من أجل التمعّن في الانتماء الحقيقيّ، لا بدّ من أن ننظر في العمليّة الأعمق التي قد يستنتج بها الناس، عبر تجاربهم الخاصّة، أوجه البيئة التي تساهم بأصالة في إحساسهم بعمق في البيئة.
وإن سألتموني كيف أحصل على أعمق المشاعر من الناس، تلك المشاعر التي تهمّ أكثر من غيرها، فإنّني لا أدعهم يلتقون كلّهم معاً في ظروف اجتماعيّة يتصوّرونها. بل ما أفضّل القيام به هو التحدّث على رويّة إلى كلّ شخص على حدة فأنتزع من كلّ فرد منهم، رجلاً كان أو امرأة، مشاعره الأكثر أهميّة بالنسبة إليه، ورؤياه الأكثر أصالة.
سألتُ مرّة أستاذاً أن يصف لي كيف يمكن أن يكون عليه بناء مدرسة.
فأجابني: »ماذا تعنين؟ المدرسة هي مدرسة«.
فطلبتُ منه أن ينسى المدرسة كما يعرفها، ينساها تماماً، وأن يتخيّل مكاناً يشعر بأنّه أجمل الأماكن التي عمل فيها، مكانا يجعله، بصفته أستاذاً، سعيداً في كلّ يوم يكون فيه.
وبقي الجواب: »لا أعرف«.
وجوابه هذا جعلني أحثّه على التفكير أكثر فقلتُ له: »أريد أن أعرف، أريد حقّا أن أعرف ما هو ما في قلبك، ولن أتوقّف عن الكلام إلى أن تُسرَّني به؛ فأغمضْ عينيك وقل لي ما ترى. تخيّل ما هو الرائع بحسب شروطك أنت«.
وفي مرحلة ما، قال لي ذلك الأستاذ: »آه! هل تعرفين؟ أتخيّل نفسي أمشي على ضفاف جدول صغير ما بين الصفوف، أفكّر في صفي التالي وأحضّره، وبالتالي أتخيّل نفسي أمشي بقرب تلك المياه القليلة لأجلس في ما بعد وآخذ لنفسي خمس دقائق قبل أن أدخل إلى الصفّ«.
التحدّث على هذا الشكل إلى الناس، وطرح الأسئلة عليهم بدون توقّف، أسئلة مثل تلك، إلى أن يقولوا شيئاً حقيقيا، ثمّ يفكّرون في ما قالوا، يفكّرون فيه بعمق، إلى أن يصبح ما يخبرونك إيّاه حقيقيّا، تلك هي الطريقة، طريقة القيام بكلّ شيء على حدة، التي تعطيك العصارة الحقيقيّة، تعطيك الأشياء الحقيقيّة التي تجعل المكان ينضج بالحياة. تلك هي تجربتي على الأقل.
وذلك المشروع، مشروع مبنى المدرسة، كان تمريناً في جامعة، كنت أحاول في ذلك الوقت أن أتخيّل حرم مدرسةٍ جديداً في فكري، فقرّرت أن أشاطر مشروعي مع معلِّمِي مدارس حقيقيّين وأن أحصل على صورة يحدّثونني عنها لأنّه من السهل تجزيء عناصرها. ويحدثُ ذلك لا سيّما لأنّ الصورة تُرسَم بالكلمات.
في ذلك الوقت، كنت لا أزال طالبة يتوفّر لديها الوقت للإصغاء، للاهتمام بالقوى الحقيقيّة التي تتدفّق في الناس... وما ان تخرّجت حتّى أصبح الوقت مشكلة...
إلى أن أدركت مع مرور الوقت أنّه، في سبيل الحصول على رؤية لمدننا، أو رؤية لأحيائها، وهي رؤية حقيقيّة، رؤية جماعيّة حقيقيّة يشارك بها جميع من في الحيّ ويحتفظون بها، عليك القيام بذلك مع الناس، فتنتزع التصاريح ممّا يتفوّهون به.
وذلك ما يجدر بشركات الأبحاث والدراسات عن السوق أن تقوم به؛ إذ عليها التأكّد من أن تسأل دائماً الأشخاص الحقيقيّين عمّا هو شعورهم الأعمق بشأن الحياة، وعمّا يمليه ذلك، وعليها أن تقوم باتّباع كلّ نموذج على حدة، ومتى لزم القيام بنقاش، يجدر بها أن تناقش الأمر، وتجادل فيه، فيما تتّبع كلّ نموذج على حدة.
عليها أن تحصل على شخص لا يهمّه فرض صورة أنانيّة على المجتمع، فينسّق مهمّة جمع هذه اللغة لتصبح متناسقة وفعّالة، وإن أمكن، شاعريّة، لمن؟ لنا نحن كمهندسين، لنا نحن كمطوّري عقارات، لنا نحن كبنّائين، لنا نحن كبشر.
فعندما يُعطى الناس حريّة التحدّث بحقّ عن حياتهم، تكون لهم حكمة غير تقليديّة، يسعها إحضار هيكليّات حيّة فريدة في كلّ وضع، حكمة ليست جزءاً من الحكمة المهنيّة التقليديّة للمهندسين والمخطّطين، بل هي أشبه بصوت »دوستويفسكي« (Dostoevsky).
فلا تعطونا بعد الآن دراسات وأرقاماً أساسها الإحصاءات الكلاسيكيّة على مثال: »آراء خمسمئة شخص« وما إليها...
لأنّ ذلك يوجد وهماً بالاجتماعيّة، فهذه الوسيلة غير ناجحة، بل ما هو أسوأ من فشلها أنّه يمكن أن تؤدي بنا إلى كارثة... وإن كنتم لا تصدّقونني، فاذهبوا في نزهة وانظروا إلى النتيجة: »مدننا العربية«، تلك الهيكليّة غير المتناسقة المتشتّتة التي وُضِعُت برخاء على مساحة أرضنا.