منذ بضعة أشهر، دُعيتُ إلى حفل عشاء لمناسبة إطلاق مشروع عقاريّ »ضخم«. في تلك الليلة، سمعتُ بعض المدعوّين يتنافسون في ما بينهم: »من منهم اشترى أجدد سيّارة، أجدد ساعة، أجدد حذاء« إلى ما هنالك...
وسمعتُ بعضهم الآخر يحلّل سوق الأسهم: »من منهم تمتّع بحسّ عبقريّ في الأعمال لينسحب في الوقت المناسب، ومن منهم بلغ به ذكاؤه ليجني الأرباح... والأرباح... ويسجّل أصفاراً، أصفاراً، أصفاراً، أصفاراً... (إلى الجانب الأيمن بالطبع) بطريقة مبالغة حتّى انّ الأرقام راحت، على مهل، تترك عالمها الطبيعيّ لتنضمّ إلى الفنّ التجريديّ«.
في تلك الليلة، سمعْتُ أيضاً السيّدات يناقشن، بشكل حادّ، مسائل إنسانيّة معقّدة: »من منهنّ ابتاعت أكثر الفساتين موضةً، ومن منهنّ أحضرت طبيب التجميل البرازيليّ الأكثر شهرة ليجري لها عمليّة محدودة لإعادة صياغة شكلها«... إلى ما هناك... وسمعْتُ بعض الناس يتحدّثون في السياسة...
وفيما كنت أتنقّل هنا وهناك، لفتتني مجموعة من أشخاص يحيطون برجل كبير في السن يحمل بعض الأوراق بيده. فانضممتُ إليهم، وعرفْتُ أنّ ذلك الرجل مهندس يحاول وصف منزله، إذ إنّ الناس دائماً ما يرغبون في معرفة كيف يصمّم المهندسون بيوتهم الخاصّة ويبنونها؛
وسمعتُه يقول:»مكتبي مكدّس بأكوام من الكتب والأوراق. ولوحة مفاتيح حاسوبي موضوعة على علبة من كرتون، علبة تعبئة من جهاز إرسال الحاسوب. وهي تبلغ الارتفاع المناسب لي، كما أنّها ثابتة وسهلة التحريك. وتقبع كلّها، بدون أن تلقى إزعاجاً، قرب مكتبي من القرن الثامن عشر المشغول بخشب وجلد رائعي الجمال. وكلّها تعمل معاً لتجعلني أشعر بالراحة وأنا أرسم وأصمّم«.
وتساءل: »ولا أدري إذا ما كانت الابتسامة المرسومة على وجه زوجتي »روز« (وأرانا صورتها) نابعة من اللون الأزرق في المطبخ، لون اخترناه أنا وهي معاً، بظلّيه الأفتح والأغمق، فزخرفَتْه لاحقاً بمحبّة. أتُراها ابتسامة نابعة من خلاّطة الكابوتشينو، وهي المفضّلة لديها، هديّتي عندما بلغت الستّين من العمر،
الموضوعة خلفها مباشرة، التي تشعرها كلّ صباح بفرح كبير وهي تعمل بها؟ أتُراها ابتسامة نابعة من الحديقة المتداعية، خلف الباب مباشرة، حيث تعيش بضع أزهار بلونها الأزرق الزاهي في تربة صلبة، في أرض صخريّة صعبة، تعيش لأنّ زوجتي أغدقت عليها عنايتها فأبقت المياه منسابة إليها دائماً؟ مطبخنا صغير، متواضع بسيط: وليس فيه ما يلفت النظر – ولكنّه، بطريقة ما، يرسم تلك الابتسامة السريّة على وجه زوجتي فتراه يُشعُّ إشراقاً... أمّا غرفة نومنا فتطلّ على...«.
وفيما كنت أصغي إليه، إذا بحشدٍ من المشاعر يجتاحني، ولا يعود السبب إلى الشعار الكلاسيكيّ القائل إنّ المال لا يستطيع شراء السعادة، أو ما شابهه...ولكن لأنّ تلك الابتسامة، ابتسامة »روز«، هي ابتسامة أمّي نفسها،
تلك التي شاهدتُها على وجهها كلّ يوم اعتدنا فيه، أنا وأختيّ، أن نجلس بجوارها لنشرب »قهوة العصرونيّة« كما نسمّيها في لبنان.وصفاء ابتسامة أمّي في بالي حتّى الشفافيّة، وحالة السعادة التي تكون فيها، جعلاني أشعر حتّى بنكهة القهوة تعبر قلبي.
تركنا الحفل، سألتُ أصدقائي أن نسير لبعض الوقت قبل أن نذهب إلى سيّاراتنا، وقد كنتُ برفقة أصدقائي هؤلاء الذين ما زالوا يتمتعون بتلك الميزة النادرة: ميزة احترام صوت الصمت.
لم أتمكّن من فتح فمي...فرحْتُ أنظر إلى المشاهد حولي... إلى أناس يقودون سيّاراتهم؛ ويُسرعون؛ ولا أعرف لسرعة الناس الدائمة سبباً... فهل هي ردّة فعل للبقاء في عالمنا العربيّ؟
رأيتُ مباني للمكاتب، مباني للسكن، شرفات عالية، عالية جدًّا تطلّ على طريق سريع، حيث يتكتّل الكاربون... (كنت أعتقد أنّ النيكوتين يقتل) ولكنّ الشرفات تقتل هي أيضاً على ما يبدو...
رأيتُ مباني لا وجه لها، شخصيّات لا اسم لها؛ رأيت شققاً متشابهة حتّى التطابق، مكاتب متطابقة، نوافذ متطابقة، عواميد متطابقة، وبالكاد تمكّنت من رؤية الفرديّة. وفكّرت أنّه يجدر بالطبيب البرازيلي أن يقوم بعمل ما هنا... يجدر به أن يعيد صياغة شكل المباني...
ولعلّه يستطيع أن يجعلها تعكس حشد الاختلافات التي هي مصدر إنسانيّتنا. ماذا أصابنا؟ ماذا أصابنا اليوم؟ هل يمكن ان نفقد حسّ النظر وبالتالي حسّ الشمّ كلّما أردنا شراء مكان، او استئجاره أو بناءه؟ أم أنّ هؤلاء الذين يبنون المشاريع ويطوّرونها قد فقدوا بالفعل حواسهم الخمس؟
بعض الغرباء حولي يضحكون، يضحكون بتصنّع... ضجيج... ضجيج... ضجيج... وإذا بي أشعر بفراغ شديد... وأفضّل الرحيل... رجعتُ إلى بيتي، فتحتُ الباب الرئيسي، أنرتُ المكانَ، واتّجهتُ مباشرة إلى المطبخ، وفيما انتظرْتُ الماء ليغلي، أخذْتُ الهاتف، وضغطتُ على الأرقام بسرعة... »مساء الخير ماما، هل يسعُني مشاطرة القهوة معك؟«.
ملاحظة: في تلك الليلة، وبعد أن بكَتْ أمّي، نصحتني بألاّ أشرب القهوة، فقد خافت ألاّ أتمكّن من النوم، (ردُّ فعلٍ نموذجيّ لأمّ)... وفي المقال أعلاه، غيّرتُ عن قصد اسم زوجة المهندس، رغبةً منّي في حماية تلك الابتسامة على وجهها.