لم يكن التعاون الاقتصادي العربي هدفاً بحثياً من أهداف المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ، وذلك بالرغم من أهميته في تنمية وتطوير المنطقة العربية التي ركز المنتدى بحثه عليها، خاصة في المجالات الاقتصادية العربية والتي في مقدمتها مبادرة الإدارة الرشيدة في الدول العربية والتي تم بحثها على هامش المنتدى وبمشاركة 11 وزيراً ومسؤولاً عربياً،
وبالإضافة إلى تدعيم الاستثمارات العربية داخل مصر والمنطقة العربية وكان في مقدمتها إعلان التحالف المصري الإماراتي لإنشاء مشروعات استثمارية كبرى.
ففي مجال الإدارة الرشيدة تم اجتماع متخصص ضم الدول المشاركة في المبادرة (16 دولة) باعتبار أن الإدارة الرشيدة تعتبر الركن الأساسي في الإصلاح السياسي والاقتصادي الذي تحاول الدول العربية تطبيقه منذ سنوات، وقد بحثت هذه الدول ما يلي:
- تقيم التقدم الذي حققته الدول العربية في المحاور الستة التي تتضمنها المبادرة والتي انطلقت في فبراير العام الماضي وتضم هذه المحاور:
الحكومة الإلكترونية وتبسيط المعاملات الإدارية وإدارة المالية العامة وتقديم الخدمات العامة والشراكة بين القطاعين العام والخاص والإصلاح الرقابي ودور القضاء وتنفيذ الأحكام ودور المواطنين والمجتمع المدني وإصلاح القطاع العام،
وهي المحاور التي تحدد البرامج الشاملة لتحديث وإصلاح السياسات والخطط والتشريعات وأنظمة وآليات العمل في الإدارات والمؤسسات العامة وبما يحقق التطوير الإداري في الدول العربية.
- إنشاء آلية جديدة لتيسير تنفيذ المشروعات داخل نطاق الإدارة الرشيدة وحتى تكون همزة الوصل بين الدول أعضاء المبادرة والدول المانحة لتمويل المشروعات المطلوبة، وقد تم الاتفاق على ضرورة العمل على توفير التمويل لهذه المشروعات في أقرب فرصة ممكنة حتى يمكن تنفيذها خلال الخمسة عشر شهراً القادمة بالمرحلة الثانية للمبادرة وعلى أن تقوم الآلية الجديدة بمتابعة خطوات التنفيذ حسب البرامج الزمنية الموضوعة لهذه المرحلة.
- إيجاد نقاط اتصال واضحة بين الدول العربية المعنية وكل من منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع تحقيق الشراكة القوية بين الجانبين وإعادة النظر في آليات التمويل اللازمة لتنفيذ خطط المبادرة لتكون بشكل أكثر يسراً،
خاصة وأن التمويل هو الجانب الذي يتوقف عليه تحقيق أهداف المبادرة في الإصلاح العربي الذي تتطلع إليه كل الدول العربية والذي سيؤدي إلى تدعيم التعاون الاقتصادي العربي والتمهيد لإنشاء السوق العربية المشتركة، بما تضمنه من إنشاء مشروعات إنتاجية مشتركة بين الدول العربية.
- ضرورة تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين خاصة في المناطق الرئيسية وذلك بالاعتماد على التكنولوجيا الحديثة للاتصالات والمعلومات والشراكة بين القطاعين العام والخاص للارتقاء بجودة الخدمات الحكومية،
مع مواصلة العمل من أجل تطوير السياسات الرامية إلى تحسين جودة الخدمات القانونية والإجرائية حتى تستجيب للمواصفات الدولية من سهولة في الفهم والقراءة والعمل على تبسيط الإجراءات والخطوات، وذلك بمشاركة المجتمع المدني وتشجيع مشاركة المواطنين في تصحيح السياسات والبرامج الحكومية حتى تخرج معبرة عن الاحتياجات المطلوبة للمواطنين ولكل من مؤسسات القطاعين العام والخاص.
إن الإدارة الرشيدة المطلوبة للإصلاح العربي في المجالات المختلفة، هي نقطة البداية التي يتوقف عليها تطوير الأنشطة في كل الميادين، وإذا كان مؤتمر الإدارة الرشيدة من أجل التنمية الذي نشأ منذ سنتين وانضم له ما يقرب من ست عشرة دولة عربية، قد اجتاز المرحلة الأولى له،
فإننا لا نستطيع أن نؤكد نجاحها حيث ان ما نشاهده حالياً بالنسبة للبيروقراطية الحكومية التي تعطل الخدمات في المؤسسات العامة والخاصة والتي يعاني منها المواطنون في كل أنحاء الوطن العربي، لا يختلف عما كان سائداً منذ أوائل القرن الماضي، بل أن هذه البيروقراطية هي التي أدت إلى تدهور جوانب الحياة العربية وإلى المعاناة التي تقاسي منها الشعوب العربية خاصة في الدول الفقيرة والمتوسطة.
وبالتالي فإن الأمل معقود على تفعيل التوصيات الواردة في المرحلة الثانية للإدارة الرشيدة والسابق الإشارة إليها، وإذا كان قد تم بحثها على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في شرم الشيخ، فإن ذلك يدعو للتفاؤل بقدر ما يرتبط بالذين سيقومون بمتابعة تنفيذ توصيات المنتدى،
سواء تلك الصادرة من مؤتمرات جانبية كمؤتمر الإدارة الرشيدة أو تلك الواردة في الكلمات التي تم إلغاؤها في الجلسات العامة للمنتدى، لأن التوصيات بلا تنفيذ ستكون خسارة مادية ومعنوية للمنطقة العربية كلها بل قد تؤكد ما يقال عن هذه المنطقة من أعدائها.
وفي مجال التعاون الاقتصادي العربي أيضاً تم بحث عدد من المشروعات الاستثمارية العربية التي يتم تمويلها برؤوس أموال عربية، وكان في مقدمة هذه المشروعات تحالف شركة »اعمار مصر« مع اعمار العقارية وشركة »أوتوك« للاستثمار والتنمية لإنشاء مشروع ضخم بالإسكندرية.
والمشروع بداية جديدة لمرحلة من التنفيذ العملي الذي لا يقتصر على توصيات في المنتدى أو في مؤتمر وإنما ينتقل بالفعل إلى الساحة التنفيذية. ليقدم مؤشرا مهما لنجاح المنتدى الاقتصادي العالمي في جوانب استثمارية عديدة، ونرجو أن يتبعه مشروعات تنفيذية أخرى.
ومع ذلك أقول إن المنتدى لم يتطرق تفصيلاً إلى التعاون الاقتصادي العربي في الصميم الذي يأتي فيه السوق العربية المشتركة والتكامل الاقتصادي العربي وتوحيد السياسات الاقتصادية العربية والقضاء على معوقات التبادل التجاري البيني والذي تزايد إلى حد كبير بعد بداية تطبيق منطقة التجارة العربية الحرة،
ووضع التخطيط اللازم لتطبيق الحريات الخمس وهي: حرية انتقال الأشخاص والأموال والسلع والخدمات والعمالة، وكذلك وضع الحلول السريعة لمشكلة البطالة التي فرضت نفسها على مناقشات المنتدى في يومه الثاني في ظل احتياج دول المنطقة العربية لأكثر من مئة مليون فرصة عمل خلال الأعوام العشرين المقبلة،
وهي فرص عمل لم توفرها إلا الاستثمارات العربية المتزايدة والتي يتعين الإسراع بها من الأموال الفائضة التي اتجه أغلبها إلى البورصات العربية مما أدى إلى انهيار بعض هذه البورصات خلال الشهر الأخير.
إن الاستثمارات العربية الواسعة التي يمكن أن تعيد بناء المنطقة العربية وترفع من شأنها ومن مستواها المعيشي والثقافي، هذه الاستثمارات وإن كانت قد أخذت وقتاً طويلاً في مناقشات المؤتمر إلا أن الجانب العملي فيها لم يكن متوافراً
كما حدث بالنسبة للتحالف المصري الإماراتي الذي تم إعلانه خلال المنتدى، والجانب العملي الذي أقصده يتضمن المجالات التي تبتعد عن الشعارات والاستعراضات والتمنيات،
بينما يدخل فيه التفاصيل العملية التي تتطلب إبرام العقود التنفيذية سواء أثناء المنتدى أو بعده مباشرة – أي بيان بالمشروعات الإنتاجية المطلوبة للمنطقة العربية، دراسات جدوى اقتصادية ومالية لها، معلومات كافية عنها وعن السياسات الحكومية التي تحكمها،
مدى توافر الخامات والعمالة والفنيين الذين يقومون بها، مدى حاجة الدول العربية لمنتجاتها كبديل عن الواردات، إمكانيات تصدير هذه المنتجات والدول التي يمكن التصدير إليها، بنود عملية متعددة كان يمكن بحثها بالمنتدى بدلاً من استعراض لإنجازات إنشائية قد يكون بعضها وهميا أو في الخيال أو مجرد تمنيات.
وعموما، فإن الأيام المقبلة سيتبين خلالها مدى نجاح أعمال المنتدى في تحقيق طفرة اقتصادية عربية من عدمه، وتحقيق إنجازات تصل إلى المواطن العربي البسيط الذي يعاني كل يوم في معيشته وهو يبحث عن قوت يومه بينما يسمع ما يحدث لأشقائه في العراق وفي فلسطين وفي دارفور بالسودان وفي الصومال، ويأمل أن تنتهي هذه الأحداث وألا يرثها أبناؤه.
كاتب اقتصادي مصري