ودعت أسواق المال العربية يوم الخميس الماضي، وهو يوم نهاية التداول للنصف الأول من هذا العام، ستة اشهر عجاف خسرت خلالها معظم هذه الأسواق جزءاً مهماً من قيمتها السوقية بينما في مثل هذا التاريخ من العام الماضي ودعت هذه الأسواق ستة اشهر سمان حققت مؤشرات أدائها مكاسب استثنائية قد لا تتكرر على المدى المنظور.
فخلال النصف الأول من العام الماضي ارتفع مؤشر سوق دبي المالي بنسبة 140% بينما ارتفع مؤشر أسواق الإمارات (مؤشر سوق أبوظبي وسوق دبي المالي) بنسبة 113% وهي تتجاوز ارتفاع مؤشر السوق لعدة سنوات ماضية بينما ارتفع مؤشر سوق الأسهم السعودي بنسبة 64% وارتفع مؤشر سوق مسقط بنسبة 61.5% ومؤشر بورصة الأردن بنسبة 73.7%.
ومؤشر سوق الدوحة بنسبة 61.45% ومؤشر سوق البحرين بنسبة 21.10% وهذا الارتفاع القياسي في مؤشرات معظم الأسواق الخليجية والعربية خلال هذه الفترة والذي يأتي امتدادا لارتفاع مؤشراتها خلال سنتين ماضيتين (عامي 2004 و2003) عكس اتساع قاعدة المضاربين بنسبة كبيرة وتدفق سيولة ضخمة على هذه الأسواق مصدرها أموال المودعين بسبب الفارق الكبير بين العائد الاستثماري في هذه الأسواق وإيرادات الودائع في ظل محدودية الأدوات الاستثمارية المتوفرة في هذه الأسواق واقتصارها على الأسهم في معظم البورصات.
إضافة إلى تدفق أموال المستثمرين والمضاربين الأجانب للاستفادة من طفرة الأسواق كما لعبت التسهيلات الضخمة التي قدمتها البنوك للمستثمرين والمضاربين في الأسواق دوراً مهماً في تعزيز حجم السيولة بينما توفرت معلومات عن عودة أموال مغتربة تم استثمارها في أسواق الأسهم.
كما ساهم الشراء على المكشوف الذي سمح به الوسطاء لكبار عملائهم من المضاربين في ارتفاع حجم الطلب وخلق سيولة مصطنعة إضافة إلى ضعف الرقابة على هذه الأسواق وضعف الوعي الاستثماري بينما لعبت تحالفات كبار المضاربين والذين حققوا مكاسب كبيرة خلال عامي 2003 و2004 في تعزيز حجم المضاربة ورفع مستمر للأسعار.
بينما سيطرت الإشاعات على تعاملات العديد من هذه الأسواق والتي شجعت المضاربات إضافة إلى استفادة عدد كبير من المطلعين من معلومات داخلية في ظل ضعف مستوى الإفصاح والشفافية وحيث صاحب ارتفاع مؤشرات الأسعار ارتفاع حجم التداول وعدد الصفقات المنفذة وعدد الأسهم المتداولة إلى مستويات غير مسبوقة وبالتالي سيطر اللون الأخضر على شاشات التداول لفترات طويلة خلال الفترة في الوقت الذي انقطعت فيه العلاقة بين أسعار أسهم العديد من الشركات المدرجة أسهمها في هذه الأسواق مع مستوى ادائها.
وبالتالي أصبح الارتفاع غير منطقي وغير مبرر بحيث أصبحت القيمة السوقية لأسهم معظم الشركات أضعاف القيمة الحقيقية لأصولها نتيجة تجاهل المضاربين للمؤشرات المالية ومؤشرات الربحية ومؤشرات تقييم الأسعار.
وحيث أصبح المضاربون في الأسواق بمختلف شرائحهم يشكلون نسبة مهمة من المتداولين في الأسواق بينما لا يشكل الاستثمار المؤسسي والاستثمار طويل الاجل والذي يساهم في استقرار الأسواق والحفاظ على منطقية الأسعار سوى نسبة بسيطة من حجم التداول في ظل انخفاض الوعي الاستثماري لشريحة كبيرة من المضاربين.
وحيث ارتفع متوسط مضاعف الأسعار إلى مستويات عالية في العديد من الأسواق فعلى سبيل المثال وصل متوسط مضاعف الأسعار في نهاية شهر يونيو من العام الماضي في سوق الإمارات إلى مستوى (39) مرة وبعض الشركات وصل مضاعف أسعارها إلى مستوى (70) مرة وبعضها تجاوز المئة مرة أي أن المستثمر يحتاج إلى مئة عام لاسترداد رأسماله.
بينما بلغ متوسط نسبة القيمة السوقية إلى القيمة الدفترية حوالي 10 مرات وهذه المؤشرات المبالغ بها أعطت إشارات إلى المتخصصين والمحترفين ان الأسعار التي وصلت إليها أسهم معظم الشركات في نهاية النصف الأول من العام الماضي تعكس فقاعة استثمار في دور التكوين.
وبالتالي بدأت الأسواق تتعرض لموجات تصحيح سعرية بعضها خلال الربع الأخير من العام الماضي مثل سوق الأردن وسوق الإمارات وسوف الدوحة وبعضها خلال الربع الأول من هذا العام مثل سوق الأسهم السعودية والسوق المصري.
بحيث بدأت الأسواق تدفع ثمن حرق المراحل وثمن الاختلالات المختلفة التي سيطرت عليها وثمن انخفاض جودة الأرباح التي تم الإفصاح عنها خلال النصف الأول من العام الماضي وحيث شكلت أرباح استثمارات بعض الشركات من الأسواق المالية نسبة مهمة من أرباحها الإجمالية.
اما خلال النصف الأول من هذا العام فقد تعرضت العديد من هذه الأسواق لموجات تصحيح تتبعها ارتدادات مؤقتة ومحصلتها تراجع مؤشر بورصة الأردن بنسبة 26% وتراجع مؤشر سوق دبي بنسبة 60% وتراجع مؤشر سوق الكويت بنسبة 12.6% بينما تراجع مؤشر سوق الأسهم السعودي بنسبة 21.3% وتراجع مؤشر سوق الدوحة بنسبة 31% وعوامل عديدة ساهمت بتعميق تراجع هذه الأسواق منها.
ارتفاع سعر الفائدة على الودائع وانحسار وتراجع حجم الاستثمار الأجنبي بسبب تراجع أداء الأسواق وارتفاع مستوى مخاطرها إضافة إلى تراجع حجم السيولة بسبب تعلق كبار المضاربين بأسهم مشتراة بأسعار عالية وبالتالي صعوبة تحرير سيولتهم إضافة إلى السيولة الكبيرة التي سحبتها الإصدارات العامة والإصدارات الخاصة من جيوب المساهمين وتراجع تمويلات البنوك للمضاربين وتراجع حجم الشراء على المكشوف.
وهذا بالطبع ادى إلى تراجع مستوى الثقة وأدى إلى سيطرة اللون الأحمر على شاشات التداول خلال معظم أيام الأسبوع للعديد من الأسواق إلا أن تراجع الأسعار ساهم بأن تصبح مؤشرات تقييم الأسعار السوقية لأسهم معظم الشركات منطقية ومعقولة وتتناسب مع مستوى أدائها بحيث انخفض على سبيل المثال متوسط مضاعف الأسعار في سوق الإمارات إلى (14.5) مرة.
وعلى مستوى الأسواق العالمية فقد ارتفع مؤشر دواجونز بنسبة 2.23% خلال النصف الأول من هذا العام بينما تراجع مؤشر ناسداك المركب بنسبة 4.43% وارتفع مؤشر الفايننشال تايمز بنسبة 1.05%.
بقلم ـ زياد دباس: