من أبرز الجهود الدولية في هذا الخصوص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لعام 1998.

والمعروفة باتفاقية فيينا لعام 1988 ولم تتحفظ أية دولة على ما تضمنته هذه الاتفاقية من أحكام.

وللحد من غسيل الأموال لقد تضمنت اتفاقية فيينا أحكاما إجرائية للتعاون الدولي حول تسليم المجرمين واتخاذ العقوبات ضدهم في جرائم غسيل الأموال، كما كان هذا الموضوع على سلم اهتمام توصيات مجموعة السبعة،

وقد تمخضت عنها لجنة عمل مالية خاصة، هدفها مكافحة غسيل الأموال، ووضعت هذه اللجنة أربعين توصية في هذا الصدد، ومفاد هذه التوصيات هو إلقاء المسؤولية الكبرى على المؤسسات المالية، خصوصا فيما يتعلق بالتحقق من هوية المتعاملين معهم والمستفيدين الحقيقيين من الحسابات المفتوحة لديهم.

وفي ذات السياق لابد من التطرق إلى المبادرة المهمة التي تم الإعلان عنها من قبل بنوك القطاع الخاص لمكافحة غسيل الأموال حيث قام أحد عشر بنكاً من كبار البنوك العالمية بتوقيع لائحة إرشادية والتي سميت بمبادئ ولفزبرج »سويسرا« لعام 2000 .

وسبب ذلك يعود إلى العديد من الفضائح المالية في بعض البنوك الكبرى مثل بنك اوف نيودورك وغيره وبالرغم من أن هذه المبادئ لا تنص في طياتها على جزاءات قانونية في حال مخالفتها، غير أنها تضع القواعد والضوابط للبنية الداخلية للبنوك في مكافحة غسيل الأموال.

إضافة إلى ذلك يجب أن لا يغيب عن الذكر بعض الجهود الدولية والتي أولت اهتماما كبيراً لهذا الموضوع ومنها توصيات بازل لعام 1998 والتي صدرت عن عشرة بنوك مركزية وبعض المؤسسات المالية ذات الطابع الإشرافي.

ومن أهم ما قررته هذه التوصيات انه يجب على البنوك أن تتحقق من مشروعية كل عملية مصرفية، وبالتالي يجب ان لا يكون موقفها سلبيا في حالة استخدام النظام البنكي للأغراض الإجرامية وذلك لمنع فقدان الثقة في البنوك.

إذ ينبغي على البنوك أخذ الحيطة والحذر وبذل الجهود لكشف هوية المتعاملين معها، كما يجب عليها إبلاغ السلطات المختصة لفضح العمليات غير المشروعة.

ومن أمثلة جهود المجتمع الدولي على هذا الصعيد تم توقيع اتفاقية مكافحة الجريمة المنظمة تحت مظلة ممثلي الأمم المتحدة لعام 2000 في صقلية وضمت 148 دولة.

وجاء في هذه الاتفاقية على أنه يتعين على الدول الأطراف التنسيق فيما بينها ومع المنظمات الدولية والإقليمية من أجل تعزيز التعاون مع الدول النامية من أجل تدعيم قدراتها على منع الجريمة المنظمة ، وكذا زيادة الدعم المالي.

المساعدات الفنية والتقنية إلى البلدان النامية، كما يتعين على الدول الأطراف في هذه الاتفاقية أن تعمل على تقديم تبرعات دائمة من خلال آلية تمويل تحت إشراف الأمم المتحدة.

لذا لاندهش أمام هذه الجهود الدولية الحثيثة للحد من تفشي وتفاقم جرائم غسيل الأموال، ومن غزارة المواثيق والاتفاقات الدولية التي تولي هذا الموضوع اهتماماً بلا حدود.

ولتوضيح جوهر مشكلة غسيل الأموال على المستوى الوطني، فقد بادرت كثير من دول العالم إلى إصدار قوانين خاصة لمكافحة هذه الظاهرة الخطيرة.

واحتلت الولايات المتحدة الأميركية المرتبة الأولى بإصدار عدة قوانين مختلفة في هذا الشأن، كقانون سرية الحسابات لعام 1970 ومفاده إلزام البنوك والمؤسسات المالية بالإبلاغ عن المعاملات النقدية التي تعادل أو تزيد عن مبالغ معينة.

وبعد ذلك صدر قانون السيطرة على غسيل الأموال لعام 1986 والذي فرض العقوبات على القائمين والمشتركين في عمليات تنطوي على أموال متحصلة من مصدر غير مشروع، وعمليات نقل وتحويل الأموال القذرة دولياً.

وفيما بعد صدر قانون قمع غسيل الأموال لعام 1994 والذي تلقى الدعم من الحكومة الفيدرالية، ويهدف إلى رقابة عمليات تحويل الأموال التي تجري عبر المؤسسات المالية غير المصرفية.

كما صدر أخيراً قانون Patriot عام 2001 والذي شدد العقوبات على جرائم غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، وسن هذا القانون في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 اثر الهجوم على مركزي التجارة العالمي في نيويورك.

واستهدف هذا القانون تشديد العقاب على البنوك الأجنبية التي تخزن حسابات وسيطة حيث فرض على البنوك بأن تتخذ الإجراءات لمكافحة غسيل الأموال والدعم المالي للإرهاب.

وفي هذا ينبغي أن نبين ونؤكد ما يجري على أرض الواقع، فالولايات المتحدة في وضع لا تحسد عليه مقارنة مع الدول الأوروبية، إذ أن غزارة التشريعات الأميركية لمكافحة غسيل الأموال جاءت لكبح جماح هذه الظاهرة المستفحلة.

وكما وصفها أحد المسؤولين الأميركيين »بالمأزق الكبير« وقد جاء بخطابه الذي ألقاه أمام اتحاد المصرفيين الأميركيين وهو »أن الدخل السنوي الإجمالي في الولايات المتحدة يقدر بحوالي مئة مليار دولار ناشئة فقط عن تجارة المخدرات.

بحيث تتم عمليات البيع في الشارع مقابل خمسة أو عشرة دولارات وتعتبر أكبر ورقة نقدية في هذه العمليات من فئة العشرين دولاراً.

وبذلك يصل وزن هذه الأوراق النقدية إلى ستة وعشرين مليون رطل. وهل يعقل أن تخترق هذه الكميات وتدفع من خلال شباك المصرف أو البنك دون لفت الأنظار؟ بالطبع لا.

ومن هنا تجري عمليات تجزئتها وتوزيعها عبر عدة بنوك أو مؤسسات مالية لشراء أوراق نقدية منن فئة الـ 50 أو الـ 100 دولار.

حيث يتم إيداع 5000 أو 6000 دولار في حساب شركة »واجهة« باعتبارها مؤسسة تقوم عادة بهذه العمليات، وفي هذه الحالة لا يتحتم تقديم تقرير إلى الحكومة لأن المعاملات النقدية تقل عن عشرة آلاف دولار، وللإيضاح (تفرض الحكومة الأميركية استيفاء نموذج خاص بالإيداعات النقدية التي تجاوز العشرة آلاف دولار).

ومن الجهود المبذولة لمكافحة غسيل الأموال على المستوى الوطني أيضاً، فقد صدر في انجلترا لعام 1986 قانون Drug trafficking offense act ويعتبر من أقوى القوانين الأوروبية لمكافحة غسيل الأموال، ونص هذا القانون على التحقيق في النشاطات غير المشروعة، خاصة المخدرات، ومصادر الأموال المشبوهة.

كما وأنه سن أيضاً في انجلترا قانون التعاون الدولي في مجال العدالة الجنائية لعام 1990 وفرض العقوبات على أي سلوك أو نشاط للإخفاء أو التمويه أو الإحلال أو التحويل أو نقل العائدات لجرائم المخدرات.

وفي ذات السياق صدر في فرنسا العديد من القوانين لمكافحة غسيل الأموال، ومنها قانون لعقاب غاسلي الأموال في مجال المخدرات لعام 1987، وفي عام 1990 تبعه قانون تجريم تورط البنوك والمؤسسات المالية كقنوات لتطهير الأموال المشبوهة، وأخيراً تم إصدار تشريع باستحداث العديد من الأحكام في التجريم والعقاب على غسيل الأموال لعام 1996.

مستشار قانوني