أنهت الممثلة اللبنانية كارمن لبّس، مؤخّراً، تصوير دورها الجديد في الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج اللبناني الشاب شادي زين الدين »هذا ليس فيلماً« (عنوان مؤقّت). يبلغ عدد الأفلام التي مثّلت فيها لبس ثمانية أعمال روائية طويلة، وواحدا روائيا قصيرا (»أعجوبة« لجورج حمصي).

بالإضافة إلى عدد من الأفلام الطالبية التي ينجزها الطلاب الجامعيون كأفلام تخرّج: »يروي فيلم شادي زين الدين ثلاث قصص في آن واحد«، كما قالت لبّس في حوار مع »البيان«، مضيفة أنها تمثّل »لمدّة تتراوح بين ثلاثين وخمس وثلاثين دقيقة، من دون أن أتكلّم أو أن أنطق بحرف. أؤدّي دور امرأة تقيم وحيدة في منزلها، لا تخرج منه أبداً، ولا تتواصل مع أحد.

منزلها غارق في اللون الأبيض. كأنها امرأة حيّة/ميتة. ذات يوم، تصلها رسالة. بعد قراءتها، تفتح نوافذ المنزل، وتغيّر كل شيء فيه، وتخرج منه مرتدية ملابس مختلفة، وتذهب إلى حديقة الصنائع في بيروت، وتجلس على أحد مقاعدها، وتنتظر. لن أخبرك بأكثر من هذا«.

ورأت لبّس أن التحدّي كامنٌ في ضرورة العمل على الحركة والجسد والعينين: »لا أقصد بهذا سلوكاً مسرحياً، لأن المخرج شادي عمل بحرفية سينمائية عالية جداً. استخدام الجسد يعني الحركة أكثر من أي شيء آخر: كيف أمشي، كيف أجلس، كيف أعبّر عن ذاتي من خلاله. في الجزء الأول، أظهر كشبح. فالمرأة قرّرت أن توقف مسار حياتها في لحظة معينة، وبشكل مفاجئ. هنا، عليّ أن أتعاطى مع جسدي كما لو أنه غير موجود. كأنه روح فقط، وليس جسدا يمشي على الأرض. هذا ما قصدته بلغة الجسد«.

توزّعت جنسيات الأفلام التي مثلت كارمن لبّس فيها على عدد من الدول العربية والأوروبية: مثّلت في أفلام لبنانية ذات إنتاج مشترك مع دولة أوروبية أو أكثر (»بيروت الغربية« لزياد الدويري، »متحضّرات« لرندة الشهّال صبّاغ، »معارك حبّ« لدانيال عربيد، »زوزو« لجوزف فارس) أو ذات إنتاج أوروبي بحت (»ليلا قالت هذا« لدويري، وهو إنتاج فرنسي)، ومثلت في فيلم سوري (»الطحالب« لريمون بطرس) وآخر مصري (»بطل من الجنوب« لمحمد أبوسيف).

في غالبية هذه العناوين، أدّت لبّس أدوار الأم المتألّمة، أو المحبطة: »أنت ترى المسألة من منظار مختلف، ربما لأنك ربطت الأدوار كلّها في سلسلة واحدة. بالنسبة إليّ، أرى فرقاً بينها.

الأم التي أدّيتها في »بيروت الغربية« ليست الأم نفسها التي أظهرتها في »زوزو« مثلاً. أودّ الإشارة هنا إلى أن »بيروت الغربية« أقرب إليّ وإلى شخصيتي في الحياة العادية. أنا لست متفائلة بل متشائمة. أتحمّل مسؤوليات عدّة، تماماً كما في هذا الفيلم الأول لزياد الدويري: هي التي تهتمّ بكل شيء، من المأكل والمشرب إلى العمل وإدارة المنزل وغيرها من المسؤوليات المختلفة. إنها تمسك بشؤون المنزل والعائلة.

لكن الصعوبة التي واجهتها في هذه الأدوار، تكمن في »معارك حبّ«: لا تريد دانيال عربيد امرأة قوية، بل امرأة مسيحية مغلوبة على أمرها، تريد أن يتدخّل خالها والكاهن، دائماً، لدى زوجها، لترطيب الأجواء المتشنّجة بينهما، ولتهدئته. أي، باختصار: امرأة من دون شخصية.

او إنها امرأة مكسورة؟ ولا تنسى لبس أن هذه الأفلام كلّها التي مثّلت فيها دارت أحداثها في إطار الحرب اللبنانية، مما يعني أنه أمر طبيعي أن تكون المرأة غير طبيعية. لعلّ هذا هو القاسم المشترك بينها.

أضافت لبّس أنها رفضت العمل في »زوزو« حين قرأت الدور للمرّة الأولى: »اعتذرت، على الرغم من أنها تجربة سويدية. لكن جوزف فارس أصرّ عليّ. تناقشنا مطوّلاً.

أفرد حيّزاً أكبر لدوري، الذي كان في البداية صغيراً جداً، لا يتجاوز المَشَاهد الثلاثة. رفضت، لأني تساءلت عمّا يمكنني أن أعطيه في دور مساحته صغيرة إلى هذا الحدّ. لذا، قام جوزف بتوسيع مساحة دوري. في هذا الفيلم، أدّيت دور الأم التي تموت ثم تعود إلى ابنها، كما لو أنها ملاكٌ. إنها تحبّ أولادها وعائلتها وتهتمّ بهم جميعهم. لا شيء بشع فيها. لا تسبّب حزنا لأحد. إنها أم مثالية، ربما لم تعد موجودة في حياتنا«.

عن تجربتها المصرية في (بطل من الجنوب)، قالت كارمن لبّس إن ما شجّعها على خوضها كامن في أنها، ببساطة، تجربة مصرية: إذا أراد فنان أن يدخل عالم التمثيل والسينما، عليه أن يمرّ من القاهرة. أضف إلى ذلك أن المشروع لمحمد أبو سيف. لكن، ما بقي من الفيلم هو هذه الصداقة بيني وبين المخرج.

وافقت على العمل معه قبل أن يُكتب السيناريو أصلاً. هناك أيضاً نجلاء فتحي. هذه أمور شجّعتني للمشاركة في العمل. المخرج ابن صلاح أبو سيف. هذا ما أغراني. ثم هناك مسألة أخرى: الأدوار كلّها التي تُعطى للممثلات اللبنانيات هي أدوار لا توافق الممثلات المصريات على تأديتها.

لكن الدور الممنوح لي في »بطل من الجنوب« يختلف تماماً عن هذه النظرة، إذ إنه دور أم مُقدَّمة بشكل جيّد ومرتّب، تواجه تحدّيات عدّة، لعلّ أبرزها هذا السؤال: من هي الأم: التي ربّت أم التي أنجبت؟ أغراني السؤال.

أما حين تحوّل المشروع إلى فيلم، أدخلت عليه تفاصيل أدّت إلى خلله وضياعه، أبرزها مسألة المقاومة في جنوب لبنان. بدا أن صانعي الفيلم لا يعرفون شيئاً عن الموضوع، لأنهم لا يقيمون في لبنان، أو ربما لأنهم لم يقوموا بأبحاثهم كما يجب.

إلى ذلك، اعتبرت كارمن لبّس أن الأفلام اللبنانية كلّها »لم تتحدّث عن الحرب اللبنانية«. كل فيلم تناول جانباً منها فقط، بهدف الحصول على تمويل أجنبي. فالأجانب يتحمّسون دائماً لتمويل فيلم لبناني عن الحرب. أما إنجاز فيلم حقيقي عن الحرب اللبنانية، فهذا سيؤدّي إلى خلافات قوية.

أعطيك مثلاً: عندما انطلقت عروض فيلم »بيروت الغربية«، الذي تحدّث عن الحرب اللبنانية من منظار ثلاثة أولاد، هاجمه المشاهدون في المنطقة الغربية من بيروت متهمينه بأنه قدّم الناس (وسخين)، في حين أن مشاهدي المنطقة الشرقية رفضوا اتّهامه إياهم بأنهم هم الذين بدأوا الحرب. الفيلم، ببساطة، يروي تفاصيل من الحرب من خلال نظر الأولاد الثلاثة.

الحرب عبثية. ورأت أنه بسبب كون الحرب عبثية، فما الذي يُمكن أن تقوله عنها؟ قصّة حب بين لبنانيين اثنين؟ إذا لم يكن هناك مسلم/مسيحي في الفيلم، لن يتحمّس المنتج الأجنبي لإنتاج الفيلم. يجب إغراء الجمهور في الخارج. بالنسبة إليّ، فإن فيلماً عن الحرب على غرار »منطقة معزولة« “no man’s land” لدانيس تانوفيك مثلاً، هو ما يُغريني ويحثّني على مشاهدته والاهتمام به، أكثر بكثير من فيلم مليء بإطلاق النار.

وأشارت إلى أن مسرحية زياد الرحباني »فيلم أميركي طويل«، إذا تحوّلت إلى فيلم سينمائي، تكون الفيلم الوحيد الجيّد والناجح في اختصار الحرب اللبنانية كلّها: لن يستطيع أحدٌ أن يكون موضوعياً في مقاربته الحرب. لأن ليس هناك طرف واحد بل أكثر من طرف. إذا تجرّأت وقدّمت مشروعاً كهذا، ستقف الرقابة لك بالمرصاد. هذا الموضوع من المحرّمات الثلاث المعروفة.

وانتهت كارمن لبّس إلى القول، ردّاً على سؤال حول ما الذي يحثّها على الموافقة على مشروع ما: »أولاً، أسأل عن المخرج كثيراً، لأن السينما إخراج، ثم تأليف. إذا عرف المخرج ما يريده، يكون قادراً على جذبي إلى مشروعه. أحياناً، تقرأ النص فتشاهد شيئاً آخر على الشاشة. الموضوع مهم بالنسبة إليّ. هذه نقطة أساسية. ثم المخرج: إلى أي حدّ يعرف ما الذي يريده«.

قدراتي أظهرها في حالة الصمت

»لهذا، لم يكن هناك ما يرغمني على العمل فيه، باستثناء تأثّري بالدور، وعشقي لتمايزه عن الأدوار السينمائية السابقة لي. في دوري الجديد هذا، هناك قدرات ذاتية شعرت أني أستطيع إظهارها في حالة الصمت التي عاشتها المرأة. أردت الإشارة إلى عملي المجّاني لأقول إن قبولي هذا الدور نابعٌ من رغبة شخصية في خوض تجربة التحدّي مع ذاتي. إما أن أفشل، وإما أن أنجح. لا أعرف«.

بيروت ـ نديم جرجورة: