من وجهة نظر البعض، ومن الناحية الاقتصادية، تعتمد جميع دول العالم بشكل أو بآخر على موارد بعينها سواء كانت زراعية أو مواد خام أو صناعية.

ودول الخليج ليست استثناء من هذه القاعدة، لذلك يجب أن لا يعطى موضوع تنويع مصادر الدخل أكبر من حجمه، خصوصا وأن دول المجلس لديها القدرة على الاستمرار في الاعتماد على النفط لفترة طويلة قادمة.

وإذا كان هذا الكلام صحيحاً إلى حد مقنع لدى البعض، فإن وجهة نظر أخرى تقول إن النفط ليس مادة متجددة كالزراعة او المواد الخاصة الطبيعية الأخرى، بل هو مادة ناضبة.

كما أن كون جانب الطلب عليه في الأسواق العالمية هو ما يتحكم في أسعاره وليس جانب العرض، فإن ذلك يعني أنه خارج سيطرة الدول المصدرة، وبالتالي فإن موارده أيضا خارج سيطرة هذه الدول مما يعرض برامج التنمية في هذه الدول إلى تقلبات غير محسوبة، وان كان هذا العامل الأخير ينطبق إلى حد ما على بقية أنواع الصادرات.

على أية حال نحن نعتقد أن دول المجلس تجاهد في الوقت الحاضر للتعامل مع هذا الموضوع، لأن انتعاش النفط لا يعني انتعاش الميزانيات المالية للحكومات، وسوف يكون تأثيره على بقية القطاعات مرتبطا بمدى تحول هذه الإيرادات إلى إنفاق استثماري،

وهو أمر بات يتضاءل بحكم تعاظم سيطرة النفقات الجارية على تلك الميزانيات. علاوة على ذلك، فإن دول المجلس تعاني من تحديات اقتصادية خارجية وأخرى داخلية هيكلية على جبهة تنويع مصادر الدخل. وهذه العوامل جميعها تدفعنا للسعي الى إلقاء بعض الضوء على هذه الجوانب هنا.

فعند النظر إلى هيكل صادرات دول مجلس التعاون الخليجي، تبرز أمامنا عدة سمات رئيسية أهمها أن العنصر الأساسي في الصادرات كما ذكرنا هو الوقود المعدني، والبترول اذ يشكل 88%، ثم البتروكيماويات.

وكذلك تركز الصادرات في مجموعات جغرافية محددة مما يشير الى تشابه هياكل الصناعة الخليجية ومحدوديتها.

ان الجوانب السلبية لتلك الحقائق تزداد تعمقا اذا ما أخدنا بالاعتبار المستجدات الاقتصادية الدولية والمتمثلة في تزايد اعتماد النمو في الدول الصناعية على ما بات يعرف بالاقتصاد الجديد القائم على التكنولوجية مما يقلل من الاعتماد على النفط على المدى البعيد،

كذلك استمرار عدم الاستقرار في أسواق النفط مع زيادة حدة المنافسة في الأسواق العالمية وتصاعد دور التكتلات الاقتصادية الاقليمية، بالإضافة الى تعاظم دور القدرات العلمية والتقنية في تحديد المزايا النسبية للتجارة الدولية

وبالتالي تراجع الاهمية النسبية للموارد الطبيعية وتصاعد المنافسة الدولية على استقطاب رؤوس الاموال والاستثمارات الأجنبية وتحول معظمها لمناطق جديدة من العالم مثل منطقة جنوب شرق آسيا، وكذلك ظهور منظمة التجارة الدولية وما يتبعها من اتفاقيات واجراءات وانفتاح الاسواق العالمية وتزايد الاتجاه نحو العولمة.

أما داخليا، فيبرز أمامنا عددا من المعوقات التي تجعل دول المجلس لا تتقدم بالسرعة المطلوبة لتحقيق التنويع المطلوب في مصادر دخلها.

حيث ان اقتصادات هذه الدول كدول نامية لا تسمح لها بإعادة هيكلة أساسياتها الاقتصادية بصورة سريعة قد تكون سلبياتها اكثر من ايجابياتها.

فدول المجلس يجب ان تتخذ لنفسها منهجا في الانفتاح الاقتصادي يتمثل في رسم استراتيجية متأنية مدروسة تأخذ في الاعتبار ايجابيات وسلبيات كل خطوة تخطوها في هذا الصدد.

ان قضية تنمية وتنويع الصادرات تعتبر من القضايا الرئيسية في الاقتصادات الخليجية، وذلك انطلاقا من دور نشاط التصدير في توسيع وتنويع القاعدة الانتاجية لدول المجلس وتدعيم موازين مدفوعاتها وتوفير فرص العمل لابناء شعوبها.

من هنا، ومهما قيل عن جهود خليجية ناجحة لاستقطاب الاستثمارات وتنويع قطاع الخدمات والسياحة والتعليم وغيرها، سوف يبقى للصناعة القول الحاسم في تنويع مصادر الدخل وهذا ما تثبته تجارب جميع الدول سواء الصناعية المتقدمة أو المتطورة حديثا.

لذلك، فقد آن الآوان لتقييم واقع وآفاق الصناعة الخليجية لمعرفة مستوى انتاجيتها وقدرتها على الوفاء بمتطلبات السوق وتلبية احتياجات المواطن الخليجي.

لقد سبق لقادة دول المجلس أن اعتمدوا الاستراتيجية الصناعية والتي روعي عند صياغتها مجموعة التغيرات الاقتصادية التنموية والاجتماعية على المستويين الاقليمي والدولي حتى تتجاوب هذه الاستراتيجية مع متطلبات التنمية الصناعية لدول مجلس التعاون في ظل الظروف المستجدة.

وقد اخذت الاستراتيجية الصناعية في الاعتبار مجموعة أهداف أساسية وهي تسريع عملية التنمية الصناعية في كل دول المجلس على أساس تكاملي ومتوازن بما يتناسب مع امكانيات وظروف كل دولة.

ومضاعفة القيمة المضافة للصناعة التحويلية كل عشر سنوات والعمل على رفع نسبة اسهام العمالة الوطنية الفنية والمهنية في قطاع الصناعة الى 75% كحد ادنى بحلول عام 2.2. م وايجاد قاعدة للبحوث والعلوم التطبيقية المرتبطة بالصناعة.

كما حددت الإستراتيجية الموحدة الأولويات حيث أشارت هذه الاستراتيجية الى ضرورة التركيز على الصناعات التي تقوم على استغلال وتطوير الموارد الطبيعية المتوفرة محليا، بما في ذلك الصناعات الموجهة الى الأسواق الخارجية،

وكذلك الصناعات التي تسد حاجة السوق الخليجية الملحة، وأخيرا الصناعات الصغيرة والمتوسطة التي تهيئا مجتمعات دول المجلس الى التحول الى مجتمعات صناعية فنيا واجتماعيا.

والى جانب ذلك، فإن الحديث عن تنويع مصادر الدخل لابد ان يتناول النواحي الاقتصادية والمجتمعية الاخرى وخاصة فيما يتعلق بالتكامل الاقتصادي بين دول المجلس والاستراتيجيات المتعلقة بهذا التكامل.

فلابد من تسريع الخطوات لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس وذلك من خلال الاهتمام بالبعد التكاملي في خطط وبرامج التنمية بدول مجلس التعاون مع التوسع في المشروعات الخليجية المشتركة وإنشاء السوق الخليجية والوحدة النقدية.

اما بالنسبة لبرامج للاصلاح المالي والاقتصادي، فإنها يجب ان تستهدف إيجاد حلول طويلة الأجل لآحداث توازن معقول في الموازنات العامة في دول المجلس والحرص على تحقيق الاستقرار الاقتصادي، خصوصا أن دول المجلس كما ذكرنا مقبلة على توحيد عملتها وهو يفرض تطبيق معايير نقدية ومالية موحدة.

كذلك، هناك ضرورة لإعطاء اهمية اكبر لبرامج تنمية الموارد البشرية كمحور رئيسي لمسيرة التنمية ورفع مستوى التعليم الاساسي ووضع سياسة سكانية واضحة تهدف الى ايجاد توازن بين معدلات النمو الاقتصادي والسكاني بغرض رفع المستوى المعيشي للفرد.

كاتب بحريني