أثبت أسعد طه ذاته خلال السنوات الخمس الأخيرة، كواحد من صناع البرامج التلفزيونية المختصة بالشؤون السياسية والاجتماعية، وبمستويات إنسانية أخرى مختلفة، منها: «الصراعات الدينية والعرقية، والتطرف والهجرة وكشف الأسرار، وأحاديث الذاكرة»،

إضافة إلى التسلل خلف الحكاية المعروفة لنبش الدواخل المجهولة من قبل الجمهور العربي المتعطش ليعلم عن قضايا تتصل مباشرة أو بشكل غير مباشر، سواء عبر البرامج التي أعدها وقدمها، أو عبر برامج عدة أنتجها لمحطة «الجزيرة» الفضائية.

في اللقاء معه يصف أسعد طه علاقته ب«الجزيرة» كمنتج ومعد ومقدم بالقول: «يختصر دورنا على التنفيذ بعد اقتراح أفكار البرامج التلفزيونية والموافقة عليها من قبل إدارة المحطة التي تعدل في كثير من الحالات في بعض اتجاهات البرنامج، والأمر ليس احتكاراً بقدر ما يشير إلى ثقة تراكمت دوافعها وأسبابها خلال سنوات من التعامل بين شركة الإنتاج والمحطة، بعض البرامج تتوقف حين تنتهي المدة الزمنية للتعاقد حولها، وبعضها الآخر يستمر،

بهذا المعنى أنا لا أحتكر (الجزيرة) ولا أقبل أن تحتكرني (الجزيرة)، إنها علاقة عمل يحميها ويؤمن استمراريتها، كما أسلفت، الثقة أولاً والعرض والطلب ثانياً».ورداً على سؤال حول ما يقال عن انتمائه إلى جهة سياسية معينة، يقول طه: «بالنسبة لتصنيفي بأنني محسوب على جهة سياسية أو اتجاه معين، فهذا شيء أرفضه، لأنه تجن، والتوصيف المسبق في الأصل مسألة خاطئة، لأنني أخضع أولاً في عملي للشرط المهني فقط،

وابتعد كثيراً عن أي شرط آخر، سياسي أو أيديولوجي، وفي الإطار ذاته ماذا يستطيع من يوجه هذا الاتهام أن يسمي دفاعي عن تيمور الشرقية وأهلها ليسوا بمسلمين وينتمون إلى الديانة البوذية، وكذلك عملت في كوسوفو والمذابح التي حدثت هناك ضد ضحايا مسيحيين ومسلمين، فالجرائم التي يرتكبها أي متطرف لا دين له، فالمتطرف شخص أعمى لا ينتمي إلى دين أو إلى أي شرعية».

«السجع» لغة ضرورية

يقدم أسعد طه برنامجي «يحكى أن» و«نقطة ساخنة»، فيقع بهما في لغة «الطباق» والسجع وفي الأول أكثر من الثاني، الذي يقترب به حيناً من موروثات «الجاهلية» اللحنية، أو من مستوى إنشائي يعتمد به على مبنى الوزن وليس على مضمون العبارة التي تعتبر أهم إذا ما حملت معلومة تصل إلى مشاهد يسعى إلى أن يعرف ما يدور حوله، ويقول طه حول هذه النقطة: «أرجو أن نميز بين (يحكى أن) و(نقطة ساخنة)،

الأول يتقبل السرد الحكائي ولغة السجع فيه ضرورية كجزء من المعنى الذي يساعد على الوصول إلى المتلقي، أي أن ما يوصف بالإنشائي أراه أنا تفسيرياً له موقعه وأهميته بالنسبة لطبيعة الموضوع، أما «نقطة ساخنة» لا أستخدم فيه أساليب التقديم في «يحكى أن»، بل أعتمدت صيغة أقرب إلى الوثائقية، لأن المواضيع التي يتناولها البرنامج فرضت صيغته، وهذا ينطبق على كل برنامج، كائناً من كان أعده وقدمه، بمعنى أن المحتوى ينتج أشكال اللغة لتقديمه باختصار.

مشكلة غياب النقد

ونثير مع طه اشكالية غياب النقد العلمي عن كثير من الانتاجات العربية الإعلامية، في الأدب والفن والسياسة والاقتصاد، ولاسيما الإعلام المرئي. فيرد معلقاً: للأسف ليس لدينا حتى الآن وسيلة لرصد ردة فعل الجمهور العربي على ما يقدم له تلفزيونياً، إذا صح التعبير، والمسؤولية أولاً تقع على عاتق إدارة المؤسسات الإعلامية المرئية التي لا تكترث لهذا مع أنه ذات أهمية كبيرة على الأقل في تبادل وجهات النظر بين طرفي العلاقة،

وليس أمامنا سوى حالات نقدية لبعض الكتاب لم ترق بعد إلى مستوى اتجاه نقدي متين وجدي يستطيع أن يسد فراغاً يشكل هوة واسعة بين الطرفين، أي الصانع والمستهلك، فالصناعة الإعلامية المرئية العربية خاضعة لأهداف الممول الإعلامي الذي غالباً ما يكون جهة رسمية يسعى إلى سمعة جيدة لرأسماله ولبلده.

وهو يغطي بذلك على العيوب الكثيرة في نظامه السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا أمر واضح للعيان، فما تظهره أكثر القنوات العربية للمشاهد يحمل قيمة ما من دون أدنى شك، لكنه يخفي من خلاله أموراً أخرى، أي انه يكشف ما يخدم سياسات الممول ويغطي ما يؤذيه، وهذه مشكلة يعاني منها كل إعلامي يهجس بتقديم صورة كاملة عن الحقيقة على الأقل بنسبة مقبولة.

فالإعلامي الذي يعمل على عكس ما هي غايات الإعلام يخون في رأيي ذاته أولاً، ومن ثم يخون إنتماءه الى انسانيته وروح المهنة.ويختم قائلاً: كلما التصق الإعلامي بأصول المهنة وحرفيتها كلما فرض نفسه على المشروع الإعلامي.

حوار: حسين قطايا