكنها سوف توقف ارتفاع الدعم الزراعي وتؤدي الى بعض التحرير في تجارة السلع الزراعية والصناعية.
لكن أصحاب النظرة التشاؤمية يعتقدون ان هذه الأزمة ليست تكتيكية، والنتيجة هي اتساع الفجوة بين أميركا والآخرين بشأن ما يجب ان يتحقق من جولة مفاوضات الدوحة.
ويبدو ان كثيراً من الأطراف المهمة خاصة الاتحاد الأوروبي والبرازيل يفضلون وصفة لامي رئيس منظمة التجارة العالمية، لكن الهند لا تحبذها، واذا لم تتحل الأطراف جميعاً بموقف أكثر مرونة لن يعني مساعدة الدول الفقيرة ألا تقوم الدول النامية بأي خطوة من جانبها، وأميركا على الطرف النقيض الآخر.
فهي تتمسك بالعزم المحمود على أن تؤدي الجولة إلى تخفيضات كبيرة في الحواجز التجارية، لدرجة انه يبدو انها ترفض التنازلات التي يطلبها الآخرون حتى ولو كان ذلك يهدد الجولة بالكامل.
ويقول كثير من أعضاء الكونغرس الأميركي ان أفضل الصفقات هي أسوأها. ويبدو ان الأعضاء حريصون على التوصل لاتفاقيات تجارة حرة، تستطيع أميركا من خلالها ان تفرض شروطها بسهولة أكبر مقارنة بالاتفاقيات الجماعية، وليس هناك اي ضغط كاف من المجتمع التجاري لإتمام جولة مفاوضات الدوحة.
ويبدو ان الشركات الأميركية سواء في مجال الخدمات أو السلع الصناعية قانعة بأن المحادثات لن تحقق الكثير. ويقول جيفري سكوت من معهد الاقتصاد الدولي في واشنطن ان الجولة لن تحقق الكثير في تحرير التجارة العالمية بل قد تسبب أضراراً للنظام متعدد الأطراف.
وقال من سيهتم بهذه المحادثات المرهقة مستقبلاً اذا كانت نتائجها الحالية ضعيفة. وأضاف أنه يتعين على أميركا ان تواصل الدفع للتوصل الى اتفاق حتى لو استغرق الأمر زمناً أطول، بدلاً من الخضوع لوصفة لامي.
المشكلة هي مرور الوقت بسرعة لاسيما وان مبادرة جورج بوش لتنشيط التجارة تنتهي في يونيو المقبل. وقد تستطيع شوامب وفريقها اقناع الدول الناقدة بتقديم المزيد.
لكن أي اتفاقية هي أقل من طموحه بالنسبة لما تريده أميركا. ولابد ان تقرر حكومة بوش في الأسابيع المقبلة أيهما سيكون أكثر ضرراً، الانتقاد الداخلي لإتفاقية غير مرغوبة أم الانتقاد الخارجي بسبب الاتهام بإفشال جولة الدوحة.
