حين يدور الحديث عن السينما العربية؛ فإن الذهن يسير بصورة تلقائية نحو بديهيات فرضتها الأفلام السطحية التي تنتجها شركات الإنتاج السينمائي العربية، والهاوية المتردية التي وصلتها هذه السينما في السنوات الأخيرة، وربما بات الحكم المسبق على فشل وسطحية وتردي الإنتاج السينمائي العربي، أمراً مفروغاً منه لدى تناول ونقد الأفلام العربية المعروضة على الشاشة.
ويبدو من العسير تماماً أن تحب شيئاً إن كان لك حكم مسبق عليه، والعكس يحدث تماماً، وبعيداً عن الأحكام المسبقة وفي محاولة لإنصاف بعض الأفلام العربية المعروضة حالياً، وبعيداً عن العاطفة تجاهها سلباً أو إيجاباً، يمكن القول ان الفيلم العربي »دم الغزال« الذي يعرض حالياً في صالات السينما بالدولة.
يعتبر طفرة غير تقليدية في عالم السينما المصرية، وتعتبر عوامله الفنية وأجواؤه »جين« طبيعياً غير معدل وراثياً، بل إبداعا حقيقيا يمثل »السينما الكاملة« بكل ما للكلمة من معنى، وهو يستحق الجوائز الست التي نالها من المهرجان القومي للسينما المصرية الذي انعقد قبل فترة.
»دم الغزال«، وإن اتسم بواقعيته الموحشة القاسية التي تتجه نحو التراجيديا ذات الطقس الحزين، إلا أنه في الوقت ذاته يمثل خروجاً عن المألوف الذي قدمته السينما المصرية طيلة الفترة الماضية حين يجري تناول القضايا الاجتماعية وتناقضات الحياة من فقر وثراء وظهور الجماعات الإرهابية المسلحة من قعر الحياة العربية.
فالسيناريو والقصة كتبهما قبل 3 سنوات واحد من أفضل فناني مصر »وحيد حامد« الذي غامر وأنتج الفيلم على حسابه الخاص، أما الإخراج فهو لمخرج يمثل رؤية جديدة للواقعية السينمائية »محمد ياسين«، بينما احتشد نخبة من نجوم السينما المصرية لبطولة الفيلم التي كانت موزعة وغير محددة في نجم واحد ـ وهذه إحدى حسنات الفيلم وخروجه على الأنماط التقليدية لمجمل الإنتاج السينمائي العربي.
ولا يخفى على الجمهور الأداء الراقي لكل من هذه الأسماء: نور الشريف، يسرا، منى زكي، صلاح عبدالله، عبد العزيز مخيون، محمود عبدالله، عمرو واكد، ويجب أن لا ننسى الدور الكبير لمدير التصوير المبدع محسن أحمد في إظهار الفيلم بصورة تختزل الكلام والنص في لقطات مكثفة تعبر عن إحساس واع بالمكان والوجوه.
أما الموسيقى التصويرية فالموسيقار لا يعلى عليه في عمق الإحساس وتجريد اللحن من مبتغاه الفني المحض للوصول به إلى محاكاة النص والأداء والمشهد والتعبير عنه بصورة أقرب إلى التجريد، وهو الموسيقار الكبير عمر خيرت، وبالتالي فنحن أمام عمل تجسدت فيه ـ ونجازف لنقول ـ لأول مرة مزايا »السينما الكاملة« بعيداً عن أي خلل في الأداء أو الإخراج أو القصة أو العوامل الأخرى.
تدور أحداث الفيلم في إحدى المناطق العشوائية في القاهرة وهو حي »امبابة« في أواسط التسعينات حيث يتحول طبال »محمود عبد الغني« الذي يقف وراء راقصة في المناطق الشعبية إلى أمير لجماعة إسلامية في المنطقة، لتدخل هذه المنطقة بعدها في سلسلة أحداث مؤلمة تنتهي بموت »حنان« الفنانة منى زكي التي تمثل روح الوطن وتمثل »مصر« بكل تناقضاتها.
أما افتتاح القصة، فيكون مع حفل زفاف الفتاة اليتيمة »حنان« من مدمن »حشيشة«، ليتحول الفرح إلى كارثة كبيرة حين تقتحم الشرطة المكان وتلقي القبض على العريس ومجموعة أخرى من سكان الحي نتيجة حيازتهم وتعاطيهم للمخدارت.
وهنا؛ تظهر شخصيتا »ريشة الطبال« الذي أداه محمود عبدالله و«البلطجي« الذي أداه بعفوية فنية جميلة الفنان »عمرو واكد« في التنافس على نيل قلب فتاة الحي اليتيمة »حنان« بعد دخول زوجها الموعود السجن، وبعد »علقة ساخنة« ينالها الطبال على يد البلطجي يقرر الثأر لنفسه عبر الانضمام إلى مجموعة أصولية إرهابية تجد فيه جسراً جديداً لتنفيذ مآربها التدميرية.
وتستمر القصة بانتقال »حنان« برفقة كفيليها »نور الشريف« و»صلاح عبدالله« للعمل في نادٍ رياضي تديره شخصية ثرية من طبقات المجتمع العليا هي الفنانة »يسرا« وتدور الأحداث بعدها إلى حين قيام مواجهة مباشرة بين »أمير الجماعة الإسلامية ـ الطبال سابقاً« وقوات الأمن وأجهزة الدولة في ملاحقة دامية يسقط فيها العشرات من الأبرياء آخرهم الفتاة اليتيمة »حنان«.
وحول هذه الجزئية ورغم اعتراض بعض النقاد ومنهم »طارق الشناوي« حول الإدانة التي يحملها الفيلم للجميع في قتل الحب والسلام على أرض مصر، من جماعات مسلحة وأجهزة دولة لا تعبأ إلا بالحفاظ على الكرسي وطبقات منحطة من الجانبين الثري والفقير؛ رغم هذا الانتقاد فإن الفيلم يتجاوز حدود الواقعية القديمة التي تحاول دائماً إظهار براءة طرف دون آخر، ويدخل ضمن عالم واقعية سينمائية حديثة لا تعترف بالمجاملات وتنقل الواقع كما هو وكما يعرفه الإنسان العربي.
لقد استطاع وحيد حامد ونجومه أن يقدموا عرضاً يعتبر الأفضل لغاية الآن في تاريخ السينما المصرية الواقعية، كما أنه امتاز بجرأة في الطرح في مواجهة الطرفين اللذين قضا حياته في نقدهما وفضح أساليبهما التي تبتعد كل البعد عن الحس بمسؤولية الوطن والمواطن »الحكومة ـ الجماعات الإرهابية«.
وكأنه بذلك يحاول صياغة نظرته بطريقة جريئة بعيداً عن الانحياز في تجسيد الخراب الذي يمثلانه، حيث تم توجيه النقد لوحيد حامد كثيراً عن أفلامه السابقة التي تناولت موضوع »الإرهاب« كفيلمي: الإرهاب والكباب، وطيور الظلام، وكأنه بذلك يعلن شهادة وفاة وولادة في آن معاً، وفاة أسلوبه القديم في أفلامه السابقة، وولادة لأسلوب جديد لم تعتد عليه السينما العربية بعد في تجسيد الواقع الاجتماعي دون مجاملة أو خوف.
أما شخصية »حنان« التي أدتها بكل عمق وعفوية الفنانة القديرة منى زكي، فهي تمثل ـ كما قلنا وكما يمكن استيحاء ذلك من قبل المشاهد ـ مصر بكل ما تحمله من عذابات وحب وضياع وإهمال وسلام ومتناقضات يبدو أن »أم الدنيا« قد أصابت بها جميع شقيقاتها العربيات، ورمزية شخصية »حنان« أبعد ما تكون عن الصورة المباشرة لما ترمز إليه.
فقد كان أداء النجمة »منى زكي« والسيناريو المكتوب لها بعناية ينتقل من صورة تجريدية إلى أخرى، وكأننا أمام مشهد تشكيلي لا يشابهه شيء إلا واقع الأوطان المبتلاة بعقدة »الحكومة« التي تدوس بأقدامها كل من يقف بمواجهتها وعقدة »الجماعات الإرهابية« التي تمثل فئة سطحية متخلفة تريد العودة بالناس إلى الجهل والتخلف،.
وهذه المقاربة بين بعض الشخصيات المتطرفة التي ارتكز عليها وحيد حامد في فيلمه ليست من بنات خياله أو من أفكاره العلمانية كما أراد البعض أن يسوّق، كما أن العارفين بالشأن السياسي المصري يعلمون أن قصة الفيلم حقيقية وقعت أحداثها بين أعوام 1991 ـ 1994 مع اختلاف بعض التفاصيل التي استدعاها العمل الفني، وأن أبناء حي »إمبابة« الفقير قد أطلقوا آنذاك على هذا البلطجي الذي أطال لحيته لقب »رئيس جمهورية إمبابة« خوفاً منه واستهزاءً بما وصلت إليه حالتهم من انفلات أمني.
ختاماً فإن »دم الغزال« يمثل حالة استثنائية بتوصيفه الفني لحالة التعدد الطبقي في العالم العربي، حيث هناك خطان لا ثالث لهما، فإما أن تموت بغيظك وجوعك ويأكلك الفقر والفاقة في أحياء البؤس، أو أن تنطلق في عالم الأثرياء »ذ.م.م ـ شركة ذات مسؤولية محدودة« وتدوس على كل شيء بأقدامك.
وهذا يذكرنا بزيارتنا لإحدى الدول العربية قبل فترة حين كنا جالسين في شارع مرفّه كأنه أحد أحياء باريس أو لندن أو »بيفرلي هيلز« وحين أردنا التجول في الناحية الأخرى لذلك الشارع عبر قوس تاريخي مقام هناك.
نصحنا رفاق رحلتنا من أبناء البلد بعدم عبوره لأنه يمثل خطراً علينا، لم نعبأ وعبرنا القوس لنجد أنفسنا في بؤرة كبيرة للمرض والفقر والفساد والمخدرات وكل الأشياء التي تندى لها البشرية، والفرق بين الحيين »الراقي« و«الفقير« هو بمثابة قوس تاريخي وطني، ويبدو أن أحياء وحيد حامد الفقيرة التي صور فيها معظم مشاهد أفلامه »إمبابة« »الباطنية« وغيرها من أحياء الفقر في مصر، هي ذاتها أحياء »بلاطة« الفلسطيني، وحي »الصدر« العراقي.
وحي »البقعة« الأردني..، لكن ما يميز تلك الأحياء عن الحي الذي ذكرناه عن العاصمة العربية هو أن هناك قوساً يفصل بينها وبين الأحياء الراقية، وربما عملت بعض الحكومات العربية بمقترح إنشاء »قوس« شبيه بالذي تكلمنا عنه!
أبوظبي ـــ محمد الأنصاري: