عبر معالي سلطان ناصر السويدي بصدق عن الحالة العامة التي تسيطر على أسواق صرف العملات بإشارته إلى » أنه لا يوجد اتجاه«، وهو ما يؤشر على أن المسألة الحيوية التي تهيمن على أذهان محافظي البنوك المركزية بما في ذلك المصرف المركزي الإماراتي في إدارة السياسة النقدية هو التحوط من مخاطر توقعات الفائدة الأميركية.
وليس التحوط فقط من مخاطر تقلب عملة الدولار في مواجهة العملات الرئيسية ، حيث باتت التوقعات تتذبذب بين لحظة وأخرى ما بين التألق بزيادة الرهان على وجود زيادات أخرى في أسعار الفائدة ، وما بين الخبو بتراجع هذا الرهان.
وأصبحت هذه التوقعات تتموج بين هذين الاحتمالين في تحركات سريعة التغير ، وهو الأمر الذي يكرس حالة عدم اليقين والتأكد التي تسيطر الآن على أسواق الصرف في العالم. وتدفع إلى انعدام الرؤية بشأن الاتجاه العام الذي سيسيطر على هذه الأسواق، فضلا عن إنها تخلف تذبذبا آخر لا يقل أهمية وهو تذبذب أسعار صرف الدولار في مواجهة العملات الرئيسية.
ولقد كرر مصرف الإمارات المركزي من وقت لآخر موقفه الثابت والذي أعلنه منذ وقت مضى، بشأن تمسك الدولة بخطة تحويل عشرة بالمئة من احتياطيها النقدي إلى اليورو، ولكن سلط معالي سلطان ناصر السويدي محافظ المصرف المركزي في تصريحات صحافية أدلى بها خلال الأسبوع الجاري الضوء على السبب الرئيسي وراء عدم تنفيذ هذه الخطة بقوله:
إن الإمارات لا تشتري اليورو في الوقت الحالي وان المصرف ينتظر تغير الظروف وسيتحرك حين يكون هناك اتجاه صعودي واضح وفي حالة تحرك اليورو هبوطا ، وأضاف مستدركا »أن المصرف سينتظر حتى يبلغ اليورو أدنى مستوى ثم يشتري ، أما في الوقت الحالي ، فليس هناك اتجاه«.
ويتجسد غياب الاتجاه أو بالأحرى حالة انعدام اليقين التي تخيم أسعار صرف العملات في تغير بوصلة التوقعات بشأن آفاق الفائدة الأميركية التي صارت المصدر الرئيسي لدعم الدولار في مواجهة العملات الرئيسية الأخرى والتي قدمت المساعدة له خلال العام الماضي للارتداد على مسار الهبوط الذي سلكه على مدى ثلاث سنوات متتالية.
وتجلت حالة تذبذب التوقعات بكافة أبعادها خلال الأسبوع المنتهي في 1 يوليو ،والأيام التالية عليه ،فقد راجت خلال الأسبوع المنتهي في 1 يوليو توقعات مؤداها أن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي قد يوقف دورة رفع الفائدة التي باشرها منذ عامين مضيا ، بيد أنه في الأيام التالية على الفترة المذكورة ، تغيرت التوقعات إلى الطرف الآخر المقابل ، بتزايد الرهان على أن البنك سيقوم بإجراء زيادات أخرى في أسعار الفائدة.
توقعات بوقف دورة رفع الفائدة
واستندت التوقعات القائلة بأن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي قد يرجئ زيادة أسعار الفائدة ، إلى الإشارات التي أطلقها البنك ذاته والتي دفعت التجار إلى قراءتها على نحو قاد إلى الإثقال على الدولار في اتجاه التراجع.
فقد ورد في البيان الصادر عن بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في 29 يونيو الماضي.
والذي جاء في أعقاب قراره برفع الفائدة الأميركية بمقدار ربع نقطة مئوية إلى 5.25 % أن بعض مخاطر التضخم مازالت موجودة ، وأن نطاق وتوقيت أي زيادات أخرى في معدل الفائدة سيعتمد على تطور أفق الوضع الاقتصادي بالنسبة للتضخم والنمو الاقتصادي.
وأوضح البيان أن التباطؤ في النمو الاقتصادي منذ مطلع العام من شأنه أن يساعد في الحد من الضغوط التضخمية ، بيد أنه بعدما تصاعدت هذه الضغوط ، ارتفعت مؤشرات الأسعار بالنسبة للسلع بشكل أكبر من المواد الغذائية والطاقة.
وأقر البيان أن المؤشرات الأخيرة تبين تراجع قوة النمو الاقتصادي عما كانت عليه في مطلع العام الجاري ، وتصاعد الضغوط التضخمية ، حيث صعد مؤشر سعر المستهلك على أساس سنوي خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري إلى 5.2 % مقابل 3.6 % عن نفس الفترة من العام الماضي ، كما ارتفعت أسعار الطاقة عن الفترة ذاتها على أساس سنوي إلى 3.1 % من 2.4%.
واستندت التوقعات التي تتكهن بوقف رفع الفائدة إلى الكيفية التي قرأ بها التجار هذا البيان ، حيث رصد محللون أن اللغة المستخدمة في البيان للتعبير عن سياسة البنك في مكافحة التضخم تميزت بأنها أقل حدة بالمقارنة مع اللهجة الحادة التي طبعت تصريحات مسؤولي البنك في وقت سابق.
فعلى سبيل المثال، اعتبر بيرناك رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في خطابه بتاريخ 5 يونيو الزيادات في الأسعار بأنها تطور غير مرحب به وأكد على تنبه صانعي السياسة النقدية لتطورات تراكم الضغوط التضخمية لضمان عدم ترسخ اتجاهات التضخم.
وقد أبلغ بيرناك أعضاء الكونغرس في 27 ابريل الماضي أن بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي قد يرجئ رفع الفائدة ، ولكن ليس هذا معناه أن البنك قد توقف عن رفع الفائدة كليا. وقراء بعض التجار هذا التصريح على أنه يعكس قلق بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي من التضخم.
وتتفاقم تعقيدات الوضع بالنسبة لبريناك لكونه يسعى إلى الوصول إلى صيغة توازنية بين قوتين متضادتين ، حيث أنه يسعى إلى احتواء الضغوط التضخمية من دون الإضرار بالقوي المحركة للنمو الاقتصادي ، بيد أنه يواجه هذين التحديين معا ، إذ قدر استطلاع للرأي أجرته وكالة بلومبيرج أنه من المتوقع أن يتراجع معدل النمو الاقتصادي على أساس سنوي من 5.6 % خلال الربع الأول من العام الجاري إلى 3 % خلال الربع الأول من العام ذاته.
وعلى الجانب المقابل ، تشير البيانات الاقتصادية إلى تصاعد الضغوط التضخمية ، حيث أفاد تقرير وزارة التجارة الأميركية الصادر في 1 يوليو أن معدل التضخم خلال الربع الثاني على أساس سنوي قد أرتفع إلى 2.9 % وهو اعلى مستوى له على الإطلاق خلال عقد ، مقابل 2.1 % عن الفترة ذاتها من العام الماضي. كما أظهر مؤشر سعر المستهلك الصادر عن وزارة العمل الأميركية أنه صعد خلال الربع الثاني على أساس سنوي إلى 3.8 % ، مسجلا أعلى مستوى له منذ مارس 1995.
وفي تقرير منفصل في 31 يونيو صادر عن الاتحاد الوطني لإدارة الإمداد ومقرها شيكاغو ، أفاد أن مؤشر منطقة شيكاغو للأعمال قد هبط في يونيو من 61.5 نقطة في مايو إلى 56.5 % في شهر يونيو.
وفي ضوء تعقيدات الوضع الاقتصادي، طرح محللون تساؤلات عن الكيفية التي بها سيعالج رئيس بنك الاحتياط الفيدرالي مثل هذا الوضع ، حيث علق ستيفن ستانلي المدير الإداري وكبير الاقتصاديين في شركة »آر بي إس جرين ويتش كابيتاتل ماركيتس أنه من المحتمل أن يتباطأ النمو في القريب العاجل ويتصاعد التضخم ، وبالتالي ، يصير السؤال المطروح هو كيفية مواجهة هاتين القوتين ، وذلك على الرغم من إعراب صانعي السياسة النقدية بشكل جلي وواضح عن تفضيلهم مكافحة التضخم.
وعلق في السياق ذاته دين ماكي كبير الاقتصاديين في مؤسسة » باركليز كابيتال « بقوله ان البيان يوضح أن بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي على ثقة بأن النمو يتجه إلى التباطؤ خلال النصف الثاني وأن الضغوط التضخمية قد تجاوزت النطاق المرغوب فيه، وأعرب ماكي عن ثقته بأن النمو الاقتصادي سيتباطأ إلى حد احتواء الضغوط التضخمية، وعلق كذلك بول كاسيريل مدير البحوث الاقتصادية في شركة »نورثيرنن ترست سيكيوريتيز « بقوله ان بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي قد أشار بالفعل إلى أنه يريد ارجاء رفع الفائدة، كما أن البنك يقر بوجود تباطؤ في معدل النمو الاقتصادي، وأن الضغوط التضخمية آخذه في الصعود وربما تسجل ارتفاعات فائقة.
وراهنت التوقعات القائلة إن البنك الفيدرالي الأميركي بصدد وقف دورة رفع الفائدة ، على كون البيانات الاقتصادية لا تقدم المنطق الاقتصادي لتبرير مثل هذا التحرك على الرغم من أن رئيس بنك الاحتياط قد يرغب في مباشرة المزيد من رفع الفائدة.
وعلى أية حال، سيتلقى صانعو السياسة النقدية حتى اجتماعهم القادم في شهر أغسطس ثلاثة تقارير ، الأول يتعلق بأسعار المستهلك والثاني يخص نمو الوظائف والثالث يتعلق بنمو الناتج المحلي الإجمالي ، كما أنه مازال هناك تجار ومستثمرون يراهنون على أن البنك سيقوم برفع الفائدة خلال الاجتماعين القادمين ، على اعتبار أن مخاطر التضخم لم تصل إلى مستوى الذروة.
وهكذا ، ونتيجة لهذه التوقعات ، تكبدت العملة الأميركية في مواجهة اليورو أكبر خسارة فصلية منذ عام 2004، وقلص التجار رهانهم بشأن احتمال قيام بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي بإجراء رفع آخر للفائدة في شهر أغسطس القادم.
وقد ارتد الدولار في العام الماضي على مسار الهبوط الذي استمر لمدة ثلاث سنوات وكسب 14 % في مواجهة اليورو والين نتيجة لإجراء زيادات في معدل الفائدة كان من شأنها أن زادت جاذبيته بالنسبة للمستثمرين ، إذ أنه في الوقت الذي جري فيه رفع الفائدة الأميركية خلال العام الماضي ثماني مرات، رفع البنك المركزي الأوروبي الفائدة ثلاث مرات منذ مطلع شهر ديسمبر الماضي ، بعدما حافظ على معدل الفائدة عند مستوى 2 % منذ منتصف عام 2003 ، كما حافظ بنك اليابان على معدل فائدة قريب من الصفر منذ عام 2001.
ومن ثم ، تراجع الدولار خلال الأسبوع المنتهي في 1 يوليو بنسبة 2.3 % ليصل إلى 1.2790 دولار لليورو ، أي أنه سجل أكبر انخفاض فصلي منذ الربع الأخير من عام 2004 ، وبالتالي ، فقد الدولار خلال الفترة المذكورة حوالي 2.3 % ليصل سعره إلى 1.2790 دولار لليورو ولتصل نسبة الانخفاض الفصلي خلال الربع الثاني من العام الجاري إلى 5.3 % ، كما هبط خلال الفترة ذاتها إلى 114.42 ينا أي بنسبة 2.8 % عن سعره في 31 مارس ، وهو أكبر انخفاض فصلي منذ الربع الأخير من عام 2004.
وقال تود إلمير محلل العملات في شركة »سيتي جروب جلوبال ماركيتس« في نيويورك ان بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي بدا كما لو كان سكب ماء باردا بإشارته إلى أن أي زيادات إضافية في الفائدة ستعتمد على البيانات الاقتصادية ، وعلق ريتشارد فرانولوفيش محلل العملات في شركة »ويست باك بانكينج كورب« بقوله ان معنويات السوق تتجه الآن إلى بيع الدولار وشراء اليورو والعملات الأخرى.
وقدرت مؤسسة سيتي جروب أن الدولار سيهبط إلى 1.28 دولار لليورو و122 ينا خلال الأشهر الثلاثة المقبلة وتعتبر سيتي جروب ثالث أكبر تاجر عملات في سوق الصرف الأجنبي الذي تصل قيمة تعاملاته اليومية إلى 1.9 تريليون دولار.
وأظهرت تداولات عقود الفائدة الآجلة أن التجار يراهنون بنسبة 59 % بأن بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي سوف يقوم برفع الفائدة إلى 5.5 % خلال اجتماعه المقبل في شهر أغسطس القادم.
وفاقت عوائد سندات الخزانة الأميركية لمدة عامين مثيلاتها الألمانية بنسبة 1.58 نقطة مئوية وهو أدنى مستوى منذ 7 يونيو ، وفاقت عائدات سندات الخزانة الأميركية لمدة عشر سنوات مثيلاتها اليابانية بمقدار 3.22 نقاط مئوية.
وتعمقت خسائر الدولار في 31 يوليو بعدما أعلنت وزارة التجارة الأميركية أن الإنفاق الشخصي في شهر مايو قد ارتفع بنسبة 0.4 % مقابل 0.7 % في الشهر السابق عليه ،كما ظل مؤشر التضخم الذي يستخدمه بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي عند مستوى 2.1 %.
توقعات الفائدة الأوروبية
وزادت خسائر الدولار نتيجة لبروز توقعات بأن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع أسعار الفائدة ،حيث توقع استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بلومبيرج وشمل 15 اقتصاديا ، أن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى 3 % خلال الأشهر الثلاثة القادمة ، وأن ترتفع إلى 3.25 % بحلول نهاية العام.
وغذى صانعو السياسة النقدية الأوروبية توقعات رفع الفائدة ، بإشارة كل من يافيس ميرسيك ونيكولاس جارجاناز وهما عضوان في مجلس محافظي البنك إلى رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية أو أكبر من ذلك خيارات مطروحة أمام البنك ، وقد أعلنت المفوضية الأوروبية أن الثقة بين المديرين التنفيذيين والمستهلكين قد قفز في يونيو إلى أعلى مستوى على مدار خمس سنوات.
وقد رفعت شركة »جي بي مورجان إتشيس« توقعاتها بالنسبة للفائدة الأوروبية بمقدار ربع نقطة مئوية لتصل إلى 3.75 % بحلول نهاية العام.
وعلق سو ترينه محلل العملات في شركة »آر بي سي كابيتال ماركيتس« ومقرها سيدني على هذه الآفاق المبشرة للفائدة الأوروبية بقوله انه ربما يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع الفائدة بمعدل أكبر بالمقارنة مع بنك الاحتياط الفيدرالي، وأضاف »نحن نتوقع أن يتجه اليورو إلى أعلى«. وقال جينز نوردفيج محلل العملات في شركة » جولدمان ساكس« بنيويورك » نحن نرى بوضوح تياراً يعبر عن ضعف الدولار«.
تبدل التوقعات
ولكن تبدلت هذه التوقعات في 3 يوليو ، حيث صعد الدولار نتيجة لتكهنات مؤداها أن التقرير الخاص بالصناعة سوف يأتي قويا على نحو يدعم استمرار بنك الاحتياط الفيدرالي في مواصلة رفع الفائدة خلال العام الجاري.
وتوقع استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بلومبيرج وشمل 85 اقتصاديا أن يرتفع مؤشر الصناعة لمؤسسة إدارة الإمداد الأميركية من 54.4 نقطة في مايو إلى 55 نقطة في شهر يونيو.
وعلق محللون على غرار ليك وادينجتون رئيس مبيعات العملة في بنك »رويال اسكتلندا« بإشارتهم إلى أن السوق مازال يسعى لاستشراف ما ستكون عليه أرقام الفائدة الأميركية ، وأنه إذا ما جاء تقرير التصنيع قويا ، فلسوف يحافظ بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي على مواصلة رفع الفائدة «.
وقادت هذه التوقعات إلى صعود الدولار في مواجهة اليورو إلى 1.2760 دولار لليورو ، وفي مواجهة الين إلى 114.50 ينا.
وأظهرت تعاملات عقود الفائدة الآجلة أن التجار رفعوا رهانهم على قيام بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي بزيادة الفائدة إلى 5.5 % خلال الاجتماع القادم في أغسطس ، وذلك من 59 % في 30 يونيو إلى 62 % في 3 يوليو.
وهكذا ، تتأرجح أسعار صرف الدولار صعودا وهبوطا بناء على توقعات الفائدة والتي هي الأخرى تتغير بوتيرة سريعة ، الأمر الذي يجعل عملية تنفيذ خطة المصرف المركزي الإماراتي الرامية إلى تنويع احتياطيه تنطوي على الكثير من التعقيدات التي تعكس عدم وضوح الرؤية و»غياب الاتجاه« بالنسبة لآفاق أسعار الصرف.
دبي ـــــ مجدي عبيد: