استعاد الذهب جزءاً من جاذبيته وتألقه، بعودته مجدداً إلى مسار الصعود، ولكن مازال المعدن الأصفر يتقلب بين الصعود تارة والهبوط تارة أخرى، ثم العودة مجددا للهبوط والصعود في تحركات سريعة التذبذب والتغير تهيمن على تداولاته حتى في إطار الجلسة الواحدة، بحيث صار هذا التقلب هو الملمح البارز لسوق الذهب خلال الأيام الأخيرة، مما دفع بعض المحللين إلى توصيف هذا الوضع بأنه يعكس غياب وجود مسار واضح للاتجاه الذي سيسلكه سعر الذهب.

وعكست تحركات أسعار الذهب السريعة التقلب، انكشاف المعدن الأصفر لكم ضخم من المؤثرات ذات الاتجاهات المتباينة، وخضوعه لمصادر ضاغطة وأخرى داعمة في آن واحد، بحيث سطر الذهب يوميات سعرية تحكي حركه تطورات الأحداث في العالم، أكثر مما تسرد مقومات السوق الرئيسية، وهو ما جعل المؤثرات المرتبطة بمعنويات السوق ذات وقع تأثيري كبير على تحركات السعر، وجعل المعدن الأصفر أكثر حساسية للأحداث مهما صغر أو كبر حجمها.

وبقدر ما تأثر سعر الذهب بتطورات الأوضاع في العراق وانتظار المستثمرين تمكن الذهب من كسر النطاق السعري السائد في تداوله، فانه وبقدر أكثر أهمية تأثر الذهب بالأفق المتوقعة لسعر صرف الدولار وتوقعات الفائدة الأميركية، بحيث أصبحت آفاق سعر الذهب من وجهة نظر البعض مرتبطة بما سيقرره اجتماع لجنة السوق المفتوحة في بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي في يوم 28 مارس الجاري بشأن الفائدة، وذلك في ضوء الفتور الذي أصاب التوقعات بأن البنك سيواصل رفعه للفائدة الأميركية.

وأثقل هذا المناخ الملبد بعدم وضوح الرؤية واليقين على التوقعات بشأن آفاق سعره، وتوقع بعض المحللين أن يشهد الذهب بعض التراجع في السعر، ثم يباشر بعد ذلك مسيرة تحقيق قفزات سعرية، ورأى البعض الآخر أن مستقبل سعر الذهب صار رهنا بآفاق سعر الدولار، وأن من شأن توقف بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي عن رفع الفائدة، أن يثقل على سعر صرف الدولار ويدفعه نحو التراجع، وهو ما سوف يقدم الدعم للمعدن الأصفر وتسجيله قفزات سعرية.

الذهب يصعد مجدداً

وتجلي استعادة الذهب تألقه في الزيادات السعرية التي شهدها خلال الأيام الأخيرة، ففي 23 يونيو ارتفع سعر الذهب الفوري في لندن بقيمة دولارين أي بنسبة 0.3% ليبلغ 582.65 دولارا للأونصة، وهو ما رفع مكاسبه خلال الأسبوع المنتهي في 23 يونيو إلى 0.3%.

وارتفعت أسعار العقود الآجلة للذهب تسليم شهر أغسطس في قسم كوميكس ببورصة نيويورك التجارية بمقدار 2.60 دولار أي ما يعادل 0.4 % لتصل إلى 588 دولارا للأونصة، وفي يوم 22 يونيو، جنى السعر الفوري للذهب في لندن مكسبا قيمته 2.25 دولار أي ما يعادل 0.2 % ليصل 589.80 دولار للأونصة، كما جنت عقود الذهب الآجلة تسليم شهر أغسطس مكسبا مقداره 1.30 دولار للأونصة ليصل إلى 592.30 دولارا للأونصة.

وقد ارتفع الذهب بنسبة 18 % في العام الماضي مع قيام المستثمرين بشراء المعدن الأصفر كأداة للتحوط ضد مخاطر ارتفاع تكاليف الطاقة الناشئة عن بلوغ أسعار النفط مستويات قياسية.

وجاء هذا الصعود في سعر الذهب نتيجة توقعات بأن بنك الاتحاد الفيدرالي الأميركي سوف يتوقف عن رفع معدلات الفائدة وهو الأمر الذي من شأنه أن يزيد جاذبية حيازة الذهب. نظرا للعلاقة العكسية بين سعر صرف الدولار وسعر الذهب.

ويتلقى الذهب دعما من التكهنات التي تتوقع تراجع سعر صرف الدولار بسبب الخلل في الاقتصاد الأميركي، الذي يثقل على سعر صرف الدولار في اتجاه التراجع في مواجهة عملتي الين واليورو.

وذلك اثر ورود تقارير توضح أن مشتروات أوراق الخزانة الأميركية هبطت قليلا عن الكمية المطلوب بيعها لتمويل العجز في الميزان التجاري الأميركي، حيث أفادت أرقام وزارة الخزانة الأميركية أن المستثمرين الدوليين اشتروا أوراق خزانة أميركية خلال شهر يناير بقيمة 66 مليار دولار وتشمل سندات شركات وأصولا مالية أخرى، مقابل مشتروات في شهر ديسمبر بلغت قيمتها 53.8 مليار دولار.

ونظرا لاتساع عجز ميزان الحساب الجاري الأميركي إلى 224.9 مليار دولار خلال الربع الأخير من عام 2005 مقابل 185.4 مليار دولار خلال الربع السابق عليه. ولتعويض الفجوة في الحساب الجاري والحفاظ على قيمة الدولار، فان الولايات المتحدة ـــ وفقا لتقديرات وكالة بلومبيرغ للأنباء ـــ تحتاج لجذب تدفقات مالية من الخارج بقيمة تبلغ حوالي 2.5 مليار دولار يوميا،أو حوالي 75 مليار دولار شهريا.

وجاءت تعليقات المحللين لتوضح مدى تأثر سعر الذهب بآفاق سعر صرف الدولار، فمن جانب، لاحظ ماري ميكنيل المحلل في مؤسسة »آر إف لافيرتي« R.F Lafferty Inc ومقرها نيويورك أن الحديث الدائر الآن في السوق ينصب على التراجع الممكن في سعر صرف الدولار وهو ما يساعد أسعار الذهب. ومن جانب آخر قدر ميشيل ويدمير المحلل في بنك ماكاري Macquarie Bank أن هذا الاسبوع مهم للدولار وبالتالي للذهب، وأن السوق يتطلع إلى معرفة الاتجاه الذي سيسلكه سعر الذهب.

وقد تحرك سعر الذهب المقوم بالدولار في اتجاه عكسي مع سعر الذهب المقوم باليورو خلال السنوات الثلاث المنتهية في عام 2004 ولكن تغيرت هذه العلاقة في العام الماضي عندما جنى الذهب مكسبا في مواجهة العملات الرئيسية. وتوقع بعض المحللين أن يواصل الذهب مسيرة صعوده حتى ولو قفز سعر صرف الدولار في مواجهة هذه العملات.

وفي ظل علاقة الارتباط التاريخية بين الذهب والنفط، اقتفى المعدن الأصفر أثر النفط على سلم الصعود، وتزايدت جاذبيته في أعين المستثمرين كوعاء استثماري تحوطي ضد مخاطر ارتفاع تكاليف الطاقة والمتمثلة أساسا في تسارع وتيرة الضغوط التضخمية، الأمر الذي يجعل المستثمرين يندفعون إلى سوق السلع للحفاظ على القوة الشرائية لأصولهم.

وبهذا عكست أسعار الذهب المرتفعة المكاسب السعرية التي جنتها السلع خلال هذا العام، إذ قفز سعر النحاس بنسبة 30% والزنك بنسبة 48% والسكر بنسبة 21%. وحصل المعدن الأصفر على قدر من الجاذبية نتيجة عودة أسعار النفط إلى الارتفاع، حيث تراوحت أسعار النفط خلال الأسبوع الماضي بين 69 و71 دولاراً للبرميل، وأغلق الخام الأميركي في نهاية الأسبوع عند 70.87 دولارا للبرميل بعد موجة صعود رفعته 1.50 دولار في اليومين الماضيين.

وسجل مزيج برنت في بورصة لندن 69.93 دولارا للبرميل وواصلت الأسعار ارتفاعها يوم الخميس, حيث سجل الخام الأميركي الخفيف في عقود أغسطس عند التسوية في نايمكس ارتفاعاً بمقدار 51 سنتا عن اليوم السابق وبلغ 70.84 دولارا للبرميل معززاً مكاسبه التي بلغت نحو دولار في اليوم السابق.

وفي بورصة البترول الدولية بلندن ارتفع سعر مزيج برنت خام القياس الأوروبي 78 سنتا إلى 69.95 دولار للبرميل.

وقفز سعر عقود البنزين بنسبة 2.5% إلى 2.118 دولار للغالون بعد ارتفاعه 3% الأربعاء بعد أن أظهرت بيانات حكومية أميركية زيادة قدرها 300 ألف برميل في مخزونات البنزين على الرغم من ارتفاع إنتاج المصافي بالمقارنة مع توقعات بأن ترتفع المخزونات بمقدار 1.2 مليون برميل.

وقفز سعر سلة منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، والتي تضم خام صحارى الجزائري وميناس الاندونيسي والإيراني الثقيل والبصرة الخفيف العراقي وخام التصدير الكويتي وخام السدر الليبي وخام بوني الخفيف النيجيري والخام البحري القطري والخام العربي الخفيف السعودي وخام مربان الإماراتي وخام بي.سي.اف 17 من فنزويلا في نهاية الأسبوع إلى 64.36 دولارا بعد أن ترجع إلى 62.87 دولارا للبرميل في اليوم السابق. وكانت السلة قد سجلت 62.95 دولارا منتصف الأسبوع.

الطلب الاستثماري

ومثل الطلب الاستثماري محركا رئيسيا لاندفاع أسعار الذهب نحو مستويات عالية، بل وتنعقد الرهانات على هذا الطلب بأن يسجل المعدن الأصفر مستويات سعرية عالية جديدة. وورد هذا الاستنتاج في التقرير الصادر عن مجلس الذهب العالمي في 29 مارس الماضي بإشارته إلى أن الصناديق الاستثمارية تعتبر المشتري الأكبر للذهب خلال العام الجاري.

وفاقت مشترواتهم مشتروات قطاع المجوهرات الذي استحوذ على 73 % من إجمالي الطلب على الذهب في العام الماضي، وورد كذلك في التقرير الصادر عن مؤسسة »جي إف إم إس« للاستشارات في مجال المعادن في 19 يناير الماضي أنه مع سعي المستثمرين إلى التحوط من مخاطر ارتفاع معدلات التضخم، تتسارع وتيرة صعود الطلب الاستثماري مما يدفع سعر الذهب إلى مستويات عالية.

وقد ساهمت عوامل عديدة في ازدياد سخونة الطلب الاستثماري، ويبرز من بينها، تصاعد حدة المواجهة بين الدول الغربية وإيران بشأن برنامج الأخيرة النووي، وذلك إثر إعلان طهران نجاحها في تخصيب اليورانيوم.

وقد أثقلت هذه التوترات الجيوسياسية إلى جانب توقف بعض إمدادات النفط النيجيري بفعل تصاعد الإقتتال في دلتا النيجر، على أسعار النفط لتسجل ارتفاعات قياسية تجعلها تحوم حول 70 دولارا للبرميل.

وقد حصل الذهب على دعم من تدهور الوضع الأمني في العراق، حيث أن استمرار القلاقل الأمنية في العراق من شأنه أن يعزز الإقبال على المعادن النفيسة. ويتضح تأثير الأوضاع في العراق على الذهب، في صعود سعره بنسبة 2.2 % في 4 فبراير 2003، عندما سعت الولايات المتحدة إلى الحصول على دعم الأمم المتحدة في هجومها على العراق.

فضلا عن تأثر سعر الذهب إيجابا بالتراجع في سعر صرف الدولار. ولقد قفزت أسعار العقود الآجلة تسليم شهر إبريل في اليوم المذكور بمقدار دولار واحد أي بنسبة 0.2 % لتصل إلى 555.40 دولارا للاونصة في قسم كوميكس ببورصة نيويورك التجارية نايمكس ليجني مكسبا أسبوعيا نسبته 2.6%.

وعلق فرانك ماكهي تاجر ذهب في شركة »إنتيجراتيد بروكريج سيرفيس« Integrated Brockerage Services ومقرها شيكاغو بقوله »نحن بمقدورنا أن نرى زيادات مؤثرة في أسعار الذهب نتيجة لزيادة التوترات في العراق فمن شأن أي شيء يهز الثقة أن يعد إيجابيا بالنسبة للذهب«.

وأضاف موضحا أن الدولار يتجه حتما إلى الهبوط، وبالتالي مازال سوق الذهب يمتلك إمكانيات للصعود.

ويشتري بعض المستثمرين الذهب في أوقات التضخم للحفاظ على قوتهم الشرائية وقد قفز معدن الذهب إلى 873 دولارا للأونصة في نيويورك في عام 1980 عندما قفزت أسعار المستهلك إلى ما يزيد على 12% وفي يناير 1981 وصل سعر الذهب إلى 612 دولارا للأونصة.

وعلق محللون على هذا الارتفاع بإشارتهم إلى أن الأحداث السياسية تقدم الدعم عادة لسعر الذهب, ولكن يوجد في الوقت الراهن تغيب للرؤية الواضحة بشأن المسار الذي سيسلكه الذهب.

وقال ميشيل ويدمير المحلل في بنك ماكوري Macquarie في لندن ان الضغوط على الدولار باتجاه التراجع تشكل السبب الرئيسي وراء تصاعد الإقبال على الذهب.

آفاق سعر الذهب

وألقت مثل هذه التذبذبات في أسعار الذهب بظلالها على التوقعات بشأن آفاق أسعار الذهب، فمن جانب، توقع تقرير صادر عن البنك التجاري الألماني أن الذهب قد يهبط إلى مستوي 494.50 دولارا للأونصة في غضون الأسابيع الستة أو الثمانية المقبلة، وانه على المدى الطويل، توجد إمكانية لأن يقفز الذهب بخطوة كبيرة وانه ربما يصعد إلى 682 دولارا للأونصة بحلول النصف الثاني من عام 2007.

ومن ناحية ثانية، قدر تيسيوشي فيريكاوا محلل السلع في شركة تايسيو بيسان Taiheiyo Bussan ومقرها طوكيو أن الفكرة القائلة ان الذهب سيقفز فورا إلى مستوى 600 دولار للأونصة قد فقدت منطقيتها, وأنه إذا ما تمكن الذهب من الحصول على دعم عند مستوى 550 دولارا للأونصة، قد يصعد السعر مجددا إلى مستوى 570 دولارا للاونصة.

ومن ناحية ثالثة، لاحظ يوكاري نوزاكي محلل العقود الآجلة للسلع في شركة آسي كوكي Ace Koeke ومقرها طوكيو أنه من الصعب التكهن بأن يحقق الذهب زيادات كبيرة في أسعاره حتى اجتماع لجنة السوق المفتوحة في بنك الاحتياط الفيدرالي الأميركي والمسألة الآن تتعلق بالسيولة وما إذا كانت الصناديق الاستثمارية ستستمر في تدفقها على أسواق السلع أم لا. وبالتالي، ستكون الفائدة الأميركية العامل الأكثر أهمية في تحديد الأسعار.

وفي السياق ذاته، توقع روبين باهر المحلل في فرع بنك »يو بي إس« في لندن أن يصعد الذهب إلى 580 دولارا للأونصة خلال شهر و600 دولار للأونصة خلال ثلاثة شهور.

كتب مجدي عبيد: