رغم اختيار الجمعية القومية للنقاد السينمائيين في أميركا للكندي »ديفيد كروننبرج« كأفضل مخرج عن فيلمه »تاريخ من العنف« إنتاج عام 2005، والذي يعرض حالياً في صالات الإمارات، ورغم ترشح الفيلم لأكثر من جائزة في مهرجانات الأوسكار الأميركية وكان الفرنسية.
إلا أن الفيلم المقتبس عن رواية للكاتب »جون وانجر« لم يصل من الناحية الإخراجية وإيقاع الأحداث إلى المستوى الفني الذي كان متوقعاً من الفيلم بعد الضجة التي أثيرت حوله، وهذا لا يعني أنه قد فشل إخراجياً بل انه لم يرتقِ إلى مستوى القصة المعقدة المنشورة قبل سنوات.
تبدأ أحداث الفيلم مع جريمة بحق أشخاص –من ضمنهم طفلة لم تبلغ العاشرة ــ في إحدى الاستراحات البعيدة على طريق سريع في أميركا، ينفذها مجرمان بدم بارد دون مؤثرات فنية من موسيقى تصويرية أو غيرها، وهي لمحة إخراجية ذكية لشد انتباه الجمهور للأحداث المقبلة.
تتنقل الكاميرا بعد ذلك إلى إحدى الضواحي الأميركية الهادئة البعيدة عن صخب المدن الكبيرة، حيث يبدأ بطل الفيلم »توم ستال« يؤدي الدور النجم الشهير »فيغو مورتنيسن« الذي اشتهر سابقاً بأدائه للسلسلة الجميلة »ملك الخواتم«.
يبدأ هذا البطل بفتح محله صباحاً مستقبلاً زبائنه بكل ود وتستمر المشاهد تنقل جزءاً من الحياة اليومية للبطل وعائلته، وإن كان المخرج لم يوفق في الإطالة في بعض المشاهد؛ خصوصاً تلك المتعلقة بالعلاقة الرومانسية بين البطل وزوجته، والتي تم حذف العديد من مشاهدها على يد الرقابة في الإمارات حرصاً على الذوق العام، والرقابة محقة في ذلك لمن شاهد النسخة الأصلية قبل الحذف.
تنقطع سلسلة الأحداث الهادئة للفيلم مع قدوم مجرمان إلى محل »توم ستال« ــ وهما نفس من نفذ الجريمة الأولى في المقدمة ــ حيث يقوم هذان بالاعتداء على المحل والزبائن بغية السرقة والقتل، فيتصدى لهما »ستال« بطريقة بطولية نفذها النجم »فيغو مورتنيسن« بصورة موفقة ودون مبالغة في التصوير والأداء.
بعد حادثة المحل؛ تفتح أبواب الجحيم، وتعود أغنية الشيطان، ليعود معها التاريخ الذي يبدو أنه لن يفارق صاحبه، وهي فلسفة تقول أن »الشر« لا »الخير« هو النزعة والصفة الطبيعية للذات الإنسانية، وأن الماضي الأسود يلاحق الإنسان حتى وأن اعتزله وابتعد عنه آلاف الأميال.
وأن أبواب التوبة والمغفرة الأرضية التي تحاول الشرائع أو النصائح البشرية أن تعزف على أوتارها في المجتمع الإنساني؛ ما هي إلا كذبة ومحض افتراء ليس إلا، وبالعودة إلى أجواء الفيلم نجد مجموعة أخرى من المجرمين تأتي لتنغص على البطل »توم ستال« حياته، ويقود هذه المجموعة الممثل المعروف »إد هاريس« الذي ظهر بمظهر مرعب ينطبق على رجال الشر والمافيا، ويفيق الماضي بوجه البطل حيث يقوده ويعيده إلى تاريخه الإجرامي الذي ظن يوماً أنه فارقه.
فيقوم بسلسلة من القتل انتقاماً من هذا الماضي الأسود، حتى يصل إلى درجة قتل أخيه زعيم المافيا والجريمة المنظمة، وتنتهي أحداث الفيلم بعودة البطل إلى منزله الذي رفضه بعد أن اكتشف حقيقته.
قبل أن نحاول قراءة الفيلم من زاوية انطباعية أولى بعد مشاهدته، نعود إلى التباين الواضح بين آراء رواد المهرجانات العالمية ونقاد السينما ممن تؤثر فيهم الطبيعة الفلسفية لقصص الأفلام، وآراء الجمهور العام ــ ولا نقول العادي لأن مصطلح عادي يشير إلى دلالات ذات منحى فوقي يتسم بالغرور الوهمي ــ وقد أشرنا إلى الضجة التي أثيرت حول الفيلم باعتباره خروجا عن النمطية التي تنتج فيها أفلام هوليوود هذه الأيام.
والتي تتراوح ما بين إعادة إنتاج أفلام قديمة، أو النزول إلى رغبة شريحة واسعة من الجمهور الذي يحبذ أفلام المغامرات والرعب والأكشن التي تعتمد الصورة بعيداً عن القصة والرؤية والفلسفية العميقة، وفيلم »تاريخ من العنف« يبتعد عن هذا النوع من الناحية الدرامية.
أما إخراجياً فالحقيقة تقول أن المخرج لم يوفق لدرجة كبيرة في إظهار فيلم متقن، لا من حيث إيقاع الفيلم البطيء وسطحية بعض المشاهد، ولا من حيث الإطالة التي لا مبرر لها في مشاهد أخرى، فكان اعتماده على الأداء الجيد لنجوم الفيلم أكبر من اعتماده على طبيعة إخراجية تتفاعل مع القصة.
لقد تم ترشيح العديد من الأفلام لنيل جوائز عالمية هذا العام والأعوام السابقة؛ ومنها فيلم »تاريخ من العنف« فهل يعني ذلك أنها الأفضل؟ نعتقد أن الإجابة عن السؤال شائكة ولا تنال رضا العديد من نقاد وكتاب السينما، لأن ما يدور في الكواليس الخلفية للمهرجانات لا يقوم بالضرورة على أسس فنية، ولضرب مثال على ذلك.
فان فيلم مثل »جبل بروكباك« ترشح لثمانٍ من جوائز الأوسكار، وهو يحكي عن علاقة بين رعاة بقر في الغرب الأميركي من المثليين الجنسيين، والفيلم لمن وفقه الحظ ليشاهده في الخارج أو استطاع أن يحصل عليه عن طريق الإنترنت، من أكثر الأفلام السطحية التي أنتجت العام الماضي.
بينما هبط مستوى بعض الجوائز لتدخل في دوامة العنصرية والإقصاء مثلما حدث لفيلم »الجنة الآن« الفلسطيني، فلا مصداقية حقيقية لقيمة الجوائز من الناحية الفنية البحتة، وهذا يندرج على فيلم »تاريخ من العنف« الذي يمكن أن يشاهد بمتعة بصرية أقل من المعتاد، ولا يوازي في القيمة ما أثير حوله من ضجة.
أبوظبي ــ محمد الأنصاري:
