بدأت أحياء الطبقة الوسطى التي تختزل الأحلام الأميركية، في الانحسار التدريجي في مدن الولايات المتحدة بوتيرة متسارعة كتسارع انحسار الطبقة الوسطى ذاتها.
وراحت تنهض على أنقاضها أحياء فقيرة بائسة وأخرى غنية راقية وقسمت المدن حسب مداخيل سكانيها، وفقاً لدراسة قام بها معهد بروكنغ.
ووجدت الدراسة أ ن أحياء الطبقة الوسطى، باعتبارها جزءاً من الأحياء الحضرية والريفية في أكبر مئة حاضرة أميركية، بنسبة 58 بالمئة عام 1970، إلى 41 في المئة عام 2000.
وفي السنوات الأخيرة تم توثيق التفاوت الطبقي الواسع في الولايات المتحدة بالوقائع غير أن تحليل بروكنغ، للبيانات الإحصائية كشف النقاب عن انخفاض متسارع في الأحياء التي تحتضن الطبقة الوسطى.
والذي فاق إلى حد بعيد نقطة السبعة في المئة المسجلة بين عام 1970 و2000، بالنسبة لعائلات الطبقة الوسطى التي تعيش في المدن وفي أطرافها، فلقد انخفضت أحياء الطبقة الوسطى حيث تقطن الأسر التي تكسب 80 ـ 120 في المئة من الدخل المحلي المتوسط ـ أكثر من 20 في المئة كحصة من الأحياء المختلفة كافة في بالتيمور وشيكاغو ولوس انجلوس وفيلادلفيا.
كما انخفضت عشرة في المئة في منطقة واشنطن والأمر ينطبق على مدن مثل انديانا بوليس وهي مدينة من مزدهرة، تقطنها غالبية بيضاء تختال بطبقتها الوسطى، وتدني مستوى البطالة فيها، بالإضافة إلى المحافظة على الطابع النشط للوسط التجاري فيها.
ونظراً للفصل الطبقي الحاصل، فإن حصة أحياء الطبقة الوسطى في انديانا بوليس الكبرى، انخفضت إلى 21 في المئة منذ 1971.
وعلى هذا الصعيد قال آلان بيربو الباحث في الدراسات البشرية الحضرية في بروكنغز، إنه لم يحدث أي اندماج في أي مدينة أميركية من حيث الدخل، خلال السنوات الثلاثين الماضية.
وتابع بأن عدم الإقامة في المناطق المرفهة كفيل بالحرمان من الحصول على الحقوق ذاتها. كالمستوى الجيد من التعليم، والبيئة النظيفة، التي كان الوصول إليها متاحاً منذ ثلاثين عاماً.
وعن الأسباب التي ساهمت في ذلك قال جويل كوتكين المؤرخ الحضري والزميل في «نيوأميركان فاونديشن» إن انحسار أحياء الطبقة الوسطى يمكن أن يكون نتيجة لزيادة الفرص الاقتصادية وحركة التنقل السكاني، خصوصاً بالنسبة للأقليات ذات الدخول العالية.
ومضى قائلاً: حتى السبعينات من القرن الماضي، لم تكن الطبقة الوسطى من السود، وغيرهم من الأقليات تملك خيارات في تحديد أماكن سكناها وأضاف «كوتكين» مؤلف «المدينة، تاريخ معولم» بأن هؤلاء لم يجدوا بداً من العيش على مقربة من الأحياء متوسطة الدخل، ذات الانتماء العرقي الواحد.
أما الآن فقد بات بإمكانهم الانتقال إذا ما سمحت قدراتهم المادية إلى الأحياء الراقية ذات الدخول العالية. فالغلبة للدولار، وقد اختار كثير منهم العيش بعيداً عن الأحياء الفقيرة.
وتقول دراسة «بروكنغز»، إن ثمة ضرورة لإجراء مزيد من الدراسات والبحوث للوصول إلى فهم أفضل للأسباب المؤدية إلى اندثار الأحياء متوسطة الدخل بصورة أسرع من الأسر ذات الدخول المتوسطة.
وتكهنت بوجود عملية فرز في الضواحي الأميركية والمدن الداخلية مع تحول كثير من الأحياء متوسطة الدخل، إلى خانة الأغنياء أو الفقراء. وفي السياق ذاته فإن عدداً من الباحثين في الشؤون الحضرية، الذين لم يكن لهم دور في دراسة بروكنغز قالوا بأن نتائج دراستها، جاءت متوافقة مع مشاهدتهم السابقة في مدن تمتد من لوس انجلوس إلى كليفلاند.
في ضوء انحسار الطبقة الوسطى، واتساع الفجوة الاقتصادية بين الأحياء الفقيرة، والغنية، تقول دراسة بروكنغز، إن ازياد الفصل السكاني حسب الدخل.
يمكنه ازاحة ركيزة أساسية من سلم البلاد للحركة الاجتماعية ـ أحياء ذات دخول معتدلة بمدارس لائقة ووظائف قريبة ومعدل جريمة منخفض، وخدمات يمكن الركون عليها.
وفيما يخص الناس الذين لا يرغبون بالاستسلام للشيخوخة والعيش في الأحياء المضطربة ويمتلكون السبل للتصرف حيال ذلك. فإن طرق الخلاص مفتوحة، فقد غمرت صناعة الإسكان في الغرب الأوسط والشمال الشرقي الأسواق المحلية، بمساكن أحدث وأكثر اتساعاً. وفي انديانا بوليس الكبرى شيد أكثر من 72 ألف و500 منزل بين عامي 2000 و2004.
على الرغم من زيادة السكان بحدود 3 آلاف نسمة فقط وفي الأثناء فإن المساكن الأكثر قدماً والأحياء العتيقة أصبحت متآكلة كالسيارات المستخدمة وإن مثل هذه الحركة العمرانية تنشط في الغرب الأوسط والشمال الشرقي.
حيث فاق عدد المساكن الجديدة الواقعة على مشارف المناطق الحضرية، عدد السكان بأكثر من 30 في المئة بين عامي 1980 و2000، وفقاً لدراسة ساهم في وضعها «توماس بيتر»، التنفيذي المقيم في مركز البحوث الإسكانية والسياسة في جامعة ولاية كليفلاند، والذي قال: «إن الأميركيين أصحاب الدخول العالية جداً، ينجذبون إلى المساكن الجديدة، حيث أضحت الأحياء أكثر تجانساً».
وتابع بأن التوزيع حسب المناطق، وقف حائلا دون سكن أي كائن هناك، من غير ذوي دخول معينة، وهو آخر صنف من صنوف التمييز العنصري. وفي مظهر يعكس الصورة المناقضة لما يجري في الغرب الأوسط، والشمال الشرقي، فإن ثمة نقصاً مزمناً في المساكن في كثير من المدن في الساحل الغربي، بعيداً عن ذلك ساهم أيضاً في انخفاض الأحياء متوسطة الدخل.
ترجمة :وائل الخطيب