شهدت صفحات الإعلانات اليومية في الصحافة المحلية خلال الفترة الماضية، ارتفاعاً في وتيرة الطلب على الوسطاء الماليين للعمل في شركات وساطة يصب نشاطها الأساسي بقطاع الأسهم المحلية سواء في سوقي أبوظبي أو دبي الماليين.

وإذا ما قلبنا الصفحات وبحثنا بين العناوين، سنجد ازدياداً ملحوظاً في عدد الأخبار المنشورة عن افتتاح مكاتب وساطة مالية جديدة، والربط بينهما يفضي إلى فكرة واحدة مفادها تدافع الوسطاء وأصحاب الخبرة للحصول على موطئ قدم لهم في أسواق الدولة على الأقل.

إذ تشير آخر الإحصاءات الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والسلع إلى أنها منحت 81 ترخيصاً لافتتاح مكتب وساطة مالية حتى نهاية النصف الأول من العام 2006، وبالعودة إلى الإجمالي الذي أغلقت عليه الهيئة تراخيصها في نهاية العام الماضي، فقد أشارت إلى أنها منحت 25 ترخيصاً حتى 31 ــ 12 ــ 2005 ليرتفع الإجمالي بذلك إلى 51 شركة وبناء عليه،

فإن الأسواق شهدت دخول 30 شركة جديدة في ستة أشهر وبمعنى آخر فإن 37% من شركات الوساطة التي تزاول نشاطها في الأسواق بدأت خلال النصف الأول فقط، مقارنة مع 51 شركة دخلت السوق على مدار السنوات الخمس الماضية.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، لماذا اختارت هذه الشركات هذا التوقيت لدخول السوق، في ظل حالة الإشباع التي يعيشها السوق جراء التراجع المتواصل؟ وهل جاءت هذه الشركات في »الوقت الضائع« بعد انتهاء الفورة التي دفعتهم للتقدم بتراخيص المزاولة؟

يقف البعض على هذه الأسئلة بين مؤيد ومعارض، ولكل منهم أسبابه وتبريراته.

سببان لا ثالث لهما

عبد الجبار عودة، الشريك المدير التنفيذي لشركة بريميير للوساطة المالية والتي افتتحت أبوابها في يونيو الماضي، يستلهم إجابته على هذا التساؤل من سببين لا ثالث لهما، أما الأول في نظره والذي أسماه السبب المدروس، فهو يأتي في سياق الضرورة الملحة التي يشكلها الوسيط، خاصة خلال المرحلة المقبلة، في ظل التطور الحاصل على الأسواق وتوسع الخدمات التي تسعى جاهدة لتغطية الطلب الحاصل،

مؤكداً على أن طبيعة المتطلبات التي تطرحها الجهات المختصة للحصول على الرخصة تكمن في رأس مال قدره 10 ملايين درهم وضمانات بنكية لا تقل عن هذا المبلغ أيضاً، وهو ما يشكل في نظره عاملاً سهلاً وسلساً للإقدام على هذه الخطوة، ويضيف عودة، »المتطلبات السهلة تقودنا إلى السبب الثاني والذي يمكنني تسميته بالسبب غير المدروس، والذي يأتي في ظل التوجه العام الذي تشهده الأسواق«. وفي النهاية يرى عودة أن السببين معاً يخلقان روح التحدي التي ستعطي هؤلاء الوسطاء القدرة على الاستمرارية.

اندماجات وتحالفات

ويتفق ناصر النابلسي رئيس مجلس إدارة شركة المال الكابيتال، مع عودة في سياق التحدي، متخذاً من ذراع الوساطة الجديد الذي أعلن عنه مؤخراً في دبي »المال سيكيوريتيز« بأنه مثال حي ومختلف على جميع الأصعدة مع باقي التجارب، التي شهدتها الأسواق،

فلم يمر أكثر من أسبوعين على إطلاق شركة الوساطة الجديدة، حتى ألحقها بإعلان اندماج واسع مع شركتي وساطة أردنيتين في سياق الخطط الاستراتيجية التي خططت لها الشركة قبل انطلاقها، مكوناً بذلك أكبر شركة وساطة مالية في الوطن العربي برأسمال يناهز 312 مليون درهم.

ويقول النابلسي، إن فكرة التحالفات الكبيرة هي خيار استراتيجي قلباً وقالباً، وتصب في توجهات الشركة الاستثمارية الفعالة بدليل شركة الوساطة الجديدة التي تم إطلاقها في السعودية أيضاً، لتكمل بذلك باقي أقسام الشركة التي تعمل في مجال إدارة المحافظ الاستثمارية والأصول، والإصدارات الأولية.

ويستدرك النابلسي، الموضوع مشيراً إلى أن بعض الشركات الجديدة، دخلت السوق، وهي تتطلع إلى العوائد التي حققها الوسطاء في العام الماضي، ولكنهم لم يتمكنوا من التركيز على الخدمات التي يبحث المستثمر عنها باستمرار، وهو ما جعلها في خانة الشركات الضعيفة.

ويوافقه في السياق ذاته علي الشهابي المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة رسملة للاستثمار، والذي أشار في بداية حديثه إلى أن »رسملة« أطلقت شركة الوساطة الجديدة التابعة لها كاستثمار طويل الأجل ليس على الصعيد المحلي وحسب بل ويمتد إلى باقي أسواق المال الخليجية الأخرى.

وأضاف الشهابي »إطلاق شركة الوساطة الخاصة بنا لا يعتمد على الوضع الراهن الذي تعيشه الأسواق، إطلاقاً، فعملاؤنا موجودون بطبيعة الحال، وهي قناة وساطة تخدم الأداء الاستثماري الذي تنفذه الشركة الأم، في المقابل فقد شهد السوق دخولاً لبعض الشركات الصغيرة التي تحاول الاستفادة من الطفرة الحاصلة في الأسواق، ولكن الشركات الاستثمارية تدخل الأسواق بأموال قوية ومبنية على قاعدة متينة معززة نفسها بالكفاءات«.

تداولات ضعيفة وشركات جديدة

من جانب آخر، أشار أحد الوسطاء إلى مشكلة ما كانت بالحسبان على الإطلاق، على صعيد الشح الحاصل في أسواق المال المحلية، بعد حالة فقدان الثقة والتراجع في الأسواق.

منوهاً إلى أن الدخل الأساسي للوسطاء يصب في العمولة المقتطعة، وإن كان التراجع يطغى على الأجواء فإن »العمولة هي العمولة«، ولكن.. ما حدث الآن جاء مفاجئاً نظراً لضعف أحجام التداولات والتي لا يمكن تخيلها مقسومة بالتساوي على الوسطاء الــ81 المتواجدين في الأسواق، وبناء عليه،

فإن الشركات والحديثة منها خاصة، لن تستطيع تلبية مصاريفها اليومية، أو حتى رأس المال على أقل تقدير، وبالتحديد إذا انحصر نشاط الوسيط في الأسواق المحلية. وبناء عليه تدخل فكرة النابلسي والشهابي وعودة في حيز الأفضلية على غرار الاندماجات التي بدأت شركاتهم بها، لتصنف في خانة الإيجابية للأسواق، وقدرة الوسيط على الاستمرار.

الطلب على الوسطاء

ومما لا شك فيه أن قضية ارتفاع أعداد شركات الوساطة المحلية ودخولها الملحوظ في الأسواق يؤدي إلى فكرة ارتفاع الطلب على الوسطاء أنفسهم، وهو ما رفع أسعارهم في الأسواق إلى مستويات عالية مقارنة بالسنوات السابقة، إذ تشير المصادر إلى أن العروض تقترب في العموم إلى راتب إجمالي يناهز 15 ألف درهم، مقارنة مع 5 آلاف إلى 8 آلاف كأقصى حد في العام الماضي.

ويعتبر البعض ان ارتفاع الطلب أدى إلى تنافسية عالية بين الشركات لاستقطاب الخبرات والكفاءات التي من شأنها النهوض بنوعية الخدمات المقدمة للعملاء، ورفع مستوى الشركة، لاستقطاب اكبر كم ممكن من المستثمرين والمحافظة عليهم، من خلال النصائح التي يقدمها الوسيط لعميله، والتحليلات الفنية والتوصيات اليومية التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من الخدمة المعروضة للمستثمرين للمحافظة على العملاء إلى أكبر درجة ممكنة نظراً لتعاظم المنافسة الخارجية.

وبناء عليه فإن هذا بحسب رأي أحد الوسطاء يعود في النهاية إلى الدور الذي تقوم به هيئة الأوراق المالية والسلع من خلال فرضها شروطاً صريحة في نوعية الوسيط المستقدم للعمل في شركات الوساطة إذ لا تقل خبرة أقل واحد منهم عن 5 سنوات،

فضلاً عن الامتحانات التي يمر بها قبل خوضه امتحانات الأسواق المالية التي تعتبر كفيلة بتصنيف الوسيط وقدراته وصلاحيته للعمل في السوق، ولكن أحد مديري مكاتب الوساطة رفض البوح باسمه كان قد اعتبر أن بعض الامتحانات المطروحة، تطرح في بعض الأحيان أسئلة لا تتعلق في صلب عمل الوسيط، ولا يمكنها أن تكون محدداً رئيسياً لقدرات الوسيط الذي يريد الانضمام إلى أي شركة سواء كانت تزاول نشاطها في الأسواق المحلية أو غيرها.

الهامش والمخالفة والعقوبة

وعلى أساس القاعدة الواسعة التي شكلها الوسطاء في السوق، فقد صدرت بعض الاتهامات من جانب عدد من المحللين حول عمليات التسييل التي نفذها الوسطاء لحسابات المستثمرين الذين قاموا بعمليات شراء على المكشوف، وهو ما استدعى تدخل الأسواق والهيئة لتنظيم هذه »التجاوزات« وتحديد نظام التداول على المكشوف أو ما تمت تسميته بــ»الهامش«.

وقدم سوق أبوظبي للأوراق المالية نظاماً خاصاً لهيئة الأوراق المالية والسلع، لاعتماده في الأسواق المحلية، بهدف تحديد وتنظيم التداول على المكشوف الذي جاء فيه، أن تمويل عمليات الشراء يجب أن يتم من خلال حساب التداول بالهامش وفي حالة قيام الوسيط بتمديد فترة الإقراض لعملية ما إلى ما يزيد على خمسة أيام عمل، فإن المبالغ المستحقة لا تحسب ضمن صافي موجودات الوسيط عند احتساب رأس المال السائل بحسب قواعد الملاءة المالية،

وفي حالة إضافة أية رسوم أو فوائد على عمليات التمويل من خلال حساب التداول بالهامش، فعلى الوسيط تبيان هذه الرسوم للعميل قبل فتح الحساب مع إبراز المخاطر المتعلقة بالتداول بالهامش.

ونص النظام فيما يتعلق بفتح الحساب النقدي أنه يجب على العميل دفع كامل المبالغ المستحقة خلال يومي عمل, على أنه يجوز للوسيط اللجوء إلى الحساب النقدي لدفع أثمان أية عمليات في حالتين هما إذا كان في الحساب النقدي المبلغ الكافي لتمويل عملية الشراء،

أو إذا تضمنت الاتفاقية الموقعة مع العميل ما يلزم العميل بدفع كامل المبلغ المستحق قبل أن يقوم ببيع الأوراق المالية المشتراة، وبإمكان الوسيط بيع الأوراق المالية التي لم يتم تسديد أثمانها خلال خمسة أيام عمل أو خلال فترة التسوية إذا ما اتضح له أنه لا نية لدى العميل لدفع المبلغ المستحق عليه،

وذلك من خلال الحساب النقدي، أما فيما يتعلق بحساب التداول بالهامش أو المكشوف فانه يتوجب على المستثمر الذي يتداول نفس الورقة المالية بيعاً وشراءً في نفس اليوم أن يتداول من خلال حساب التداول بالهامش، وعلى من يقوم بشراء الورقة المالية وينوي بيعها قبل دفع ثمنها إتمام عملية الشراء من خلال نفس حساب التداول بالهامش ويشترط على من يقوم بفتح هذا النوع من الحساب ألا يقل رصيده النقدي عن 100 ألف درهم، ولا يسمح بالضمانات.

وجاءت هذه الشروط والأنظمة على غرار الإحصائية الصادرة عن هيئة الأوراق المالية والسلع فيما يتعلق بالأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي إذ بلغ عدد شركات الوساطة المخالفة 45 شركة، تركزت أبرز المخالفات المسجلة عليها بالشراء على المكشوف، وعدم الإفصاح عن البيانات المالية السنوية في الموعد المحدد، وعدم الاحتفاظ بالأوامر الصادرة عن العملاء، وعدم مسك دفاتر وسجلات تجارية بطريقة أصولية.

وتنوعت الجزاءات الإدارية التي تم اتخاذها بحق شركات الوساطة المخالفة مابين إنذار الشركة، والغرامات المالية التي تراوحت مابين 5 آلاف درهم إلى 100 ألف درهم، وذلك بالإضافة إلى تقييد المخالفات في السجل المهني للشركات المخالفة.

تحقيق ـــ سمير حماد