وفقاً للتقارير الرسمية العربية، ومن بينها التقارير الصادرة عن منظمة العمل العربية التابعة لجامعة الدول العربية -هناك مؤشرات على اتساع مشكلة البطالة في الوطن العربي وقصور العلاجات التي طرحت حتى الآن، سواء على المستوى القطري أو المستوى العربي؛

فتقارير المنظمة ان عدد الشبان العرب العاطلين عن العمل يبلغ نحو 14 مليون شخص يشكلون ما نسبته 14% من القوة العربية العاملة التي بلغت أكثر من 100 مليون شخص عام 2004.

وتوقعت تقارير المنظمة أن يصل عدد الباحثين عن فرص عمل في المنطقة العربية سنة 2010 إلى أكثر من 32 مليون شخص، وأضافت أن عدد السكان النشطين اقتصادياً سيرتفع من 98 مليون شخص حالياً إلى نحو 123 مليوناً سنة 2010.

ومما يزيد خطورة ظاهرة البطالة ارتفاع معدلاتها السنوية التي تقدرها الإحصاءات الرسمية بنحو 1.5% من حجم قوة العمالة العربية في الوقت الحاضر، حيث تشير هذه الإحصاءات إلى أن معدل نمو قوة العمل العربية كانت خلال الأعوام 1995 - 2004 نحو 3.5% ارتفع هذا المعدل إلى نحو 4% في الوقت الحاضر،

وإذا كانت الوظائف وفرص التشغيل تنمو بمعدل 2.5% سنوياً، فإن العجز السنوي سيكون 1.5%، وعليه فإن عدد العمال الذين سينضمون إلى العاطلين عن العمل سنوياً سيبلغ نحو 1.5 مليون شخص.

كما تقدر منظمة العمل العربية أن كل زيادة في معدل البطالة بنسبة 1% سنوياً تنجم عنها خسارة في الناتج الإجمالي المحلي العربي بمعدل 2.5%، أي نحو 115 مليار دولار، وهو ما يعني ارتفاع المعدل السنوي للبطالة إلى 1.5% ويرفع فاتورة الخسائر السنوية إلى أكثر 170 مليار دولار.

وهذا المبلغ يمكن أن يوفر نحو 9 ملايين فرصة عمل وبالتالي تخفيض معدلات البطالة في الوطن العربي إلى ربع حجمها الحالي.

والبطالة بهذه المضامين والمؤشرات تعتبر احد أهم التحديات التي تواجه الاقتصاديات العربية في هذه المرحلة، وخلال السنوات المقبلة، نظرا لانعكاساتها العميقة على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. كما أن طبيعة التحدي التي تمثلها هذه الظاهرة لا تتصل فقط بمعدلاتها العالمية.

بل أيضا باستمرارها وتنامي معدلاتها عبر فترة من الزمن ليست بقصيرة في عدد من الدول العربية، وظهورها في عدد من الدول العربية الأخرى، خصوصا دول الخليج العربية، التي لم تعرف هذه الظاهرة من قبل، كذلك، فإن هذه الظاهرة لا تقتصر فقط على العاملين من ذوي المؤهلات العلمية المتواضعة ، بل تشمل أيضا خريجي الجامعات والمعاهد العليا بشكل متزايد.

ولا شك أن أحد أهم أسباب ارتفاع معدلات البطالة بالإضافة إلى نمو القوى العاملة المرتفع يعود إلى إخفاق خطط التنمية الاقتصادية في الدول العربية على مدار العقود الثلاثة الماضية، وخاصة بعد الفورة النفطية مطلع السبعينات،

فقد جاء في دراسة لمركز دراسات الوحدة العربية أن من أبرز مظاهر إخفاق خطط التنمية الاقتصادية وقوع معظم الدول العربية تحت وطأة المديونية الخارجية ، وفي المقابل هروب رؤوس الأموال العربية إلى الخارج التي تقدرها بعض المصادر بأكثر من 800 مليار دولار. وكذلك وجود أكثر من 60 مليون أميّ عربي، و9 ملايين طفل لا يتلقون التعليم الابتدائي، و73 مليون تحت خط الفقر، وأكثر من 10 ملايين لا يحصلون على طعام كاف.

ومن الأسباب الأخرى غياب التخطيط الاقتصادي المنهجي، وعدم تطابق برامج التعليم في معظم الدول العربية مع الحاجات الفعلية لسوق العمل، علاوة على أن التكوين المنهجي في معظم الدول العربية لم يواكب التطورات التكنولوجية السريعة الجارية في العالم. كما أن تطبيق الخصخصة أدى إلى تسريح أعداد كبيرة من العاملين في مؤسسات القطاع العام.

ويضاف إلى ذلك أيضا إخفاق معظم برامج التصحيح الاقتصادي التي طبقتها الدول العربية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في إحداث أي نمو اقتصادي حقيقي، وبنسب معقولة تساعد على التخفيف من مشكلة البطالة، بل على العكس من ذلك تماماً فقد ساهمت هذه البرامج في زيادة عدد العاطلين عن العمل،

وكذلك إفقار قطاعات كبيرة من الشعب نتيجة رفع الدعم عن السلع والخدمات الأساسية. كما أن تسارع ظاهرة العولمة ومسارعة الدول العربية للالتحاق بقطار منظمة التجارة العالمية، والاستجابة لشروطها في فتح الأسواق العربية أمام السلع والمنتجات الأجنبية المنافسة -

أدى إلى إعلان الكثير من المصانع والشركات الإفلاس كما يحدث الآن في مصر، الأمر الذي يعني اتساع ظاهرة البطالة وبشكل أسرع من السابق. كما أن العولمة ستؤدي إلى تفاقم ظاهرة الهجرة من الدول العربية وخاصة في صفوف الكفاءات والخبرات العلمية المتميزة، الأمر الذي يعني خسارة مزدوجة.

وفي مواجهة مشكلة البطالة المتزايدة في العديد من الدول العربية ، فإن المطلوب هو مضاعفة الجهود من اجل دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والنهوض ببرامج التدريب،

خاصة أن الدراسات العربية تقر أن هيكل القوى العاملة العربية يتصف بشكل عام بتدني الإنتاجية، وبخاصة في قطاع الزراعة، وضعف مشاركة الإناث في قوى العمل العربية إذ يصل هذا المعدل إلى حوالي 25% من القوى العاملة في كل من لبنان والمغرب وتونس، وينخفض دون 25% في الأردن ودول الخليج العربي.

كما تشير هذه الدراسات أيضا إلى أن الوضع الراهن للعمالة العربية لا يتناسب مع القدرات والطاقة الهائلة التي تتطلبها احتياجات العمل حسب المقاييس الدولية، لذلك فإن معدل النمو العالي للقوى العاملة وتدني نوعيتها وإنتاجيتها، وارتفاع تكلفتها تعد من التحديات الأساسية للاقتصاديات العربية ولاسيما في ظل مستجدات الاقتصاد العالمي المفتوح والقائم على المنافسة.

ومن هنا يصبح من الضروري - كما تدعو لذلك منظمة العمل العربية - تنمية مهارات القوى العاملة وتأهيلها وتدريبها باستمرار ، بالإضافة إلى تطوير أنظمة التعليم والتدريب والبحوث وتعديل القوانين المنظمة للعمل، وتحسين مناخ الاستثمار وتنشيط القطاع الخاص، وتطوير الأنظمة ذات الكثافة العمالية العالية القادرة على استيعاب جزء كبير من القوى العاملة.

وبموازاة الجهود الداخلية، لا بد أن تعمل الدول العربية على تحديد خيارات التنمية والقطاعات الاقتصادية الرئيسية التي تعتمد عليها بناء على احتياجاتها الداخلية وليس من خلال سيطرة الأسواق العالمية

وبالتالي أن تحدد بنفسها وليس الشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات والمنظمات المالية الدولية ميادين الإنتاج التي يمكن أن تسهم في تطوير القوى العاملة كماً ونوعاً من خلال الاعتماد على التكنولوجيا الملائمة والتي تستوعب أعداداً كبيرة من الأيدي العاملة الفائضة

كما يجب أن تكون الدول العربية مرنة في اختيار آليات الإصلاح الاقتصادي ووتائره ومجالاته لا أن تفرض عليها من الخارج كما حدث في بعض الدول التي انتهجت سياسات التكيف مع إصلاحات صندوق النقد الدولي.