العشرون من يونيو العام 2005. الساعة التاسعة مساء بتوقيت دبي. الصورة الأولى لقناة تلفزيونية جديدة تبث إلى الفضاء وتلتقطها الصحون المثبتة على الأسطح، كما »الكابلات«، لتصل إلى عيون الإماراتيين و..قلوبهم.
كانت تلك »سما دبي«. اليوم أتمت القناة عامها الأول، بإنفاق 85% من الميزانية المرصودة لسنتها الأولى، وتحقيق 35% فقط من أهدافها، وعلى رأسها توطين الوظائف في القناة، وخلق »نجم إماراتي في عالم التلفزيون«، كما يقول عبد اللطيف القرقاوي، مدير »سما دبي«.
تسويق الإمارات، وبخاصة دبي، هو الهدف الرئيس للقناة. أن يكون هناك صورة وصوت ولون وضوء وإبهار وتقنية تواكب التطور الحضاري الكبير الذي تشهده الإمارة. هل دبي بحاجة إلى تسويق، فعلاً؟ إنها محترف رئيسي للتسويق في المنطقة، ونسبة الإنفاق الإعلاني فيها، أو النشاط الذي تديره في هذا السياق، جعلها تنتزع مؤخراً لقب »عاصمة الإعلان في الشرق الأوسط«.
لكنّ »سما دبي« تضيء نجوما أخرى. تبحث عن الكنوز التراثية. تنبشها. تنتشلها كمن يحمل في يده قلادات قديمة، مفاتيح كبيرة الحجم طواها النسيان إلى حين. تفتح »سما دبي« صندوقاً مزخرفاً من خشب السنديان، وتغرف منه. هذا ليس كلاما شاعريا، وان كان فالشاعرية ليست ضد »البزنس«.
بمعنى أن العاطفة هي في أساس المشاريع التسويقية. كما أن الإعلام، في رسالته ورغبته بالتأثير وحالة المتلقي وظرف البث، يعتمد بشكل رئيس على العاطفة. التلفزيون يخاطب العاطفة ولا يخاطب العقل. فكيف إذا كنا بصدد تجربة قوامها ذراعا الإعلام والتسويق في الوقت ذاته، ومحورها التراث؟ ستكون »سما دبي«، والحال، مزيجا فريدا ينتج تجربة إعلامية تفاعلية حديثة.
المعلنون يدعمون »اليولة«
»اليولة«، الرقصة الإماراتية الشهيرة، شكلت منتجا جاذبا. تم توليفها في إطار ترفيهي، وطرحت في صيغة برنامج أطلق عليه »الميدان«. يقول القرقاوي إنه لم يكن يتوقع كل ذلك الاهتمام الجماهيري، ومن ثم الإعلاني الذي حظي به البرنامج. لقد أكدت دراسات مشاهدة، استند إليها مدير »سما دبي« في حديثه، أن البرنامج حقق 15 نقطة، في الوقت الذي حققت فيه برامج أخرى جماهيرية على قنوات أخرى درجات لم تتجاوز الست نقاط.
يعني هذا أن »الميدان« حقق نسبة المشاهدة الأعلى بين مشاهدي الإمارات، الذين تخاطبهم »سما دبي« بالدرجة الأولى: »في البداية، حين كنا نحضر لإطلاق البرنامج في دورته الأولى، اتصلنا بعدد من المعلنين الذين لم يبدوا حماسة للرعاية التجارية للبرنامج، وبعد النجاح الكبير الذي حققه، بتنا نتلقى الاتصالات من جهات ترغب بأن تكون معلنة في (الميدان)«.
بدأت »اليولة« كحركة استعراضية تصاحب الرقصة الشعبية (الرزيف)، ثم »تحوّلت إلى استعراض شخصي بالسلاح، يظهر اللاعب خلاله مهارته في التعامل مع سلاحه بمرونة وخفة وبراعة، وبالتالي يعتبر صاحب امهر الحركات في الاستعراض مميزاً عن غيره بما أظهره من شجاعة وقوة وخفة في الحركة، والتصرّف بالسلاح«، كما يشرح حمدان بن دلموك، المشرف العام على مشروع » ترويج اليولة«.
ويتحدث عن ثلاثة أبعاد للعبة: البعد الاجتماعي الذي يتمثل في العلاقة التي تربط بين مؤدي اليولة وحبه لعاداته وتقاليده ومجتمعه واستعداده للتضحية في سبيل الوطن. والبعد النفسي يظهر من خلال هدوء أعصاب مؤدي اليولة وتمتعه بسعة الصدر والصبر وطول البال وتحمل المسؤولية، وأخيراً البعد الفكري حيث نجد مؤدي اليولة منغمساً تماماً في التركيز وذلك من منطلق معايشته الكاملة للحركات الاستعراضية التي يقوم بها تماشياً مع إيقاع »الرزيف«.
من جهته يعتبر القرقاوي أن البرنامج يهدف إلى تحفيز من هم تحت سن 13 سنة للتدرب على فنون اليولة التراثية والتعريف بالفنون التراثية المختلفة، وسيتضمن البرنامج فقرات من الشعر النبطي وفن الشلة والغناء. وسيتم تدريب 40 طفلاً ليكونوا نواة الفرقة الاستعراضية للصغار، كما سيتم تدريب اليولة الصغار والإشراف على تطوير مهاراتهم على يد أفضل وأشهر مؤدي اليولة في الإمارات لإظهار المشاركين الصغار في أفضل صورة ممكنة«.
ويعتمد نظام البطولة في البرنامج على مشاركة 10 متسابقين في الحلقات من الأولى إلى الثامنة، يتأهل اثنان من كل حلقة ليكون مجموع المتأهلين إلى الدور الثاني 16 متسابقاً، يوزعون للتنافس من جديد بواقع 8 متنافسين في الحلقتين التاسعة والعاشرة، ويتأهل من كل حلقة متسابقان اثنان ليصل إلى الحلقة النهائية 4 متنافسين يختار الفائز من بينهم بواسطة لجنة التحكيم.
خطة إعلانية جديدة
غير أن القرقاوي، بالرغم من ذلك، لا يبدو راضيا عما حققته القناة من مردود إعلاني في سنتها الأولى، ويقول: »لدينا الكثير بعد كي نعمل عليه والإعلانات سوف تأتي«.
ولدى القرقاوي خطة لم يعلن عن تفاصيلها تتعلّق عن إنتاج برامج مشابه تستلهم من التراث ويتم تقديمها بشكل عصري. ولن تكتفي القناة بمخاطبة المشاهد الإماراتي أو المحلي المقيم في دبي، وإنما الأجنبي أيضا، وباللغة الانجليزية. إذ تعمد إلى إنتاج سلسلة من برامج تحاكي حياة الناس، من غير العرب، في دبي، يومياتهم، والعلاقات فيما بينهم.
وفي هذا، تتم خدمة الهدف الترويجي الذي يتمثل بإظهار طابع الانفتاح والحضارة الذي تعيشه المدينة، واستقطابها للجنسيات من مختلف جهات الأرض. وبالتالي، تلعب »سما دبي« دورها في جذب الاستثمار إلى دبي، عن طريق عكس صورة البيئة الصحية، المتعايشة بأمان تحت سلطة القانون وفي ظل أجواء منفتحة، وهي أمور مغرية بالنسبة إلى أي مستثمر.
لكنها، في خضم كل ذلك، لا تنسى أنها القناة الأكثر تفضيلا بالنسبة إلى الأسرة الإماراتية، وعليها أن تنوع في ما تعرضه كي تلبي مختلف الأذواق. لذلك تعرض القناة أيضا المسلسلات الخليجية والمصرية والوثائقيات وبرامج أخرى.
وسوف تعرض القناة في رمضان المقبل برنامجا هو بمثابة مباراة جماهيرية بين المنشدين الدينيين، الذين سيتنافسون فيما بينهم، وسوف يكون للمشاهدين الدور الرئيس في ترشيح متسابقين وإقصاء آخرين، عبر تصدير الرسائل الالكترونية بواسطة الهاتف النقال.
ويبدو أن الفكرة تشبه إلى حد كبير برامج مثل »سوبر ستار« أو »نجم الخليج« أو »اكس فايتر« وغيرها، مما »تزخر« به الفضائيات العربية حاليا، إلا أن الطابع سيكون »دينيا« وليس ترفيهيا تجاريا. ويقول القرقاوي إنّ الأرباح التي سيحققها البرنامج عبر الرسائل الالكترونية للمشاهدين، ستعود كلها لدعم النشاط الخيري، عبر مؤسسات متخصصة بذلك في دبي: ».. وبالتالي فإن هدف البرنامج نبيل«.
خيار التوطين
وفي السياق الإماراتي أيضا، تتجه القناة إلى المزيد من توطين الوظائف، أي جعل الوظائف حكرا على المواطنين الإماراتيين الذين يعدون الآن أكثر من 75% من مجمل القوى العاملة في »سما دبي«. ويعتبر القرقاوي أن الوصول إلى نسبة 100% من التوطين »هدف رئيس بالنسبة لنا من دون الاستغناء بالطبع عن مشورة وتعاون الإخوة العرب الذين كان لهم فضل كبير في تدريب الإماراتيين على العمل الإعلامي«.
وقال إن »سما دبي« خلال عام واحد من إنشائها قد حققت 30% فقط من أهدافها التي تدور حول خلق وتدريب كفاءات إعلامية إماراتية تواكب التطور الحضاري الذي تشهده الإمارات، وتحديدا دبي، على أصعدة مختلفة.
وقال إن القناة تعمل جنبا إلى جنب مع الجامعات الإماراتية للترويج لثقافة الإعلام لدى الشباب الإماراتي الذي كان إلى وقت قريب »غير مكترث بالعمل الإعلامي، لكن الصورة تغيّرت وخاصة في أوساط الفتيات«. ويسيطر الجنس اللطيف على غالبية الوظائف الإماراتية في القناة، حالياً.

