ما بين عامي 2004 و2006، انتقل اهتمام جيل المطورين في شركة داماس, كما يحلو لتوفيق عبدالله رئيس مجلس إدارتها تسميته، من الحفاظ على بقاء المجموعة ضد خطر الانفراط مع تتابع الأجيال داخل العائلة، بتحويلها إلى كيان مؤسسي على هيئة شركة مساهمة، إلى الدفاع عن مكانة الذهب والمجوهرات ليس على مستوى الدولة فحسب، بل على مستوى العالم بأسره.

وكان توفيق عبدالله دائما ما يردد أن الأعمال العائلية تمر بثلاث مراحل رئيسية هي مرحلة المؤسسين أي الجيل الأول الذي يدشن نشاط العائلة تتلوها مرحلة المطورين أي الجيل الثاني الذي ينتمي إليه حسب تصنيفه ومن ثم مرحلة المخربين أي الجيل الثالث الذي يكون في العادة ما تنفرط حبات العقد بين يديه لأسباب كثيرة. وكان أيضا دائما ما يردد أنه في عمر المجموعات العائلية هناك مرحلة يتعين عندها أن يسأل رجل الأعمال نفسه ماذا أريد؟ وهل من الأفضل أن يظل الوضع على حاله أم أنه من الضروري العمل على تطويره وتنميته؟ وما هي قدرة الأجيال التالية على الاحتفاظ بهذا النجاح. وتحدث توفيق عبدالله حينذاك مع مجلة »فوربيز العربية« الصادرة في شهر نوفمبر 2004 قائلا ان هدفنا كعائلة أن يبقى هذا الاسم لسنوات طويلة بعدنا لا أن يختفي أو يتعرض لمتاعب ومن ثم من المفيد أن يتحول العمل العائلي في مرحلة ما إلى عمل مؤسساتي من خلال شركة مساهمة تضمن مستويات عالية من الإدارة والفاعلية في التشغيل, وقبل كل ذلك تضمن عدم وجود فردية في صناعة واتخاذ القرار بما يقلل من المخاطر.

ونفى توفيق عبدالله أن تكون الحاجة للسيولة لتوسعة نطاق الاعمال أو الاستفادة من فرص معينة هي السبب في التحول إلى السوق وطرح أسهم مجموعته للاكتتاب العام, موضحا أن التمويل متوافر بأكثر من طريق ووسيلة فالمصارف تقدم تمويلها من دون ادنى مشكلة لكن ما يحفز تحويل الشركات العائلية إلى مساهمة عامة هو ماذا تريد لمستقبل هذه الأعمال في ظل الأجيال التالية.

الخوف من دورة الأجيال

قصة داماس مع المجوهرات تعود إلى قرن مضى، وعلى وجه التحديد في عام 1907، وعلى مدى ما يقرب من ربع قرن تطورت داماس من مجرد متجر صغير في سوق الذهب في دبي إلى ما يزيد على 200 متجر تتوزع على عدد كبير من الدول بما في ذلك مختلف دول الخليج وايطاليا والمالديف وليبيا والهند. وقد أسس محمد طاهر عبدالله الشركة في عام 1945، وقد انضم جيل المطورين وهما توفيق عبدالله وتوحيد عبدالله إلى الشركة في عام 1980.

وقبل انضمامهما إلى الشركة، حرصا على الجمع بين الممارسة العملية والدراسة العلمية، ويروي هنا توفيق عبدالله هذا المقطع من حياته المهنية بقوله »كنت أتردد على متجر العائلة في سوق الذهب منذ السبعينات بينما كنت أواصل دراستي، وتحولت إلى العمل الكامل منذ عام 1980 وقد درست بصورة عملية المجوهرات والأحجار الكريمة لأنني أردت أن يكون لدي فهم كامل لهذا المجال الذي توارثناه أبا عن جد, كما أردت أن احدث نقلة نوعية على صعيد التسويق والترويج وتطوير العلامة التجارية بما يتجاوز ورشة الصياغة أو المتجر التقليدي«.

وأضاف مستدركا »لقد أردت أن اثبت ذاتي وفي رأيي فان الفارق الأساسي بين رجل الأعمال الناجح وغير الناجح هو إدراك المتغيرات في السوق واتخاذ القرارات, لقد أردنا أن نطور البيزنس وان نحقق هوامش ربح عالية ووجدنا أن تسويق الماركات العالمية المعروفة يحقق أرباحا عالية، حيث كانت هناك ثغرات في السوق ووجدنا أن فرصتنا هي في سد تلك الثغرات«.

ويرى توفيق عبدالله أن النقلة الحقيقية حدثت في داماس في العام 2000 عندما نوعت من أنشطتها ودخلت مجالات أخرى صعبة أهمها تجارة الساعات، ويعد مجال الساعات من المجالات الصعبة ولكن حققت التجربة نجاحا كبيرا مما شجع على المزيد من الخطوات والتنويع, تتمثل إحداها في إحضار متاجر ساكس فيفت افنيو إلى دبي للمرة الأولى من خلال مشروع مشترك مع عدد آخر من رجال الأعمال. ويتوقف توفيق عبدالله عند هذه النقطة ويسلط مزيدا من الضوء عليها قائلاً اهتمامنا بإحضار ساكس إلى دبي يستند بالأساس إلى خبراتنا, فالمجوهرات تشكل ركنا رئيسيا في ساكس ومن ثم وجدنا أن بمقدورنا فعل شيء مميز في هذا الجانب.

ويضيف: رجل الأعمال الناجح أو التاجر الناجح يتاجر في أي شيء ويبيع ويشتري ولكن المهم معرفة تطورات السوق ومعرفة التوقيت المناسب، ويشير توفيق عبدالله إلى أن الطموح والرغبة في الوصول بعلامة داماس إلى مختلف دول العالم وتنويع مجالات عمل المجموعة يظل الهاجس الأساسي الذي يحركه, فالمطلوب أن تبقي العلامة التجارية لا أن تتلاشى أو تفقد بريقها وحصتها في السوق في مرحلة لاحقة.

التحول إلى شركة مساهمة

وهكذا أقدم جيل المطورين في الشركة على الإعلان عن تحويل إمبراطورية داماس إلى شركة مساهمة، بتوقيعها على اتفاقية تم بموجبها رفع رأسمال الشركة من 900 مليون إلى 1421 مليون درهم, منها 40٪ لمساهمين يتضمنوا مجموعتين استثماريتين إقليميتين متخصصتين بالاستثمارات المباشرة وهما شركة أموال الخليج السعودية للاستثمار التجاري وصندوق شعاع بارتنرز الأول الذي تديره شركة شعاع كابيتال الإماراتية (وكذلك مجموعة الفهيم وناصر الحويليل الاستثمارية).

وقد تملكت أموال الخليج السعودية 23.15 ٪ من رأسمال مجموعة داماس الجديد والبالغ 1421 مليون درهم أي ما يقدر بحوالي 328.5 مليون درهم إماراتي, في حين تملكت شعاع كابيتال 9.51 % والفهيم 4.9 % والناصر 2.45 % النسبة المتبقية التي تقدر بحوالي 60 ٪ لمجموعة داماس.

وأفادت المعلومات التي رافقت التوقيع على هذه الاتفاقية التاريخية أنه تلت صفقة زيادة رأس المال مفاوضات ومراجعة شاملة لأعمال مجموعة داماس ولغرض توسعها خارج الإمارات جرى الاتفاق على خطة عمل طموحة تتضمن دخول داماس لأسواق المملكة السعودية من خلال شركة مشتركة (داماس السعودية) التي ستنتشر محلاتها في مختلف مناطق المملكة قريبا، حيث تقرر افتتاح 22 محلاً في الرياض وجدة والدمام وعدد من المناطق الكبرى في المملكة, حيث سيتم اختيار الموقع بناء على جملة من الاستراتيجيات على أن يتم افتتاح الفرع الأول لداماس السعودية في الرياض.

وقد تلقت الشركة ــ بحسب تصريحات توحيد عبدالله، المدير التنفيذي لشركة اكتتابات تجاوزت 1.5 مليار درهم أي أكثر بثلاث مرات من الزيادة المطلوبة في رأس المال، إلا أنها قررت بعد المفاضلة بين العروض إدخال شركاء استراتيجيين بالنظر إلى أن خطة عمل الشركة للسنوات المقبلة تتضمن توسعها إلى عدد من الأسواق الواعدة وفي مقدمتها أسواق المملكة العربية السعودية والهند، والى توسيع حصتها في أسواقها من خلال أعمال الدمج والتملك، وبالتالي، فان دخول شركاء مهنيين تتوافر لديهم الخبرة والمعرفة والتفكير الطويل الآجل يوجد عناصر إضافية لتدعيم نجاح الشركة في تحقيق أهدافها.

كما مثلت هذه الصفقة باكورة استثمار صندوق شعاع بارتنرز الذي يهدف إلى شراء حصص مؤثرة في الشركات العائلية الناجحة في دول مجلس التعاون الخليجي بهدف المساهمة في تطوير أعمال هذه الشركات من خلال تبنيها للعمل المؤسساتي ورفع كفاءة استعمالها لمواردها المالية وبالتالي تحقيق عوائد أفضل على حقوق المساهمين، وتتمتع شركة داماس والتي تزيد مبيعاتها السنوية على ملياري درهم بالقدرة على تنمية ارباحها الصافية بمعدل 20٪ سنوياً، إضافة لامتلاكها لاسم تجاري متميز في قطاع البيع بالتجزئة من خلال محلاتها المنتشرة في العديد من الأسواق.

وهكذا، نجحت داماس في التحول إلى شركة مساهمة، مما وقاها من الاضطرابات التي يمكن أن تحدث نتيجة لخلافات عائلية، وأدى إلى تثبيت أركانها وتحديد آليات ومسؤوليات العمل بشكل أكثر فاعلية، وساعد على توسيع آفاق نمو الأعمال، مقابل الأفق المحدود للنمو الذي تتيحه هيكلية الشركات العائلية، كما أن تحويلها إلى شركة مساهمه مثل ضمانة لاستمرار حيوية قطاع الذهب والمجوهرات في الدولة، لكونها تعد واحدة من أكبر الشركات في الإمارات في قطاع الذهب والمجوهرات وتستحوذ على نسبة 10 في المئة من السوق.

وتوقعت شركة داماس أن تحقق نمواً يصل إلى ما لا يقل عن 5 في المئة سنوياً بعد تحولها إلى مساهمة، وان يزيد عدد العاملين فيها إلى 1500 مقابل 1100 عامل.

ومثلت هذه الخطوة الجريئة من جانب »داماس« حافزا للعديد من الشركات العائلية في قطاع الذهب والمجوهرات وغيره من القطاعات، على تبني المبدأ نفسه في ظل ظروف اقتصادية مواتية للغاية من حيث البنية الاقتصادية الثابتة، وتوافر الأموال المطلوبة لدى المستثمرين، وآفاق فرص الأعمال الواعدة في المنطقة.

الدفاع عن مجوهرات الذهب

وبعد أن ضمنت داماس بقاءها بغض النظر عن الأشخاص المالكين لها، حولت بوصلتها إلى مجال آخر وهو تعزيز مكانة الذهب والمجوهرات على مستوى العالم ويعتبر توحيد عبدالله من رواد الدفاع عن مجوهرات الذهب في أي بقعة من العالم، فهو يعمل على تحويل شعار »دبي مدينة الذهب« إلى واقع يمكن تلمسه للقاصي والداني، ويسعى إلى ابتداع وابتكار كل ما من شأنه أن يعزز مكانة المدينة كمقصد عالمي لتجارة الذهب والمجوهرات على مدار السنة.

وقد اتسعت دائرة تطلعات واهتمامات توحيد عبدالله لتغطي قطاع المجوهرات على المستوى العالمي.

ولهذا، فهو عندما يتحدث عن صناعة المجوهرات، تذوب أمامه كل الحواجز أو الحدود، ويطلق العنان لأفكاره لكي تخاطب التجار والمتعاملين والمستهلكين في أية بقعة كانت على وجه المعمورة، وهو يرى أن قطاع المجوهرات مشتبك في حالة حرب لا هوادة فيها للفوز بعقول وقلوب المستهلكين، ولهذا يجب أن يكون مجهزا بسلاح الابتكار والإبداع المستمرين والمتواصلين في مجالات التسويق والتصميم والتمويل، بحيث يصبح شعار التفوق هو المظلة التي ينضوي تحتها هذا القطاع على مستوى تجارة الجملة والتجزئة.

وينظر توحيد عبدالله بعين ثاقبة إلى التحديات التي تحف قطاع المجوهرات في بعديها العالمي والمحلي، ويرى أن مدينة دبي لها اسهامها ودورها في التعاطي مع هذه التحديات، وتجسد هذا المنحى في التفكير، في طرح المجموعة مبادرة انعقاد مؤتمر سنوي تحضنه مدينة دبي يكون بمثابة ساحة تجمع كل المعنيين بقطاع المجوهرات تحت شعار »دبي مدينة الذهب«.

ويتجلى المنحى العالمي في تفكير توحيد عبدالله بشكل واضح فيما يعرف باسم »مبادرة دبي« والتي جرى طرحها خلال الدورة الثالثة لمؤتمر »دبي مدينة الذهب« في دورته الثالثة، وتدعو هذه المبادرة إلى تغيير النظرة في تجارة المجوهرات من خلال البيع بالتجزئة.

ويعلق توحيد عبدالله على هذه المبادرة قائلا: ان المبادرة تهدف إلى إطلاق حملة ترويجية تتناول قطاع المجوهرات بوصفه فئة واحدة بغرض جذب زبائن جدد من صغار السن وهؤلاء الذين يحرصون على مواكبة الموضة في المناطق الجغرافية المختلفة من العالم، وهو ما يعني ضرورة تحديث الأساليب والممارسات المستخدمة في تجارة المجوهرات من خلال البيع بالتجزئة، وقد ولد النقاش الذي أطلقته هذه المبادرة ما يشبه اليقظة والتنبه بشأن كيفية ابتكار أساليب جديدة في التسويق والترويج.

ويبدو أن المسؤولية العالمية لدبي إزاء الارتقاء بقطاع المجوهرات على النطاق العالمي، كانت ومازالت أحد الأسباب التي جعلت توحيد عبدالله يكثف مناشداته خلال عامي 2004 و2005 لتأسيس قيادة عالمية لتسويق مجوهرات الذهب.

ويقر توحيد عبدالله ان تشكيل مثل هذه القيادة مسألة ليست بالأمر السهل والهين، حيث جرت مناقشة هذه الفكرة في المؤتمرات التي نظمتها مجموعة الذهب والمجوهرات، ويقول هنا: لقد قمنا بدورنا في تنبه الصناعة بالتهديدات الآتية من السلع التي تنطوي على أساليب في الحياة كتلك الخاصة بالتليفونات المحمولة وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وهي فئة من السلع تستقطع جزءا مهما من إنفاق المستهلك.

وتحتاج صناعة المجوهرات إلى التوحد تحت قيادة ذات مصلحة مشتركة. بسبب أن المعركة صعبة على تجار التجزئة كأفراد, ولقد قلت ان التقدم قد تم مراجعته في العديد من المؤتمرات.

وهكذا، انتقلت داماس من مرحلة لآخرى عبر تاريخها الطويل، وهي مهمومة بقضية تهيمن على أجندة عملها، فمن مرحلة النشأة والتأسيس إلى مرحلة الانطلاق كعلامة تجارية بارزة في عالم المجوهرات والذهب، ومرورا بمرحلة الحفاظ على بقاء العلامة التجارية لداماس بغض النظر عن المالكين، وانتهاء وليس نهاية بمرحلة الدفاع عن مكانة مجوهرات الذهب، تمكنت داماس من أن تصبح معلما بارزا لمدينة الذهب.

عبثية دورة الأجيال

كان توفيق عبدالله رئيس مجلس إدارة داماس دائما ما يردد أن الأعمال العائلية تمر بثلاث مراحل رئيسية هي مرحلة المؤسسين أي الجيل الأول الذي يدشن نشاط العائلة تتلوها مرحلة المطورين أي الجيل الثاني الذي ينتمي إليه حسب تصنيفه ومن ثم مرحلة المخربين أي الجيل الثالث الذي يكون في العادة ما تنفرط حبات العقد بين يديه لأسباب كثيرة.

وكان أيضا دائما ما يردد أنه في عمر المجموعات العائلية هناك مرحلة يتعين عندها أن يسأل رجل الأعمال نفسه ماذا أريد؟ وهل من الأفضل أن يظل الوضع على حاله أم أنه من الضروري العمل على تطويره وتنميته؟ وما هي قدرة الأجيال التالية على الاحتفاظ بهذا النجاح.

دبي ــ مجدي عبيد: