لفحت حرارة الصيف أسواق الذهب في دبي، فزادت سخونة وفورانا، ودبت حرارة النشاط في أوساط اللاعبين الرئيسيين في السوق فأحالوا كل ركن وزاوية من مدينة الذهب إلى مقصد يرتاده الزوار من داخل الدولة وخارجها، وصار بمقدور عشاق الذهب تنفس عبقه وهي يفوح في المدينة من أقصاها لأقصاها، طاليا إياها ببريقه الأصفر الذي يأخذ القلوب والعقول بروعته وافتتانه.
وتجملت المدينة بالصور والإعلانات التي تترنم بأناشيد الذهب، وتطل فيها صور فاتنات يتحلين بمجوهرات الذهب لتروي قصص عشق المسوقين والمروجين لهذه المدينة، ولتحكي قصة موعد المدينة مع مناسبات الذهب، والأمر هنا لا ينحصر في وجود صناعة ذهب ارتقت إلى العالمية، بل ينسحب كذلك إلى عبقرية المكان ووجود رؤى تخاطب المستقبل بتعقيداته وتعرجاته. واستطاعت دبي «مدينة الذهب» تأصيل هذه المكانة من خلال العديد من المبادرات التي قامت بها ومن بينها مفاجآت صيف دبي الذي انطلق منذ سبع سنوات ليعزز أداء السوق بما يستقطبه من سياح وزوار من مختلف دول العالم ليصبح سوق الذهب أحد الوجهات المهمة التي يقصدها السياح والزوار ليجدوا فيه تشكيلة متنوعة من المشغولات الذهبية التي تتناسب مع مختلف الأذواق ويحرص السياح والزوار لدبي خلال مفاجآت صيف دبي على اقتناص الفرصة لشراء الذهب من دبي للمزايا العديدة التي يحصلون عليها حيث يمكن أن يحالفهم الحظ بالفوز بالجوائز الضخمة التي تطلقها مجموعة الذهب والمجوهرات.
وفي هذا الوقت من العام، تكون المدينة على موعد مع افتتاح فعاليات مفاجآت صيف دبي 2006 خلال الفترة من 21 وحتى 29 يونيو الجاري، وفي هذه المناسبة، تتحلي المدينة بأجمل حللها، حيث تنظم العروض التي تملأ أرجاء المكان، وتنطلق المؤثرات الضوئية والصوتية لتلف أرجاءها، وتعقد فعاليات ومؤتمرات متعددة ومتنوعة. ولا يجد المروجون للذهب صعوبة في جعل الافتتان بالمعدن الأصفر أحد الملامح المميزة لمدينة دبي، لكونها تعيش حالة احتفالية دائمة طوال العام، فما بين مفاجآت صيف دبي التي تنطلق أواخر يونيو وتستمر حتى بداية سبتمبر، وفعاليات مهرجان دبي للتسوق التي تنطلق في شهر يناير من كل عام، تتعدد المبادرات والحملات التسويقية للذهب في الداخل والخارج. وتبرز المفاهيم الخلاقة والإبداعية في كيفية تنظيم الحملات التسويقية، وتتنوع أشكال المشاركة بين العام والخاص في إشاعة أجواء الذهب بين مختلف الفئات والأعمار. وتصب كل هذه الاعتبارات في جعل دبي بمثابة «جنة للمروجين». وهو ما جعلهم يتفننون في جعل بريق الذهب يضوي في كل ركن وزاوية من هذه المدينة التي استحقت عن جدارة لقب »مدينة الذهب«.
نسج التحالفات
وبالإضافة للحملات الترويجية المصاحبة للمهرجانات، فإن هناك تحالفات للترويج المشترك بين بعض المراكز التجارية وبعض محلات الذهب الشهيرة، حيث يمنح المتسوق من هذه المراكز بمبلغ معين قسيمة للشراء مجانية للذهب، كما أن هناك محلات تجري حملات تسويقية خاصة على سيارات وهدايا ذهبية للمتسوقين منها تحت عنوان »اربح الذهب«، مما ينعش الطلب على الذهب طوال العام.
ولا يقتصر الأمر هنا على الترويج للذهب بمعناه المادي، بل ينسحب إلى مخاطبة العقول لإشاعة ثقافة الذهب، من خلال تنظيم الحلقات النقاشية حول مفهوم التسويق للمجوهرات ووضع خريطة للفئات المستهدفة، وكيفية التخاطب مع الفئات الشابة بتحريك الإبداع ليكون متماشيا مع روح العصر ومتطلباته.
كما شهد السوق زيادة مطردة في عدد محلات ومعارض الذهب والمجوهرات وهناك خطط للعديد من الشركات لافتتاح مكاتب جديدة لها، وتعد عروض الذهب في مدينة الذهب عنصرا رئيسيا في عناصر الجذب الكثيرة التي تميز مدينة دبي ومهرجان دبي للتسوق في دوراته المختلفة وغالبا ما تكون محلات الذهب محط أنظار السياح والزوار الذين يقدمون إليها من جميع أنحاء العالم ويحرصون على شراء المنتجات التي تتمتع بجودتها العالية وسعرها المميز والثقة التي يحظى بها هذا السوق من حيث نوعية ومستوى الذهب في السوق.
استمرار قوة الطلب
ولفحت حرارة صيف دبي الطلب على الذهب، فرغم اشتداد سخونة الأسعار، وتقلبها بين الصعود والهبوط، إلا أن الطلب على المعدن الأصفر في الإمارات مازال يحتفظ بسخونته، فقد زادت قيمة مبيعات الذهب ـــ وفقا لأرقام مجلس الذهب العالمي - بواقع 200 مليون درهم أي بنسبة 10% ليصل إلى 2.1 مليار درهم خلال الربع الأول من العام الجاري بالمقارنة مع 1.9 مليار دولار خلال نفس الفترة من عام 2005، ولكن تراجعت كمية المبيعات بفعل ارتفاع الأسعار بنسبة 17% من 33 طنا خلال الربع الأول من عام 2005 إلى 28 طنا خلال الفترة المماثلة من العام الجاري.
بيد أنه على رغم من فقدان الطلب الاستهلاكي خلال الربع الأول من عام 2006 جزءا من القوة التي كان عليها خلال الفترة المماثلة من العام الماضي، بسبب إلغاء الاحتفال بمهرجان دبي للتسوق الذي يعد بمثابة مناسبة حيوية لمبيعات الذهب، إلا أن كبار التجار في السوق يرون أن هذا التراجع مجرد حالة عرضية ومؤقتة تحدث دائما مع ارتفاع أسعار الذهب وتقلبها.
وعبر عن ذلك الوضع معاذ بركات الرئيس التنفيذي الإقليمي لمجلس الذهب العالمي في منطقة الشرق الأوسط وتركيا وباكستان بقوله إن صعود أسعار الذهب أثر على الطلب في المنطقة، وأدى في الوقت ذاته إلى زيادة قيمة مقتنيات الناس من المجوهرات والذهب، وقام البعض منهم ببيع سبائكهم وعملاتهم ومجوهراتهم الذهبية لجني الأرباح التي تضاعفت في بعض الحالات بنسبة 100 % بسبب ارتفاع الأسعار.
وفقا لكبار صناع المجوهرات في المنطقة، يعتبر تأثير الأسعار المرتفعة على صناعة المجوهرات مؤقتا وعرضيا ويحدث في كل مرة يعاني فيها الذهب من التذبذب في سعره، ومن بين هذه التقديرات، ما جاء على لسان توحيد عبد الله المدير التنفيذي لشركة داماس بإشارته إلى أن صدمة الأسعار تؤثر في البداية على أعمال المجوهرات، ولكن ستخف وطأة هذه الصدمة وستعود الأمور إلى طبيعتها في القريب العاجل.
وأضاف أن الناس تنتظر لبعض الوقت حتى تهدأ الأسعار ولكنهم في الواقع يشترون المجوهرات، وحتى في حالة انهيار الأسعار، فإن الناس تنتظر لبضعة أيام للمزيد من التراجع في الأسعار ومن ثم فإن الأسعار تؤثر بشكل عرضي حتى في حالة تراجعها.
وبالمناسبة، تفيد شركة داماس أن حجم مبيعاتها في المنطقة ينموا سنويا بمتوسط يتراوح بين 18 % إلى 35 %، وقد قامت الشركة بافتتاح متجر لها في سلطنة عمان بما عكس تفاؤلها بشأن أوضاع السوق هناك، وقد افتتحت الشركة أول متجر لها في عام 1999 بفندق برج العرب، ومنذ ذلك الحين توسعت سلسلة متاجرها لتضم نحو 24 متجرا.
وقد أعلن مركز دبي للمعادن والسلع أن واردات دبي من الذهب بلغت 522 طناً خلال عام 2005 مقارنة بـ 502 طن في 2004. ووفقاً لتقرير »GFMS«، المؤسسة المستقلة للاستشارات والأبحاث المتخصصة في أسواق الذهب والفضة العالمية والتي تتخذ من لندن مقراً لها، فقد وصل حجم الإنتاج العالمي من الذهب خلال 2005 إلى 3997 طناً، أي أن طناً واحداً من كل ثمانية أطنان يتم إنتاجها في العالم، يجد طريقه إلى دبي.
وتساهم مفاجآت صيف دبي في تشجيع الزوار والمقيمين على شراء الذهب من خلال الحملة الترويجية التي يتم تنظيمها كل عام، وهو ما يشيع التفاؤل في أوساط التجار بأن تشهد المبيعات خلال مفاجآت صيف دبي نموا أكبر مقارنة بالأعوام السابقة.
حيث يتدفق المتسوقون لحضور فعاليات الحدث، وهم يتوزعون بين من يأتي من داخل الدولة والأعداد الكبيرة التي تتدفق على دبي من الدول الخليجية، حيث يزور دبي خلال مفاجآت صيف دبي نسبة كبيرة من العائلات الخليجية ثم يأتي بعد ذلك السائح العربي والسائح الأوروبي.
لاعبون جدد
ودبت حرارة صيف دبي المزيد من الحيوية والنشاط في أوصال مجموعة دبي للذهب والمجوهرات، وهو ما اتضح في مشاركتها النشطة في مهرجان مفاجآت صيف دبي 2006، حيث أعلنت عن تقديمها جوائز أسبوعية بقيمة 100 ألف درهم، بالإضافة إلى إجراء السحوبات مقابل الشراء من المحلات المشاركة بما قيمته 250 درهما، على جوائز متنوعة تشمل: مجوهرات وألماسا وذهبا وسيارات وتذاكر سفر وأجهزة تلفاز بلازما.
وعلى هامش مهرجان مفاجآت صيف دبي، تنسج التحالفات بين التجار في اتجاه تمثيل أكبر للتنوع على صعيدي التجار والمستهلكين وبالتالي العمل على جذب الفئات المستهدفة على مختلف مشاربها سواء محليا أو إقليميا أو عالميا.
وذلك من خلال تنظيم الحملات في عدد من الأسواق الرئيسية في العالم ودعوة الوفود التجارية من هذه الأسواق إلى الإمارة للتعرف على قدراتها الكامنة، فضلا عن تشجيع تجار المجوهرات من كل أنحاء العالم لعرض منتجاتهم أمام جمهور منطقة الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية.
وفي ظل هذه الأجواء الساخنة التي تحيط بسوق الذهب في دبي،بدأت كيانات جديدة معنية بالذهب والمجوهرات بشكل في الظهور، فمن جانب، تردد في السوق أن مجموعة من المستثمرين المحليين يسعون في الوقت الحالي للحصول على الموافقات والتراخيص اللازمة من الجهات الحكومية المعنية لتأسيس صندوق استثماري للاتجار والاستثمار في الذهب برأسمال مبدئي يقدر بنحو مليار درهم.
وقد اتفق هؤلاء المستثمرون، وجميعهم من أبوظبي، على إنشاء هذا الصندوق في الوقت الذي تتعاظم فيه قيمة الذهب كأداة نقدية واستثمارية وسط تراجع وتذبذب أوجه استثمارية أخرى وعلى رأسها سوق الأسهم بالإضافة للضعف الحالي للدولار، وستكون جميع الأوجه الاستثمارية لهذا الصندوق في نطاق الذهب مثل شراء المناجم ومحلات الذهب والمجوهرات بالإضافة لمصافي الذهب وغيرها من الأنشطة المتعلقة بالمعدن الأصفر. ومن المتوقع ان يحصل هؤلاء المستثمرون على الموافقات اللازمة في غضون شهر من الآن.
ومن جانب آخر، أكد المهندس صلاح سالم بن عمير الشامسي رئيس اتحاد غرف التجارة والصناعة رئيس غرفة أبوظبي حرص الغرفة على تذليل كافة الصعوبات والمشكلات التي تواجه تجار الذهب والمجوهرات في إمارة أبوظبي.
وأوضح أن الغرفة ستعمل ومن خلال لجنة التجارة المتفرعة عن مجلس الإدارة على إيجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلات وبما يسهم في تنشيط هذه التجارة وازدهارها وقال انه سيتم الإعلان قريبا عن تشكيل لجنة خاصة بتجار الذهب والمجوهرات بهدف متابعة أعمال هذا القطاع ومعالجة كافة العقبات والمشكلات التي تواجه محلات الذهب والمجوهرات في إمارة أبوظبي.
ولقد عززت دبي من مكانتها كمعبر للذهب مما دفع العديد من المحللين إلى تسميتها »بوابة الذهب«، ويرمز هذا المسمى إلى الدور الذي أصبحت تضلع به الإمارة في سوق الذهب العالمي حيث لم يعد سوق دبي للذهب أحد الموارد الحيوية لاقتصاد الإمارات والذي حظي بدعم حكومي تجسد في تطوير بنية تحتية متقدمة لهذا القطاع.
وتحديث الأسواق الموجودة وإقامة أسواق جديدة ومراكز تجارية بل أضحى كذلك بوابة تمر من خلالها تجارة الذهب العالمية استيرادا وتصديرا، ويؤكد مجلس الذهب العالمي مثل هذه المكانة المتميزة بإشارته إلى إن 60% من تجارة الذهب في العالم تمر عبر دبي.
بوابة الذهب
ولعل التحدي الأكبر الذي تواجهه المدينة، هو كيفية الحفاظ على هذه المكانة المتميزة عملا بالمثل القائل إن »الاحتفاظ بالقمة أكثر صعوبة من بلوغها«، ولهذا تعمل دبي ـــ حسبما قال معاذ بركات الرئيس التنفيذي لمجلس الذهب العالمي- على مواصلة جهودها لتعزيز مكانتها كمدينة للذهب عبر إقامة مركز السلع والمعادن الذي يعد بمثابة خطوة ايجابية ومدروسة لتعزيز وتطوير صناعة الذهب،وإطلاق بورصة الذهب التي تمثل قفزة نوعية في هذا الاتجاه.
وتنهض تلك الجهود التي تبذلها المدينة للحفاظ على مكانتها العالمية، على اقتناع راسخ بان حركة تصنيع الذهب والمجوهرات بدأت تتجه شرقاً تاركة غرب الكرة الأرضية، حيث إن صناعة الذهب سوف تتركز في السنوات المقبلة في كل من الإمارات والهند وتركيا راحلة من الولايات المتحدة وايطاليا وغيرها. وهو تحول نوعي يتيح لدبي إمكانية استثماره لدعم مكانتها في مواجهة المراكز المنافسة لتسويق الذهب في العالم.
ولهذا، تجلت سخونة صيف دبي في العديد من مظاهر وتعبيرات الذهب، بدءا بمهرجان مفاجآت صيف دبي ومرورا باتساع حملات الترويح والتسويق وتنوع مشاربها وأساليبها، وانتهاء وليس نهاية ببروز فواعل جديدة من شأنها أن ترسخ مكانه مدينة الذهب في الأسواق العالمية،مما يجعل الافتتان بالمدينة طوال العام وليس في الصيف.
دبي ـــ مجدي عبيد:


