قال محللون إن إيران في مأزق كبير بسبب واردات البنزين المدعومة بشدة، وان المدن تعاني تلوثا خطيرا ويرى الاقتصاديون أن الإسراف في الدعم أحد الأسباب الرئيسية في عدم قدرة الصناعة الإيرانية المترهلة على المنافسة.
ويبدي مسؤولو الأمن الإيرانيون مخاوف من أن اعتماد بلادهم على الوقود المستورد يمكن أن يتركها عرضة للتأثر بأي عقوبات تفرضها الأمم المتحدة بشأن برنامجها النووي المثير للجدل. وعلاوة على ذلك فان سعر تسعة سنتات للتر البنزين يعني عمليا أن إيران تدعم الدول المجاورة نتيجة تهريب الوقود.
ورغم كونها ثاني أكبر مصدر للنفط في منظمة أوبك فان إيران بحاجة إلى استيراد حوالي 40 في المئة من 70 مليون لتر من البنزين تستهلكها يوميا بسبب نقص طاقة التكرير.
واضطر البرلمان للتدخل في السنة المالية التي تنتهي في مارس 2007 وقلص ميزانية استيراد الوقود. ويعني هذا أن الحكومة اما أن تبيع بالحصص أو ترفع الأسعار وهما تحركان مثيران سياسيا ومن الممكن أن يثيرا قلاقل.
ويقول وزير الداخلية الإيراني مصطفى بور محمدي ووزير النفط كاظم وزيري هامانه ان الحكومة تفضل وقف الاستيراد وتطبيق نظام الحصص خشية ان يؤدي رفع الأسعار إلى زيادة التضخم الذي يبلغ معدله بالفعل 12.1 بالمئة.
وأثير جدل كبير خلال الفترة الأخيرة حول البنزين الرخيص، وفوق محطة بنزين في وسط طهران علقت لافتة ذات مغزى لكن لا طائل منها تقول (مليون دراجة لا تسبب تلوثا بقدر سيارة واحدة).
وعند المضخات لا يبدو ان قائدي السيارات الذين يسكبون بإسراف البنزين
المدعوم دعما ضخما على جوانب سياراتهم يعتزمون التحول إلى استخدام الدراجات.
ويعتبر الوقود الرخيص حقا وطنيا في رابع أكبر منتج للخام في العالم ومن ثم يشعر أصحاب السيارات بالمرارة إزاء تأكيد الحكومة أن بيعه بالحصص قد يكون وشيكا.
وقال محمد موافيني وهو سائق سيارة أجرة يسير على خط يربط بين طهران وضاحيتها الغربية مدينة كاراج ان بيع البنزين بالحصص سيكون خطوة سلبية.
لماذا لا يمكنهم بناء مصفاتي تكرير أخريين بدلا من ذلك.
وأَضاف »سيفتح هذا سوقا سوداء لان الناس سيبدأون في بيع وشراء قسائم حصصها«.
وسيخضع أي قرار بشأن توزيع البنزين بنظام الحصص لدراسة دقيقة من جانب مسؤولين يخشون من حدوث سخط اجتماعي ومن تجار الطاقة الذين يرسلون ناقلة بنزين إلى الموانئ الإيرانية كل يومين.
وتكمن مشكلات إيران في اختلاف أولويات حكومات ذات توجه شعبي تتبنى خططا قصيرة الأجل عن أولويات مسؤولي صناعة النفط. وليس بمقدور وزارة النفط وشركة النفط الحكومية التي أيدت إقامة مصافٍ الحصول على حصة من الميزانية.
وقال المحلل الاقتصادي سعيد ليلاز »القرارات الاقتصادية تشوبها سياسات ذات توجه شعبي. على مدى الأربعين عاما الماضية تزيد المسألة تفاقما عاما تلو الآخر وما من حكومة لديها بالفعل الرغبة في معالجتها«.
وأضاف »وزارة النفط لم تحصل أبدا على الميزانية المناسبة«. لكن ليلاز وهو مستشار سابق في صناعة السيارات قال إن إيران يمكنها بالفعل إنتاج ما تحتاجه من الوقود وان رخص البنزين هو الذي أوجد ثقافة التبذير وتسبب في الأزمة.
وتابع »نحو 250 ألف لتر من البنزين تسكب على الأرض في محطات التعبئة يوميا.. شأنه شأن أي سلعة أخرى فان سعر البنزين يحدد الطريقة التي يستهلك بها. الإيرانيون لا يبددون الزعفران والكافيار«.
وصاحب الإفراط في استهلاك البنزين طفرة في مبيعات السيارات. وتحولت إيران إلى مركز إقليمي لصناعة السيارات مع إبرام شركات أجنبية مثل رينو وبيجو وهيونداي صفقات للإنتاج في الجمهورية الإسلامية.
ورغم النظر إليها في البداية باعتبارها مشاريع تصدير فان زيادة دخل إيران من مبيعات النفط والقروض الرخيصة كانت نتيجته أن الإيرانيين يشترون المزيد من السيارات.
ويقول بعض الساسة الإيرانيين ان الناس سيتقبلون بصبر فرض قيود على أنماط حياتهم المسرفة في استهلاك البنزين كما فعلوا خلال الحرب مع العراق بين عامي
1980 و1988.
لكن آخرين يقولون ان الحكومة تدرك أن عليها توخي الحذر بشأن الإخلال بالتوازن في بلد يعتمد اقتصاده كله على النقل البري.
وقال محمد باقر قاليباف رئيس مجلس بلدية مدينة طهران لصحف إيرانية ان تغيير سياسة الوقود قد تكون له تداعيات خطيرة إذا ما تسبب في فوضي بمرفق النقل العام. وعادة ما أثار ارتفاع أسعار الوقود ضغوطا تضخمية.
وقال كمال دانيشيار رئيس لجنة الطاقة بالبرلمان »يتطلب الأمر قرارا شجاعا لإصلاح نظام الدعم«.
وأضاف »الحكومة تخشى من أن يشعر الناس باستياء إذا أصبحت الأسعار حقيقية. لذا تتحرك الحكومة بحذر«. ومر بالفعل الموعد النهائي الذي قال وزير النفط وزيري هامانه ان الحكومة ستصدر فيه إعلانا رسميا بشأن نظام الحصص.
ويشك تجار طاقة دوليون في أن إيران تملك الشجاعة السياسية لرد نحو 15 ناقلة محملة بالبنزين ترسو هناك شهريا.
واقترحت لجنة الطاقة نفسها أن تتبنى طهران الخيار السهل وتدفع ثمن المزيد من واردات البنزين من احتياطيات النقد الأجنبي التي زادت مع ارتفاع عائدات النفط مع بلوغ أسعار النفط العالمية مستويات قياسية مرتفعة.
ورغم أن البنك المركزي يوصي ضد القيام بعمليات سحب من الاحتياطيات الدولارية التي قد تكون لها آثار تضخمية فان خطوة كهذه ستقدم لحكومة الرئيس محمود أحمدي نجاد فرصة لنزع فتيل برميل بارود سياسي. (وكالات)
مساعٍ لإنعاش برامج الخصخصة
تسعى إيران لإنعاش برنامجها المتوقف للخصخصة عن طريق طرح 80 في المئة من عدة شركات حكومية في سوق الأسهم لكن قطاع عمليات المنبع بصناعة النفط وبنوك رئيسية سيظلان في أيد حكومية.
ولم تبدأ إيران بعد مفاوضات انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية التي مقرها في جنيف. وحاولت إنعاش اقتصادها المتباطئ في 2004 عن طريق تعديل المادة 44 من الدستور التي كانت تنص على استمرار البنية التحتية الأساسية تحت الإدارة الحكومية.
لكن لا يوجد الكثير من الإقبال على شراء الشركات الحكومية. وحاولت طهران بيع ما قيمته 2.5 مليار دولار من الأصول التابعة للدولة خلال 12 شهراً لكن حصيلة البيع جاءت أقل من 30 في المئة من هذا المبلغ.
وذكرت تقارير إعلامية ان الرئيس الإيراني محمود احمدي نجاد سيوزع أسهما في مؤسسات حكومية على الفقراء إيفاء منه بالتعهدات التي قطعها أثناء حملته الانتخابية.
إلا ان هذه الخطط لا تشمل قطاع إنتاج المحروقات والشركة الوطنية النفطية الإيرانية كما انها لا تشمل سبعة مصارف كبرى منها البنك المركزي والبنك الوطني الإيراني وبنك تنمية الصادرات وهيئة الطيران والموانئ والشركات الرئيسية في قطاع الاتصالات. كما انها لا تشمل الصناعات »الدفاعية والأمنية«.