قال محللون إن البنوك الإسبانية وبعد مرورها بمرحلة من المتغيرات والمستجدات المثيرة، خلال السنوات الخمس عشرة الماضية، أصبحت من أكثر البنوك كفاءة وفعالية في أوروبا.
وشهدت سوق التعاملات البنكية الفردية في البلاد منافسة شرسة، كما يتوقع أن تتحرك سوق الأسهم والتي اشتهرت بكفاءتها في المستقبل القريب إلى مساهمة عامة.
وبدأ الإسبان الذين يخالجهم شعور بالثراء يجنحون إلى المغامرة رغم تحفظاتهم المالية، وقد أخذت الآن التشريعات الاستثمارية البديلة الجديدة، توفر لمديري الاستثمار الأجنبي، الفرصة، لإيجاد موطئ قدم لهم.
وقد استقطبت اثنان من أكبر البنوك الإسبانية الأضواء، وهما »سانتادر سنترال هسبانو« أكبر بنوك منطقة اليورو من حيث الرسملة السوقية، وBBVA رابع أكبر بنوك منطقة اليورو، باستحواذاتها الأجنبية.
ويتواجد اليوم قرابة ربع الأصول المصرفية الإسبانية خارج اسبانيا حيث يوجد 66% في الاتحاد الأوروبي، وزهاء 30% في أميركا اللاتينية. فما الذي رسخ أقدام تلك البنوك خارج اسبانيا؟
وقد أورد خوزيه مانيويل كامبا، أستاذ الاقتصاد في كلية IESE للاقتصاد في مدريد، ثلاثة عوامل لخصها بقوله إن بنك إسبانيا (المركزي) طبق الأنظمة بصورة ناجعة الأمر الذي زاد المنافسة الداخلية.
وأضاف، إن الأسواق المحلية على درجة عالية من التنافسية. فضلاً عن أن اندماج القطاع البنكي الإسباني في تسعينات القرن الماضي، منح البنوك الإسبانية خبرة فريدة.
ويذكر أن سانتادر سنترال هسبانو اشترى »بانكو اسبانول دي كريديتو (بانستو) إثر تدخل بنك اسبانيا في أعقاب أزمة الإعسار في 1994. وقد عين سانتادر، فريقاً إداريا جديداً قلب بانستو رأساً على عقب.
ويساهم البنك الذي يشير إليه اميليو بوتين رئيس مجلس إدارة سانتادر بجوهرة التاج فيما يتراوح ما بين 9% و10% من أرباح سانتادر، وبرهن على أرضية اختبارية ناجحة للتطوير في التكنولوجيا البنكية. وهي منصة بارثيون المصرفية التي قام بتطويرها بانستو، ويجري تطبيقها في جميع عمليات سانتادر الأوروبية.
وفي الداخل، تواجه البنوك الإسبانية منافسة حامية الوطيس، في سبيل العملاء الأفراد، من قبل شركات التوفير والإقراض الإسبانية، التي تتمتع بنفوذ قوي، والتي تمتلك ما يزيد على نصف الودائع المصرفية في البلاد.
وفي بلد يوجد فيه أكبر عدد من الفروع المصرفية بالنسبة للفرد، فإن البنوك الإسبانية، أغلقت الكثير من فروعها بين عامي 2000ــ2002، إلى أن بدأت تفقد حصتها السوقية لحساب شركات التوفير والإقراض وفي أعقاب إساءة تقديرها للاتصال البشري، راحت البنوك تسعى جاهدة لقلب استراتيجيتها، مفتتحة مئات الفروع الجديدة العام الفائت.
وفي هذا السياق، قال بروشور كامبا: إن تعامل الإسبان مع بنوكهم مازال يعتمد إلى حد بعيد على علاقاتهم مع مدير الفرع المحلي، وخصوصا في الأغراض الاستثمارية.
وعلى صعيد آخر، فإن »بولساس مركادوس اسبانولز« (BME) التي تشكلت نتيجة اندماج بورصات اسبانيا الأربع (مدريد، بيلباو، برشلونة، وفالنسيا) سوف تتحول إلى مساهمة عامة في وقت قريب.
وتنعم رابع أكبر أسواق أوروبا، التي تضم التعامل في المشتقات وأسهم أميركا اللاتينية، عبر منصة لاتيكس بنسبة كفاءة ــ مصاريف التشغيل مقسمة على الدخل الكلي ــ تصل إلى 38% أقل من معدل منافسيها.
وقد أصبحت بولساس ميركادوس (BME) أول سوق عالمية للأسهم، تربط بورصات مختلفة بتقنيتها الأحدث من نوعها في العالم، لدى اندماج البورصات الأربع كما تشكل أنماطها التجارية المتنوعة والتي تشمل المقاصة، والتسويات 23 في المئة من الإيرادات والتعاملات
وفيما يواصل مستوى تطور المستثمرين الإسبان ارتفاعه فإن قبول طيف أوسع من المنتجات المالية، وإلى حد ما المخاطر المصاحبة لها. سيبدأ على المستوى الفرعي، في سوق الأفراد. وهذا معناه استمرار التحكم في المجموعات البنكية الكبيرة القديمة.
وعلى صعيد متصل، فإن القوانين الناظمة للاستثمارات البديلة أعطت الضوء الأخضر للصناديق التحوطية في اسبانيا.
ورغم ذلك فإنه يتعين على المديرين الأجانب تسويق منتجات صناديقهم وخبراتهم إلى البنوك الإسبانية الكبرى للتسويق عبر شبكة الأفراد الخاصة بها، أو البيع إلى مستثمرين جماعيين أو بنوك خاصة
وفي هذا السياق توقع ساشا ايفرز المدير الإقليمي لميلون غلوبال انقستمنتس التي تتخذ من بتسبورغ مقراً، حدوث زيادة في استخدام المستشارين الماليين المستقلين، من قبل البنوك المحلية التي تتحكم بتوزيع الصناديق التحوطية الآن. وقدر أن تصبح أكثر من 50 في المئة من الاستثمارات في اسبانيا في منتجات بديلة خلال خمس سنوات.
في غضون ذلك فإن عاصمة أسرع الاقتصادات نمواً في أوروبا تستقطب أكثر من 30 في المئة من الاستثمار الأجنبي المباشر في اسبانيا، كما أنها تحتضن قرابة 25 ألف شركة محلية وأجنبية في كل عام وراح كثير من أصحاب الملايين الأوروبيين والأميركيين يكتشفون المزايا التي تتمتع بها مدريد ليس باعتبارها وجهة للعمليات الجنوبية والأوروبية، ولكن باعتبارها قاعدة للأنشطة في أميركا اللاتينية،
هذا بخلاف أن العاصمة الإسبانية فاقت على إمكاناتها كمقصد استثماري، خصوصاً في القطاعات التقنية والقيم المضاعفة، وذلك بفضل موقعها، وبنيتها التحتية وخدماتها، ونوعية الحياة، ويعتبر مطار مدريد جسر أوروبا إلى أميركا اللاتينية.
حيث يناول ربع الرحلات العالمية إلى المنطقة، كما أن المبنى الجديد، المستقبلي، يعد بمضاعفة الطاقة الاستيعابية للمطار، ناهيك عن أن شبكة المترو تتوسع باستمرار، وشبكة الطرق الأولى تتحول إلى أنفاق ومن جهة أخرى، فإن ربع الاستثمار الأجنبي في مدريد خلال السنوات الثلاث الماضية قدم من المملكة المتحدة تليها في ذلك لوكسمبورغ وفرنسا.
وعلى الرغم من ذلك فإن العام الماضي شهد طفرة في الاستثمارات الأميركية في المدينة، خصوصاً في صناعات العلوم الحياتية، والتي تمثل ربع الاستثمارات في مدريد،
وإلى ذلك أعاب فنسنتز أورتيز، المدير التنفيذي بالمكتب ترويج الاستثمارات في مدريد ـ برومو مدريد ـ عن رأيه بأن هذه مجرد بداية لصعود في اتجاه الاستثمار الأميركي وكانت شركة بوينغ العملاقة رسخت وجودها في مدريد منذ ما يفوق عن 70 عاماً،
غير أنها ضاعفت أنشطتها عام 2002 في مدريد عندما افتتحت مركز البحوث والتكنولوجيا الأوروبي، وهو أول مركز للدراسات والتطوير خارج الولايات المتحدة. ويتخصص هذا المركز في التقنية البيئية والسلامة وإدارة الملاحة الجوية.
بالتعاون مع شركات وجامعات ومراكز بحوث في أوروبا. وتقول بوينغ إن سبب اختيارها لمدريد هو عضويتها في الاتحاد الأوروبي، ووجودها في منطقة اليورو، وصلاتها القوية بأميركا اللاتينية.
ومن جهة أخرى فإن مدريد تروج لمزايا الكفاءة العالية، وقوتها العاملة الرخيصة نسبياً، وتتطلع حكومتها المحلية إلى استقطاب الشركات العاملة في قطاعي التكنولوجيا والابتكار، بالترويج لمجمعات التقنية التي تمتد مساحتها إلى 4.5 ملايين متر مربع.
كما تحتضن مدريد 29 في المئة من الباحثين الإسبان وثلثي المهنيين العاملين في تكنولوجيا المعلومات ويتخرج 45 ألف طالب سنوياً من جامعاتها الإقليمية الخمس عشرة والتي تضم كليات تقنية وكليات تجارية.
وعلى الرغم من حقيقة أن 30 في المئة من العاملين في مدريد هم من حملة الشهادات الجامعية، إلا أن معدل أجورهم الساعية يظل أقل من معدل الاتحاد الأوروبي قبل التوسع.
ويبدو أن استهداف أنشطة القيم المضافة مثل البحوث والتطوير والصناعات الجوية، والطاقة المتجددة والعلوم الحيوية والمواد الصيدلانية، بات يؤتي ثماره.
فقد قررت مزود تقنية المعلومات هيولن باكارد استثمار 19 مليون يورو في مركز المعرفة والابتكار في مدريد حيث ستقوم بتنفيذ مشاريعها التكنولوجية المتخصصة، للشركات في أوروبا.
كما أن عملاقة البرمجيات الألمانية SAP، أقامت منذ 2002، مركز دعم عالمياً في مدريد. لتولي معالجة الطلبات من عملائها في أميركا اللاتينية والبرتغال وإيطاليا، وفرنسا، واليونان.
ترجمة: وائل الخطيب
