شأنها شأن الكثير من الإبداعات القصصية والشعرية الفارسية القديمة، برعت السينما الإيرانية في قضية الرمز واللعب على ما يسمى تفاصيل الفكرة والمشهد في سينما لفتت الأنظار إليها في كل المحافل السينمائية الدولية.

نادرا ما يذكر اسم السينما الإيرانية دون أن يقفز اسم محسن مخمبلباف وابنته سميرة، وعباس كياروستمي، وباهام بايزاي، وبهمان غوبادي، وبهروز أفخمي، وسواهم من مبدعي سينما شهدت في السنوات الأخيرة حالة غنى في إنتاجها الفني، فعالجت مواضيع فنية مختلفة وعلى درجة عالية من الحرفية.

كما كانت هناك سينما تجارية استفادت من التجاذبات السياسية الداخلية، لتنتج أفلاما عالجت بعض المواضيع المسموحة معالجة سطحية لم ترق إلى المستوى المطلوب، إلا أنها نجحت في كسب المشاهد الإيراني، هذا المشاهد الذي خضع لمعارك شد ورخي منذ أن أحرقت أياد تؤيد الثورة الإيرانية أغلب صالات العرض السينمائية في إيران على خلفية اتهامات كالتها الثورة للسينما بأنها تعرض للفتيات العاريات ولا تمانع من ممارسة الرذيلة.

وحينها لم تكن تلك الأفلام قد أثرت بعد في المشهد السينمائي العالمي، إلى أن سمحت الثورة بعودة السينما ووضعت قيودا وموانع قاسية، مثل إجبار الممثلات على لبس غطاء الرأس في المشاهد التي تصور داخل البيوت، أو المشاهد العائلية، وعندما يكون الزوج والزوجة يتحدثان داخل البيت، فإن غطاء الرأس في هذا المشهد يفرض على الممثلة أو الزوجة، وهذا بطبيعة الحال لا يجعل المشهد حقيقيا وطبيعيا.

ولا يعبر عن الواقع، كما يعطي انطباعا خاطئا عن المرأة الإيرانية، ولكن المهم حينما صارت السينما تقتحم أسوار المهرجانات الأوروبية والأميركية وتحكي عن نفسها وبقوة, تعامل المهتمون مع هذا الأمر عل انه ليس بالإمكان أفضل مما كان.

في الفيلم السينمائي »البالون الأبيض« الذي تابعنا عرضه في »قناة القصباء« ضمن قائمة أفلام »وجها لوجه مع أروع الأفلام« عرض المخرج جعفر بناهي في أول أفلامه الروائية الطويلة لحال إيران في عيون طفلة، تلهو وتلعب، تبحث عما فقدته وعن طفولتها بين أزقة وشوارع إيران، لا تعثر بسهولة على المال ولكنها تفضح خبايا واقع الكبار من شرائح اجتماعية متعدده، وما يدور في معترك حياتهم.

القصة تركز على الظروف المعيشية البسيطة للأسر الإيرانية، ومن خلال الطفلة التي تدعى (راضية) يبدو العالم من حولها مليئا بالصراعات والغموض، وهي تبحث عن مالها المفقود وذاك هو المجهول حال الطفلة في عالم الكبار.

ففي أحد الأعياد.

وخلال نزهة الطفلة راضية في الطرقات، تلفت نظرها سمكة زينة جميلة، أرادت امتلاكها، وراحت تلح على أمها حتى تعطيها المال لشرائها، غير أن الصدفة تجعلها تقف وسط مجموعة من الرجال مجتمعين أمام ساحر وبحوزته الأفعى، يقوم بخدع بصرية، وما يلبث إلا أن يجد الطفلة أمامه ومعها النقود داخل إناء زجاجي، لأجل وضع السمكة فيه، يأخذ الأموال منها ويضعها على الأفعى.

في هذه اللحظات تبدأ راضية بالبكاء ومطالبته بإعادة أموالها، يعيد الرجل المال الي راضية بعد ان شاهد دموعها، تهرب الطفلة مسرعة، غير أن وقوع ورقة النقد في مصرف للمياه يحول دون وصولها إلى المحل، وتبقى جالسة تنظر إلى ورقة النقد بحسرة شديدة وألم، ثم تقوم مع شقيقها بمحاولات فاشلة لاستعادتها قبل أن يأتي شاب ويساعدها أخيرا على استعادة مالها.

بهذه الصورة السينمائية البسيطة وقوية الدلالات حاول المخرج بناهي أن يقدم صيغة الفيلم عبر طفلة اجتمعت فيها صورة البراءة والأمل.

جسدت دور راضية الطفلة عائدة محمد خان بأداء ممتاز ولا نعرف الآن إذا ما كانت لا تزال تعمل في السينما أم لا بعد أن صارت شابة وعمرها على أبواب العشرين، فالفيلم من إنتاج العام 1995.

ففي »البالون الأبيض« تراها تتحدث بتلقائية وعفوية طفل لا يكترث بالكاميرا، تركض وتبكي وتأكل وتلعب بالمياه دون أي خوف وربما نجاح المخرج في الدخول إلى أعماقها والتعبير عما يجول بداخلها وكيف ترى العالم من حولها، ساعدها في ان تكون بطلة المشاهد الدرامية المتلاحقة.

انه فيلم بطلته طفلة وهو من أفلام قدمت في السينما الإيرانية وكان الأطفال فيها أبطال ووسيلة للتعبير عن الرغبة في الحرية حيث تشكل هذه الرغبة العنوان العريض لفيلم »البالون الأبيض« الذي يطرح أكثر من معنى، فسؤال الحرية، وضرورة التعرف على عالم الأطفال.

واستغلال الكبار وجشعهم واللامبالاة، وضياع المال والبحث عن الذات في هذا الزمن الذي نهشته الماديات، كانت موجودة في هذا الفيلم الذي وجده النقاد من أهم الأفلام الإيرانية على الإطلاق، وفي هذا الكثير من الإنصاف فالمخرج جعفر بناهي كان مساعدا سابقا للمخرج الإيراني عباس كياروستمي الذي كتب له سيناريو هذا الفيلم ويذكر هنا ان لكياروستمي فيلما أبطاله أطفال صغار اسمه (أين صديقي؟).

وقد اعتمد بناهي على الصور الحقيقية للمجتمع الذي يرصده عبر الكاميرا بلا تزيين او ألوان زاهية، وربما هي طريقة في عرض البراءة والحب وسط أكوام من الخراب الداخلي والخارجي، لذا يبرز في الفيلم الجانب النقدي من دون أن يتعرض له المخرج مباشرة، وهي طريقة للهروب من الرقابة يسمح للعمل بالانتشار على المستوى العالمي ليحكي عما هو أبعد من قصة راضية.

»البالون الأبيض« فاز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي عام 1995 محققا أعلى دخل مالي، عن أي فيلم شهدته السينما الإيرانية في صالات الولايات المتحدة الأميركية، فالسؤال عن الحرية ضرورة تعادل ضرورة الحياة ذاتها، في لحظة البحث عن الروح التائهة في واقع مادي قاس يدينه المخرج جعفر بناهي بالصورة وحدها.

الشارقة ــــ جمال آدم: