طوال شهر، سيكونون جميعا هنا. من أقصى شمال الأرض وجنوبها. المستهلكون. من الامارات وبريطانيا وكوستاريكا والمانيا وهولندا والبرازيل والسعودية وتونس و.. كل الدول التي تدحرج الكرة على ملاعب ألمانيا لها ناسها في دبي.
أبناء جلدة اللاعبين النجوم، سيتحلقون حول نارجيلة ومشروب طاقة وقطعة حلوى، في تلك الخيمة التي نصبت في حديقة »مدينة دبي للإعلام«، كي يشجعوا أبناء الوطن. والوطن. لكنها فرصة ذهبية للمتسوقين، الذين لن يضطروا لبذل الجهود من أجل توليف سياسات خاصة بكل ثقافة على حدة.
الكل هنا، تجمعهم حماسة المونديال، لذلك فمن الافضل تعليق مئات الشعارات التي تظهر علامات تجارية محلية وعالمية، في كل مكان. »إعمار« و»بوما« و»باور هاوس« و»قناة الجزيرة الرياضية« و»فورد«.
»ماذا؟ هناك كوستاريكيون في دبي؟«. يهتف بلال لافتا الانظار الى أربعة شبان سمر، وقفوا كمن في صف عسكر، ورفعوا قبضاتهم تحية للعلم الكوستاريكي الذي رفرف على مدرجات الملعب الألماني، في الليلة الافتتاحية لمباريات كأس العالم.
كان الصوت يأتي من الشاشة التي انتصبوا في مواجهتها، فيما حملت الصبية الألمانية علمها ولوّحت به بحماسة لافتة، قبالة شاشة أخرى، لا تبعد عن الأولى أكثر من مسافة ثلاثة أمتار.
هناك اثنتا عشرة شاشة عملاقة مثبّتة في هذا المكان ـ الخيمة، الذي سيحتلّ حديقة »مدينة دبي للإعلام« طوال ثلاثين عاما، ليتحول الى ما يشبه المقهى الذي يتسّع لأكثر من ألف شخص، جاؤوا مع أعلامهم وصفاراتهم وكثير من الأدرينالين. تواعدوا على اللقاء، وبعضهم التقى بالآخر صدفة: » يا الله، سمية، مضى أكثر من سنتين على لقائنا الأخير«، تهمس سمر محتضنة صديقتها القديمة.
»هل رأيت تلك الفتاة التي دهنت وجهها بعلم البرازيل؟ هل تذكر حين أخبرتك عن مهندسة الديكور التي..«، يثرثر طارق في أذن صديقه، ثم ينقطع صوته ليتحوّل الى وشوشة تضيع وسط الصخب. »شيشة يا ولد«، ينادي الشاب، ذو البطن البارزة، على صبي الشيشة لكي يبدّل له الجمرات المنطفئة بأخرى »لاهبة«،
كما أجواء المباراة التي كان يحدّق فيها على الشاشة قبالته. فتاة »مشروب الطاقة« تتقدّم صوب شاب مسترخ على العشب الأخضر، بعبوة باردة، مع كثير من الغنج والدلال، فيسألها: »أي فريق تشجعين«، فترد بعبارة »إيحائية«: »أشجّع الحصان«، في إشارة إلى ماركة مشروب الطاقة الذي تسوّقه.
الكوستاريكيون الأربعة لا يزالون على وقفتهم. رنا تتأفف من دخان النارجيلة: »لا أصدّق! لماذا عليهم أن يتنفسوا النارجيلة الآن، الا يحلو لهم متابعة المباراة من دون دخان؟ لماذا لا يذهبون الى المقاهي إذن؟«، ثم ينسحب انزعاجها صوب اتهام »الجنود الأربعة« بـ »الادعاء«: »لقد طالت وقفتهم. هل نحن على مسرح؟«.
»إعمار« والشاشات الاثنتا عشرة
لا تعلم رنا ربما عن ذلك الطقس الذي يحب مشجعو الكرة عيشه. في لحظة تماه انفعالي استثنائية، يظن الواحد منهم أنه بات داخل الملعب، وأن تلك الشاشة، التي هي في واقع الأمر خرقه ضوء ونور، بوابته الى الفريق الذي يشجعه، أو فريق بلده الذي أتى منه. تشبه الشاشة حنينا الى المدن الأصلية وبلدان المولد، يغمر المساحات المفتوحة والمغلقة هذه الأيام في دبي، حيث يعيش أكثر من مئة وثمانين »صنفا« مختلفا،
بعضهم ممثلة هويته في الملعب الأخضر. »يبدو أن الكوستاريكيين لا يستهويهم السفر كثيرا«، يزيد بلال لافتا الى قلة عدد الشبان، ما يعكس ندرة الجالية »الكوستاريكية« المقيمة في دبي، على عكس الألمان الذين ملأوا الخيم وردهات الفنادق وصالة »المركز التجاري«، مهللين، صارخين بلغتهم وأناشيدهم الحماسية. »لا أعرف ماذا يقولون؟
لكنها تجربة ممتعة، انها المرة الأولى التي أشاهد فيها مباريات المونديال وسط جمهور على هذا القدر من التنوع الثقافي«، يقول محمد الذي حضر مباريات المونديال السابق مع أصدقائه في محلة »أبو شاكر« بمنطقة طريق الجديدة في بيروت: »مع نارجيلة ولعبة ورق والكثير من الصراخ على باب الورشة، عند مدخل الحيّ«.
لا ورشة في دبي. لا شحم ولا سيارات تمر زاعقة بأعطال محركاتها والانبعاثات السامة، بل خيم تهدر فيها المكيفات وتطيّر شعر الصبايا، اللواتي تخففن من ملابسهن بفعل حرارة الاثارة المونديالية، ففاجأتهم المكيفات واضطررن للجوء الى الاكمام الطويلة مع »كامل الانزعاج«.
الفنادق حولت صالاتها الى خيم، مستفيدة من تجاربها الرمضانية، وشركات عقارات، مثل »اعمار العقارية«، جهزت خيمتها ذات الاثنتي عشرة شاشة باكرا، مع كثير من الحلويات التي توزع بالمجان، كما هو الدخول الى الخيمة.
»أحب الخيمة أكثر من المدرج«، تقصد رنا ذلك المدرج الذي احتلّ احدى صالات المركز التجاري في دبي، وهي الصالة الرئيسية التي اعتادت على استضافة مؤتمرات وندوات اقتصادية عالمية. يختلف بلال مع رنا: »لا أعتقد أن حميمية الخيمة تتآلف مع طابع الجماهيرية الذي يجب أن يميّز حضور المباريات. أنا مع المدرّج«.
على المدّرج، جموع من الهنود والانجليز، الجاليتان الأكثر عددا وتأثيرا اجتماعيا في بنية دبي، تعزّ ألواح الخشب بأقدامها، فيما تطرق تلك البالونات المستطيلة المنفوخة، على بعضها البعض، فيصدر صوت كأنه من »طبل الصفيح«.
»لا أعرف لماذا يشجع الهنود الفريق الانجليزي«، تستنكر تامي التي جاءت لتؤيّد فريق الباراغوي عدم وجود أي مشجع للفريق اللاتيني، بين الجمهور، باستثنائها مع ثلاث صديقات: »من هنا من الباراغوي؟«، تصرخ تامي من على مقعدها، بانجليزية، جعلت البريطانيين ينظرون اليها بعتب أقرب منه الى الغضب، فيما ضحك الهنود.
فجأة، تتسلل من بين الحشود وجود سمراء لشابين رفعا أياديهما دلالة على كونها مشجعين للبارغواي. لكن فرحة تامي لم تكتمل. الشابان اماراتيان بملابس رياضية، وليس الزي الاماراتي الوطني الذي يدلل عادة على شخصية الإماراتي: »لا هم، صرنا خمسة«.
لكنّ الفريق الذي يشجعه خمسة من أصل مئات يهتفون على المدرج، في صالة بمنطقة زعبيل بدبي، انهزم شرّ هزيمة، فاستشاطت تامي غضبا على الهنود، وكأنهم السبب: »لماذا يشجعون الانجليز، هل نسوا أنهم استعمروهم؟«، ضاربة بذلك كل الأخلاق الرياضية عرض الحائط: »لا اهتم«، تقول بعناد.
الألمانية في الخيمة، وجهت قبلة الى لاعبها المفضل. كانت واحدة من مئات الألمان في دبي، الذين رشوا قبلاتهم على مدرجات استاد »البيانز ارينا«. »قبلة إلى ميونيخ أيضا«، تقول الفتاة بشوق، فيرد الكوستاريكي: »لا أحب ميونيخ.
مطارها مليء بأناس يجرون كلابا تصدح طوال الوقت«. تنظر إليه بحقد. ثم يضحكان. فلا مكان لعصبية الجنسيات في مدينة، لو تحكمت بها العصبية، لتفجرت منذ زمن.. قبل »المونديال«!
دبي ـ البيان الاقتصادي


