أثارت دائرة تخطيط المدن بالعين واحدة من أهم القضايا التي باتت تقلق شركات ومكاتب الهندسة والمقاولين سواء على صعيد الإمارات أو دول مجلس التعاون، فوفرة المشاريع العمرانية لم تعد »مطمئنة« للعاملين في قطاع الإنشاءات بقدر ما أصبح القطاع نفسه متأثرا بتداعيات »العولمة« التي فرضت تحديات جديدة تستوجب التعامل معها بحنكة من قبل كل الفعاليات الاقتصادية وفي مقدمتها صناعة البناء والتشييد والهندسة المعمارية.
وقال المهندس فهد السقاف من دائرة تخطيط المدن بالعين »إن ظاهرة الشراكات والاندماجات بين الشركات العالمية آخذة بالازدياد ــ في ظل العولمة ــ ما شكل مصدر ضغط على الشركات الخليجية التي تعتبر صغيرة بالمقاييس العالمية«. وأضاف »لم يعد المهندس ــ والمقاول ــ الخليجي يجد مفرا من دعم مقدرته التنافسية إلا بطرق أبواب الشراكات والتحالفات«.
من جهته أثار الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز الربيعة العضو المنتدب لشركة ربيعة للاستشارات الهندسية مشكلة »بطء النمو المهني للمكاتب الهندسية مقارنة مع الانتعاش العمراني والاقتصادي في دول مجلس التعاون«. ولفت إلى »أن على تلك المكاتب التركيز على الجانب التقني والمهني بصورة سريعة وفاعلة«.
والى التفاصيل.....
شراكات
عصر اليوم هو عصر التكتلات الاقتصادية، فقد أصبحت الأهداف والرؤى الموحدة هي الخيار الأمثل الذي يصب في مصلحة الجميع، وهو نتاج وخلاصة النظرة الشمولية للواقع ووضع معالم الخطط الاستراتيجية المدروسة.
ظاهرة الشراكات والاندماجات بين الشركات العالمية آخذة في الازدياد وتمليها اعتبارات عدة وتشكل في ظل العولمة الاقتصادية مصدر ضغط على الشركات الخليجية التي تعتبر صغيرة بالمقاييس العالمية، وأمام هذا الوضع لا يجد المهندسون الخليجيون مفراً سوى سلوك الطريق نفسه لدعم قدراتهم التنافسية وتكامل خبراتهم وجني المكاسب التي تتحقق من وراء الاندماج أو إنشاء تحالفات استراتيجية.
ويقول السقاف إن الشركات الهندسية في دول مجلس التعاون الخليجي باتت حتمية في ظل التغيرات الحالية التي تسود العالم، والتي يمكن اعتبارها قاعدة أساسية للانطلاق نحو العالمية بخطى ثابتة نحو اقتصاد خليجي متكامل.
وركز السقاف على:
ــ عرض أهم مزايا الشراكات بين المؤسسات الصناعية الهندسية.
ــ مقومات الاندماج.
ــ آلية الدمج المستخدمة.
ــ استعراض العوامل التي تجعل من دول مجلس التعاون الخليجي البيئة المثالية لمثل هذه التحالفات.
ــ إلى جانب طرح التحديات والعوائق التي تحد من تحقيق مثل هذه الشراكات الهندسية.
واقترح السقاف مجموعة حلول تساعد على التعجيل بتحقيق مراحل التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة مثل هذه التجمعات والتكتلات العالمية، والذي بدوره سيساعد على تقوية اقتصادها وتعزيز قدراتها التنافسية أمام هذه التكتلات.
من أجل التنافس
في كتابهما »التعاون من أجل التنافس« يقول جويل بليك ودافيد ارنست محررا مؤسسة ماكينزي وشركاه إن المنافسة الشاملة الشرسة أضحت استراتيجية فقدت فعاليتها بالنسبة لمعظم الشركات العالمية، وعليه فقد تعلم العديد من الشركات المتعددة الجنسية أنها يجب أن تتعاون كي تحتفظ بقدرتها على المنافسة،
فالشركات لا تزدهر إلا حين يقدم الشركاء بعضهم البعض شيئاً لا يمكن الحصول عليه بخلاف ذلك، ما ينتج عن هذا التعاون هو قاعدة علمية وفلسفية صلبة لمن يحتاجون إلى الاستعانة بالتحالفات عبر الحدود في توسيع قاعدة حضورهم عالمياً.
وحيث تتحرك الشركات نحو إبرام تحالفات عبر الحدود مع غيرها فإن قدرتها ورغبتها في التعاون هي أفضل مؤشر على نجاحها وكلما كانت المشاركات مع غيرها تتسم بالندية كان مستقبلها أكثر إشراقاً والتحالفات ليست وسيلة للراحة بل هي أدوات حاسمة لخدمة العملاء في مناخ عالمي.
وركز السقاف في طرحه على:
1ــ عرض أهم مزايا الشراكات بين المؤسسات الصناعية الهندسية.
2ــ مقومات الاندماج.
3ــ آلية الدمج المستخدمة.
4ــ استعراض العوامل التي تجعل من دول المجلس البيئة المثالية لمثل هذه التحالفات.
5ــ بالإضافة إلى طرح التحديات والعوائق التي تحد من تحقيق مثل هذه الشركات الهندسية.
أهم مزايا الشراكات
قبل أن نخطو أي خطوة لابد لنا أن نحدد ما هي المكاسب التي يمكن أن نجنيها من جراء تلك الخطوة، وهل ستدر أي عائد وتخطو قدماً نحو الأفضل، ومن هذا المنطلق سنعرض أهم مزايا الشراكات الهندسية وإنشاء تحالفات استراتيجيات بين دول المجلس.
1ــ زيادة حقوق المساهمين.
2ــ تزايد فرص الاستثمار.
3ــ توجيه استراتيجيات الشركات بما يخدم مصالح دول الخليج مجتمعة.
4ــ ارتفاع العوائد: وذلك من خلال تطوير شركات الاستثمار الصناعي باعتبارها الممول للقطاع الصناعي في الخليج ومن خلال ذلك تنمو الشركات الصناعية وينعكس بدوره على القطاع الصناعي الخليجي ككل، ولمواجهة المنافسة العالمية لابد أن تتجه هذه الشركات نحو الاندماج لزيادة العائد.
5ــ مستوى الأداء لدى شركات الاستثمار سوف يقارن عالمياً وليس محلياً.
6ــ زيادة كفاءة الشركات الصناعية الهندسية التي تساهم فيها شركات الاستثمار.
7ــ تحسين الإنتاجية: سيكون شأن كبير للمناهج والتقنيات الإدارية الحديثة، وستلعب دوراً مهماً في تحسين الإنتاج والخدمات منها: الآيزو 9000 و14000، وتطبيق إدارة الجودة الشاملة (total quality management) وتطبيق أشمل للهندسة القيمية (value eng).
8ــ زيادة القدرة على المنافسة.
9ــ تعزيز القوة التفاوضية في سوق السلع.
10ــ زيادة المرونة والمقدرة على النفوذ إلى قنوات المعلومات وزيادة قدرة الشركات على الاستثمار في التقنية الحديثة والتدريب.
11ــ زيادة حركة البحث والتطوير بتمويل من القطاع الخاص، واختصار التكاليف في مجال البحث والتطوير، فمعظم الدول المتقدمة نجحت على مر العصور بدعمها للبحوث والدراسات وأصبح تأثيرها جلياً على المدى البعيد والأهم من نقل التقنية هو توطين التقنية.
12ــ نتيجة الاندماج ستقل تكلفة جميع وسائل النقل، خاصة بعد تحرير التجارة العالمية وهذا بدوره سيدفع كثيرا من الشركات إلى ابتكار طرق وأساليب جديدة للنقل زهيدة التكلفة مثل (العربية للطيران) وستقل تكلفة الاتصالات أيضاً (مثل الاتصال عن طريق الانترنت أصبح زهيداً جداً).
13ــ سيطرة المكاتب الهندسية الكبرى على المكاتب الهندسية الصغرى وستتنوع أساليب عمل هذه المكاتب لتحل محل الأساليب التقليدية فالمكاتب الهندسية الصغيرة ستنقرض إذا لم تطور نفسها تقنياً.
14ــ تطوير وتوحيد المواصفات والمقاييس ليصبح لدينا مواصفات عالمية بدلاً من محلية وإقليمية وهذا التطور سيحسن من جودة العمل.
15ــ نتيجة التطور ومواكبة الدول المتقدمة ستكون منافسة شديدة على الوظائف في المستقبل، وخاصة الوظائف الفنية في هذه الحالة لن يحصل على الوظائف إلا الأشخاص المؤهلين فعلاً، وهذا سيدفع المهندس إلى تخصص أكثر دقة وسيعتمد على مهندسين مؤهلين أكفاء والتخطيط والتطوير والتنمية.
مقومات الاندماج
تقوم إستراتيجية إنشاء الشراكات الاقتصادية في ظل العولمة على مقومات عدة، ومن أهم تلك المقومات بين دول الخليج هي:
1. تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية الموحدة وإزالة العوائق التي تحول دون تنفيذها.
2. الاتحاد الخليجي النقدي.
3. السوق الخليجي المشترك (2007)م.
4. توحيد التعريفة الجمركية.
5. العملة الموحدة التي تساعد على التحدث بلغة مالية واحدة ووضع وإدارة السياسة النقدية الموحدة.
6. البنك المركزي الخليجي (2006) لإدارة السياسة النقدية الموحدة وإبقاء البنوك المركزية الحالية لتنفيذ سياسة البنك الخليجي المركزي.
7. ربط أسواق الأوراق المالية بين دول المجلس وتطويرها لتلعب دورها كقنوات لتجميع المدخرات المحلية وجذب الاستثمار الأجنبي والأموال الوطنية المستثمرة في الخارج.
8. سعي الحكومات الخليجية نحو إيجاد قوانين تنظيم الاستثمار الخليجي وتعزز التعاملات المالية بين دول المجلس و العالم وإنشاء جهاز في كل يتولى عملية تنمية الصادرات ويعمل على إزالة العوائق وتهيئة الظروف الملائمة لدخول المنتجات الخليجية إلى الأسواق الخارجية العالمية والتسويق لها وتقديم حوافز مشجعة للصادرات (4).
9. الاهتمام بقطاعي التأمين والنقل البحري لما لهذين القطاعين من دور مهم في تسهيل حركة التجارة الدولية.
آلية الدمج
ربما نتساءل هنا عن ماهية إمكانية قيام مشروع طموح باستراتيجية معينة مدروسة يهدف إلى التكامل الاقتصادي الناجح ومستقبل مشرق بين أعضاء مجلس التعاون، وتأتي الإجابة على افتراض استراتيجية على عدة محاور منها:
1. أول ما يجب الشروع فيه هو البدء ببناء المناطق التجارية الحرة تعمل على تطوير التبادل التجاري البيئي والخارجي بين الدول الشقيقة وتشجيع المشروعات المشتركة.
2. ثم إزالة القيود الجمركية وتوحيد التعريفة الجمركية يمثل ركيزة أساسية في تسريع الوصول إلى اتفاقية منطقة التجارة الحرة بين دول المجلس من خلال الاتحاد الجمركي.
3. الإسراع في إنجاز السوق الخليجية المشتركة والاتفاقية الاقتصادية الموحدة، وتفعيل العمل الخارجي المشترك تزامناً مع الاتحاد النقدي الخليجي وإصدار العملة الخليجية الموحدة وسوق الأوراق المالي الخليجي الموحد في آن واحد، ليعلموا جنباً إلى جنب في عملية الإسراع على عمل تكتل اقتصادي قوي والذي يعد ثاني أكبر تجمع اقتصادي يصل إلى التكتلات الاقتصادية القومية الأخرى، لا وبل المنافسة معها.
4. العمل على قيام مناطق استثمارية خليجية تكون بمثابة نواة جذب الأموال الوطنية ودعم المشروعات الخليجية المشتركة وتوسيع رقتها أفقياً ورأسياً.
5. تنويع الاقتصاد الوطني من خلال برامج الإصلاح والخصخصة لتخفيف الأعباء المالية الملقاة على كاهل الحكومات الخليجية.
6. بناء قاعدة عملية وتقنية ومعلوماتية ذاتية ومتطورة تستطيع بها منافسة الأسواق العالمية، فالعولمة أكدت أن سر التفوق ومفتاح النجاح والوصول إلى قائمة الأمم الغنية والقوية يكمن في تأصيل العلم وبناء التقنية، فالقوة والتقدم يقاس بمقياس وحيد وهو حجم الإنفاق على الدراسات والبحوث والتطبيقات الميدانية (5).
7. دمج المصارف الخليجية وتطوير الأنظمة واللوائح والخدمات المصرفية لمواكبة الانفتاحات المصرفية العالمية وتعزيز قدراتها على المنافسة، وربط الأسواق المالية وإقامة بورصة خليجية موحدة.
8. عمل البرامج الوطنية لتدريب وتأهيل العمالة الوطنية (توطين) على اقتحام سوق العمل الحديث وتطوير نظم التعليم بصفة دائمة بما يدعم استراتيجيات الإحلال والتوطين (الخلجنة).
9. تحسين وتطوير نظم شبكات النقل الاتصالات لخدمة عبور الخبرات والأفراد والسلع بأقل تكاليف شحن ممكنة، وزيادة أرباح المستثمرين.
بيئة مثالية
تنفرد دول ومنطقة الخليج بعوامل قلما توجد في دول ومناطق أخرى بالعالم، مما يجعلها بيئة مثالية لعقد التحالفات والاندماجات الاقتصادية ويميزها عن باقي التكتلات الاقتصادية في أرجاء المعمورة.
1. الموارد الطبيعية: تعتبر دول المجلس من الدول الغنية في مواردها الطبيعية وموارد الطاقة، فدول الخليج تعتبر من أغنى الدول بالنفط والغاز الطبيعي، ومن أهم الدول المصدرة لها تستحوذ على 60% من احتياط النفط العالمي والغاز الطبيعي.
2. الموارد البشرية: يعتبر العنصر البشري أهم عامل في بناء اقتصاد الدول، ولدى دول الخليج طاقة بشرية هائلة، فنصف سكانهم تقل أعمارهم عن 20 سنة التي تمثل القوى العاملة القادرة على العمل والإنتاج والإبداع (6).
3. الموقع الاستراتيجي: تقع دول الخليج في قلب العالم القديم، وفي موقع استراتيجي بالنسبة للعالم الجديد، مما يسهل له حركة النقل التجاري (الجوي والبحري) مع العالم.
4. روابط اجتماعية: أهم ما يميز دول مجلس التعاون ويجعلها منفردة عن باقي التكتلات الاقتصادية هي ارتباطها بوحدة جغرافية واقتصادية واجتماعية وتاريخية وحضارية ومصير واحد مشترك وقيم مثل الدين واللغة والتاريخ والعادات والتقاليد.
العوائق والتحديات
ويرى السقاف بأن التمويل يعتبر من أهم التحديات الرئيسية التي تواجه تطور القطاع الصناعي بدول مجلس التعاون الخليجي.
1. انضمام دول المجلس إلى منظمة التجارة العالمية، وما قد ينجم عن ذلك من ضرورة رفع الدعم عن الصناعات وفتح الأسواق أمام السلع المستوردة، وتحديد الحد الأقصى للتعرفة الجمركية بنسبة 15%، وبالتالي فإن في شأن هذه المشكلات أن تحد من فرص النجاح لصناعتنا الوطنية.
2. عدم وجود بنوك تنموية خليجية ذات رؤوس أموال كبيرة تلعب دوراً مهماً في عمليات التمويل للمشاريع الصناعية والتي تهتم بقضايا الاستثمار في المجال الصناعي بالمنطقة والمشروعات الصناعية من أكثر المشروعات المنتجة التي تحتاج إلى دعم تمويلي للأسباب الآتية:
٭ كبر حجم رؤوس الأموال المستثمرة.
٭ طول الفترة التي يستغرقها المصنع حتى يعطي عائداً على إنتاجه.
٭ احتياجاته إلى التوسعة المستمرة.
٭ نفقات الصيانة المستمرة وغيرها من الأسباب الاقتصادية والفنية.
3. البنوك التجارية تقدم الائتمان على أسس تجارية بحتة بناء على أسعار الفائدة السائدة في السوق ولفترة قصيرة ومن غير فترة سماح.
4. الأعباء المالية الباهظة والناجمة أساساً عن ارتفاع كلفة الاقتراض من المصارف التجارية وهذه المعوقات ستزداد بعد انضمام دول المجلس إلى منظمة التجارة العالمية بسبب الاقتراض بسعر السوق.
5. الاتحاد النقدي المزمع فيه 2010 صحيح أنها خطوة إيجابية ولكنها تعتبر متأخرة كثيراً أي بعد خمس سنوات من الآن وتكون في هذه الفترة الدول الأخرى قد قطعت شوطاً كبيراً في الشراكات والتعاون الاقتصادي.
توصيات
1. التمويل يعد الحلقة الأكثر أهمية في إنشاء المشاريع والمطلوب العمل على تنويع هيكل الموارد المالية من خلال اللجوء إلى أسواق المال الوطنية.
2. العمل على إنشاء مؤسسات تمويلية صناعية جديدة تعمل جنباً إلى جنب مع المصارف الصناعية بمشاركة القطاع الخاص.
3. زيادة القدرات التمويلية والفنية والإدارية للبنوك والصناديق الصناعية وتوسعة النشاط لتقديم مزيد من التسهيلات التمويلية.
4. استحداث إجراءات تشريعية لتشجيع البنوك التجارية على الاستثمار المباشر في المشروعات الصناعية وتحديث وتطوير اللوائح والأنظمة المعمول بها حالياً، وبصفة خاصة من ناحية فترة السداد وسعر الفائدة.
5. إحداث تغييرات هيكلية بهدف دمج البنوك التجارية لتعزيز رؤوس الأموال والكفاءات، مما يعزز بدوره قدرة البنوك التمويلية.
6. الإسراع في إنجاز الاتحاد النقدي الخليجي، وإقرار العملة الموحدة قبل عام 2010، وليكن في 2007م بمجرد إعلان السوق الخليجي المشتركة (7).
7. الاهتمام بقطاعي التأمين والنقل البحري لما لهذين القطاعين من دور مهم في تسهيل حركة التجارة الدولية.
ظاهرة
ظاهرة الشراكات والاندماجات بين الشركات العالمية آخذة في الازدياد وتمليها اعتبارات عدة، وتشكل في ظل العولمة الاقتصادية مصدر ضغط على الشركات الخليجية التي تعتبر صغيرة بالمقاييس العالمية، وأمام هذا الوضع لا يجد المهندسون الخليجيون مفراً سوى سلوك الطريق نفسه،
لدعم قدراتهم التنافسية وتكامل خبراتهم وجني المكاسب التي تتحقق من وراء الاندماج أو إنشاء تحالفات استراتيجية، وتضافر جهود الجميع في القطاعين العام والخاص، لتعميق قدرة الصناعة الخليجية على إثبات وجودها، في وقت أصبحت الساحة مهيأة لدخول المجلس إلى العالمية.
مستقبل المكاتب الهندسية
وفيما يتعلق بمستقبل المكاتب الهندسية الخليجية وضرورة تسريع خطواتها لنقل التقنيات العالمية، فإن الدكتور عبدالرحمن الربيعة يرى بأن دول الخليج حظيت بنهضة عمرانية كبيرة شملت تنفيذ العديد من المشاريع الهندسية العملاقة خلال العقود الأربعة الماضية مما كان له أثر مباشر على نمو مستوى وقدرات المهندس الخليجي.
إن النقلة النوعية التي مرت بها الخدمات الهندسية في المنطقة والتطور السريع الحاصل في الوعي ومتطلبات العملاء كان نتيجة للتأثير المباشر لدخول الشركات الهندسية العالمية للسوق الخليجية، حيث لدى هذه الشركات سنوات طويلة من الخبرات المتراكمة على النطاق العالمي في كافة التخصصات الهندسية المختلفة.
لقد أبرزت السنوات الأخيرة قدرات مميزة لدى المهندس الخليجي لمواكبة التطور العالمي الحاصل في هذه المهنة، مما يقتضي حالياً تطوير فكرة المشاركة الفاعلة مع الشركات الهندسية العالمية المتخصصة لنقل التقنية وتطوير أساليب العمل لدى المكاتب الهندسية المحلية، بل توسيع دائرة المشاركة العالمية للمكاتب الخليجية.
ستناقش الورقة مسوغات وفوائد المشاركة مع الشركات الهندسية العالمية وتأثير ذلك على مستوى الأداء ونقل التقنية للمكاتب الهندسية الخليجية. وإن الدارس لواقع المكاتب الهندسية الخليجية ونموها النوعي يلاحظ وجود تباين بين النمو الذي حظيت به دول مجلس التعاون الخليجي في كافة قطاعاتها الصناعية والتجارية والعمرانية مقارنة مع نمو قطاع الخدمات المهنية المحلية، فلا يزال مستوى التقنية لأغلب مكاتبنا الهندسية بسيطة جداً و لم يواكب الحركة التنموية النشطة في الدولة.
وبدراسة نسبة النمو السنوي الفعلي للقطاع الخاص مثلاً بالسعودية والذي يمثل تقريباً 3-4% (حسب تقرير مؤسسة النقد العربي السعودي لعام 2003م)، يلاحظ أن نمو القطاع الهندسي كجزء من القطاع الخاص بطيء ولا يزال يحتاج للعديد من الخطوات الجوهرية لتصحيح مساره ليواكب النمو العام الحاصل بسوق المملكة العربية السعودية،
وفي نفس المسار باستعراض المشاريع الكبير المطروحة محلياً من قبل الدولة أو القطاع الخاص يلاحظ أن نصيب المكاتب الهندسية المحلية من هذه المشاريع ضئيل جداً وذلك لاستحواذ دور الهندسة الأجنبية على المشاريع الكبيرة والمتخصصة مثل الطاقة والنفط والغاز.
إن المتتبع للواقع الحالي لقطاع الخدمات الهندسية مع الأخذ في الاعتبار المستقبل القريب سيدرك أن مكاتبنا الهندسية الخليجية تحتاج لتطوير نوعي من جانب التقنية وكذلك زيادة قدراتها وكفاءاتها الفنية والمالية حتى يتمكن هذا القطاع من تحقيق الطموح لمواكبة النهضة في دول مجلس التعاون وكذلك منافسة الشركات الأجنبية التي لا تزال تعمل بقوة في السوق، يضاف إلى ذلك إمكانية توسع مكاتبنا الخليجية للعمل في باقي دول العالم.
واقع المكاتب الهندسية
إن المتتبع لواقع المكاتب الهندسية الخليجية خلال العقدين الماضيين يلاحظ بطء النمو المهني للمكاتب مقارنة مع الانتعاش الاقتصادي والعمراني لنفس الفترة الزمنية من دول مجلس التعاون، خصوصاً إذا ما قورن نمو المكاتب الهندسية مع قطاعات أخرى في السوق مثل المقاولات أو الصناعة.
وبأخذ عينة مثل السعودية وبدراسة بسيطة لعدد المقاولين المصنفين بالدرجة الأولى وطبيعة وحجم المشاريع الكبيرة التي نفذت مع مقاولين سعوديين (حسب ما جاء بكتاب الغرف التجارية الصناعية السعودية لعام 2002م) مقارنة مع عدد المكاتب الهندسية المحلية التي صممت تلك المشاريع يتبين الفرق الشاسع للمتتبع لهذه المقارنة فقد تطور نشاط المقاولات مثلاً بشكل كبير خلال الفترة الماضية، حيث نفذ العديد من المشاريع الكبيرة والمهمة،
وإذا ما قارنا ذلك مع النشاط الهندسي خلال العقدين الماضيين يتبين بأن عدد محدود جداً من المكاتب الهندسية استطاعت النمو الحجمي والنوعي، يضاف إلى ذلك أن التحسين التقني لطبيعة عمل المكاتب الهندسية متأخر جداً خصوصاً في النشاطات المهمة حالياً مثل الطاقة والبيئة والمياه.
وإذا أخذنا نفس المثل السابق كالسعودية، فإن تحليل بسيط للميزانية السنوية للمملكة العربية السعودية وحجم المشاريع المنفذة فيها ونسبة القيمة المالية المخصصة للدراسات الهندسية وحجم ما ينفذ من الخدمات الهندسية من قبل مكاتب محلية سعودية،
يلاحظ بسيطة الشريحة التي تحصل عليها المكاتب الهندسية خصوصاً للأعمال الهندسية المتخصصة والمشاريع الكبيرة. إن هذا الواقع أوجد ترسبا لرؤوس الأموال إلى خارج دول مجلس التعاون وكذلك عدم نقل للتقنية المتقدمة الموجودة لدى دور الهندسة العالمية مع بقاء المكاتب الخليجية بأحجام وإيرادات منخفضة خصوصاً أن دول مجلس التعاون يتركز فيها نشاط النفط والغاز والصناعة.
التقنية وأهميتها المهنية
التقنية والمهارة المهنية تعتبر أساس الخدمات الخليجية حالياً، حيث أصبحت كافة البرامج التصميمية على الحاسب الآلي وكذلك ارتباط المكاتب فيما بينها يعتمد على جانب الاتصالات الحديثة التي أزالت الحواجز الجغرافية، وكذلك اختصرت كثيراً الجانب الزمني وبالتالي وفرت التكلفة المالية للخدمات،
حيث إن نطاق الخدمات الهندسية يعتمد أساساً على عدد ساعات العمل المصروفة من المهندسين والفنيين على المشروع وبالتالي يحدد القدرة على المنافسة المالية والتنفيذية.
إن المتأمل للجانب المهني بدول مجلس التعاون الخليجي يرى الحاجة الماسة لتطور مكاتبنا الهندسية تقنياً بسبب تباطؤ تطورها الفني خلال العقدين الماضيين مقارنة مع القفزة العالمية في هذا الجانب، ويرجع السبب في ذلك لما يلي:
1 ـ انشغال المكاتب المحلية بالخدمات الهندسية العامة مثل تصميم المباني والطرق.
2 ــ عدم الصرف على جانب التدريب لمهندسي المكتب.
3 ــ الاعتماد على الموظفين الأجانب بصورة رئيسية من دول غير متقدمة تقنياً.
4 ــ قلة الدورات الفنية المطروحة في السوق الخليجي وارتفاع سعرها.
5 ــ أغلب المكاتب المحلية صغيرة أو متوسطة الحجم مما يحد من قدرتها على الإنفاق للتطوير التقني الذي يتميز بارتفاع التكلفة.
6 ــ انخفاض مستوى رسوم الخدمات الهندسية بدول الخليج مما حد من الإمكانيات المالية للمكاتب.
7 ــ عدم وجود حوافز أو شروط لتقييم المكاتب من خلال ما يتوفر لديها من التجهيزات والخدمات التقنية الحديثة.
مما تقدم ذكره نلاحظ أن هناك حاجة ماسة لاتخاذ خطوات محددة لرفع مستوى مكاتبنا الهندسية مهنياً وتقنياً لمواكبة الدول المتقدمة، مع ملاحظة أن النمط الحالي لبرامج التدريب والتطوير في المكاتب الهندسية الخليجية بطيء جداً، ويتبين قلة الدورات الهندسية في السوق السعودية كمثال على ذلك، وكذلك تدني نسبة المشاركة فيها. إن هذا الواقع يحتم التوجه إلى أسلوب آخر في نقل التقنية من خلال المشاركة مع دور الهندسية العالمية.
التعاون مع الشركات الهندسية العالمية:
إن القناعة بمبدأ المشاركة بين المكاتب الهندسية الخليجية ودور الهندسة العالمية أصبح ضرورة ملحة حالياً لنقل التقنية المتقدمة والحصول على الخبرات الفنية النادرة لتنفيذ المشاريع الكبيرة التي تتبناها دول مجلس التعاون الخليجي خصوصاً في الخدمات الهندسية المتخصصة مثل النفط والغاز والطاقة والبيئة والمياه.
إن الناظر لواقعنا الحالي في النشاط الهندسي يتأكد لديه حاجة إلى المشاركة العالمية، ويتبين أن النسبة العظمى من المكاتب المحلية ليس لديها خبرات طويلة في العمل الهندسي حيث يتراوح عمرها بين 1 ـــ 15 سنة وهذه فترة قصيرة جداً لاكتساب الخبرات المهنية خصوصاً إذا ما اجتمع مع ذلك قلة الطاقة الوظيفية للمكتب التي تتراوح غالباً بين 5 ـــ 15 موظفاً إضافة إلى محدودية القدرات المالية نتيجة لتدني الإيرادات.
ويلاحظ أن الجوانب الفنية تشكل فقط 2.55 والباقي نشاطات عامة تقليدية مما يؤكد حاجة السوق السعودية لتخصصات فنية وتقنية لتغطية هذا النقص ولمواكبة التطور العالمي. إن منهج التطوير للمكاتب الهندسية الخليجية يجب أن يشمل عدة جوانب لضمان النمو الحجمي والنوعي ويمكن الإشارة إلى بعض الجوانب المهمة كما يلي:
1- تطوير الجانب التقني والفني للمكاتب لرفع كفاءتها.
2- تنمية الجانب التطبيقي لدى المكاتب للعمل بالأساليب المهنية الحديثة.
3- تنمية تخصصات هندسة نادرة لبعض المكاتب
4- تشجيع وتطوير الخبرات للمهندسين الخليجيين.
5- دعم القدرات المالية للمكاتب.
إن الأسلوب الأفضل والأسرع للوصول إلى الهدف المنشود لنقل التقنية وتنمية المكاتب الهندسية الخليجية في الجوانب المختلفة يجب أن يتم من خلال المشاركة أو التعاون مع دور الهندسة العالمية التي لديها عشرات السنين من الخبرة في دول العالم المختلفة وكذلك لديها تقنيات متقدمة وبرامج تدريب متطورة بالإضافة إلى الإمكانيات المالية الكبيرة،
ومن خلال المشاركة الفاعلة والجادة سوف تستفيد المكاتب المحلية من تطوير قدراتها وممارسة التدريب على رأس العمل وكذلك نقل التقنية الموجودة في دور الهندسة العالمية مع أخذ المعرفة عن أفضل البرامج والتقنيات الحديثة المطبقة عالمياً.
إن هذا الأسلوب هو التحرك في الاتجاه الصحيح للنمو المهني ووضع خطة مستقبلية للإحلال بدل الشركات العالمية التي تنفذ حالياً المشاريع الهندسية العملاقة في دول الخليج العربي (8و9).
توصيات
لقد كان لبرنامج التنمية الناجح في دول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات الماضية الأثر الواضح بتطور النشاطات المختلفة (عمرانياً أو صناعياً أو اقتصاديا) وإذا ما نظرنا للمستقبل القريب نرى أن دول الخليج لديها خطط طموحة في التوسع في عدة مجالات مثل المياه والغاز والنفط والكهرباء، وهذا يحتاج بلا شك لوجود خدمات هندسية متقدمة لتغطية حاجة السوق المحلية وللوصول لهذا الهدف نقترح بعض التوصيات منها:
1- اندماج مكاتب هندسية خليجية لتأسيس شركات كبيرة ومتمكنة، ليكون لها فروع داخل دول الخليج لتغطية الحاجة في كافة الدول.
2- أهمية مساهمة البنوك في توفير التسهيلات المالية للمكاتب الهندسية لتتمكن من الدخول في المشاريع الكبيرة.
3- توسيع اتصال الشركات الهندسية الخليجية مع دور الهندسة العالمية للدخول في المشاريع المهمة بأسلوب المشاركة أو التعاون الفعلي في تنفيذ الأعمال.
4- تبني الدول والشركات شبه الحكومية لنظام يلزم دور الهندسة العالمية لتنفيذ نسبة من أعمالها من خلال المكاتب الهندسية الخليجية خصوصاً في مجالات تخصصية وليس في جانب الأعمال الهندسية العامة فقط.
5- ضرورة تبني المكاتب الهندسية المحلية لخطة واضحة لنقل التقنية من الشركات العالمية عند المشاركة معها وعدم الاكتفاء بنسبة الإيرادات المالية السريعة.
6- أهمية توظيف نسبة جيدة من المهندسين الخليجيين في كل شركة هندسية عالمية عند تنفيذها للمشاريع الكبيرة والمتخصصة بدول الخليج.
7- دعم الجمعيات الهندسية الخليجية للمكاتب المحلية بزيادة عدد الدورات الفنية وبأسعار مخفضة لمساعدة المكاتب على تبني التدريب للمهندسين والفنيين.
تأهيل المكاتب
إن النهضة العمرانية في دول مجلس التعاون الخليجي قد أوجدت تطوراً جيداً في كافة النشاطات والخدمات مما شجع الدولة على التوسع بالاستثمار والتنمية، وهذا يقتضي نموا مماثلا للمكاتب الهندسية الخليجية لمواكبة متطلبات السوق.
إن حاجة المكاتب للتنمية يتركز على الجانب التقني والمهني بصورة سريعة وفاعلة وذلك من خلال المشاركة مع دور الهندسة العالمية لغرض نقل أفضل الخبرات والمهارات التخصصية النادرة لغرض توطينها محلياً وذلك لخدمة دول منطقة الخليج مستقبلاً.
إن هذا البرنامج الطموح لنقل التقنية يتطلب مشاركة كافة القطاعات الحكومية وشبه الحكومية ودور المال والجمعيات الهندسية لتحقيق الهدف المنشود مع التركيز على تأهيل وتصنيف المكاتب لإعطاء الأولوية للمكاتب المحلية الجادة والطموحة.
دبي ــ مشرق علي حيدر
