قال تقرير صادر عن البنك الدولي ان نحو 6 ,1 مليار نسمة لايزالون يعيشون حياة تفتقد إلى الإمداد الكهربائي منهم نحو 526 مليون نسمة في دول إفريقيا جنوب الصحراء و 800 مليون في منطقة جنوب آسيا، وتشير التقديرات إلى أن دول العالم بحاجة الى استثمار 8 تريليونات دولار على مدى الأعوام الـ 25 المقبلة لتلبية احتياجات الطاقة في البلدان النامية والمتوسطة الدخل.
وتندرج هذه المشكلة ضمن إطار الخلل الكبير الذي تشهده الكثير من دول العالم الثالث في قطاع البنيات الأساسية خصوصا المياه والطرق وغيرها من الجوانب الحياتية المهمة. وناقش مؤتمر البنك الدولي السنوي المعني باقتصادات التنمية الذي عقد في العاصمة اليابانية طوكيو خلال الفترة من 29-30 من شهر مايو الماضي، الدور الذي تلعبه البنية الأساسية في تحقيق التنمية، ووجه المؤتمر هذا العام جل الاهتمام إلى موضوع البنية الأساسية، حيث تركز قدر كبير من النقاش على الطاقة.
وتناول المشاركون على وجه الخصوص، الشواغل المتعلقة بالاحتياجات المستقبلية من الطاقة لسكان العالم الذين ينمون بسرعة كبيرة، ومدى سرعة تأثر المناطق المزدحمة بالسكان بارتفاع أسعار النفط وتغيّر المناخ، والافتقار إلى القدرة على الحصول على الطاقة في تلك الأماكن.
وقال جمال الصغير، مدير إدارة الطاقة والمياه في البنك الدولي، إن البنك يضع مسألة الطاقة في مقدمة وقلب الجهود الرامية إلى مكافحة الفقر. إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تعرض الكثير من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء المستوردة الصافية للنفط لخسارة ما حققته من مكاسب اقتصادية ـ حيث تكبدت خسائر تراكمية زادت نسبتها على 3 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي ـ ـ الأمر الذي أدى بدوره إلى ازدياد معدلات الفقر في تلك البلدان بحوالي 4-6 في المائة.
ويرى الخبراء إن الافتقار إلى خدمات الطاقة الحديثة، في الوقت ذاته، «يُلحق الضرر بالفقراء»، ولاسيما في منطقتي إفريقيا وجنوب آسيا، حيث لا يحصل حوالي 70 في المائة و 59 في المائة من سكان هاتين المنطقتين على التوالي، على الطاقة الكهربائية، وحيث يستخدم عدد أكبر من ذلك أنواع الوقود التقليدية المُستخرجة من الكتلة الأحيائية لأغراض الطهي داخل المنازل، مما يؤدي إلى تلوث الهواء فيها..
ويؤكد الخبراء ان خدمات الطاقة الحديثة تتيح سبيلاً للإفلات من براثن الفقر لنحو 6 ,1 مليار شخص لا تتوافر لديهم حالياً تلك الخدمات، لكن المشكلة تكمن في أن عدداً كبيراً من البلدان في العالم لم يضع بعد إستراتيجيات بشأن توفير إمدادات الطاقة إلى أشدّ سكانها فقراً والذي يعيش أغلبهم في مناطق ريفية،
وذلك رغم أنها ما زالت تواجه تحديات أخرى، ومازال يتعين عليها تلبية احتياجات سكانها المتزايدين بسرعة في المناطق الحضرية. علاوة على ذلك، فإن إعانات الطاقة التي تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات الأميركية لا توجه إلى الفقراء.
وتقول المؤسسات الدولية انه حتى الآن لا يتوفر إلا حوالي نصف الاستثمارات اللازمة في الوقت الحالي ـ يأتي معظمها من البلدان المنتفعة نفسها، فضلاً عما تتيحه المؤسسات الإنمائية الدولية وصغار المستثمرين من أصحاب مشاريع العمل الحر. وينفق البنك الدولي نحو ملياري دولار أميركي سنوياً على مشاريع البنية الأساسية في قطاع الطاقة.
و ثمة حاجة لزيادة الموارد التمويلية اللازمة لإقامة ذاك النوع من البنية الأساسية الذي يُمكّن البلدان من تخفيض أعداد من يعيشون على أقل من دولار أميركي واحد في اليوم بحلول عام 2015 ـ ويمثل ذلك أحد الأهداف الإنمائية العالمية للألفية الجديدة التي سيكون لتنمية البنية الأساسية في مجال الطاقة دور في تحقيقه.
وهنالك فجوة تمويلية كبيرة لا تقتصر على مسألة ضخ مزيد من الأموال إلى ذلك القطاع فحسب، بل وتشمل أيضاً ضرورة تهيئة البيئة والسياسات العامة التي من شأنها اجتذاب الاستثمارات، وتكمن الخطورة في الفجوة بين استثمارات القطاعين العام والخاص حيث انخفضت استثمارات القطاع الخاص في قطاع توليد الطاقة في البلدان النامية إلى 14 مليار دولار أميركي،
وذلك مقابل 47 مليار دولار أميركي في عام 1997. ومن بين الحلول المطروحة ضرورة بذل الدول المعنية جهوداً كبيرة لجذب المستثمرين الدوليين، وحشد المستثمرين المحليين والبنوك المحلية، وتحفيز القطاع العام لضخ الأموال في تلك المشاريع، حتى يتسنى تعبئة أموال من القطاع الخاص.
كما ينبغي على المؤسسات الدولية لعب دور أساسي في ذلك الشأن من خلال العمل مع البلدان المعنية لتشجيع السياسات الاقتصادية التي تتلافى تشوهات الأسواق، والتي تكافئ الاستثمارات وممارسات حُسن نظام الإدارة العامة، والمؤسسات القوية، وسيادة القانون.
ولابد هنا من لعب دور ملموس لإقناع القطاع الخاص بالاستثمار في هذا المجال، وتقاسم المخاطر، والاضطلاع بدور الشريك لاجتذاب الأطراف الفاعلة ولاجتذاب المستثمرين، حيث إن القطاع الخاص لن يقدم على المشاركة في بعض المجالات الصعبة دون مشاركة الحكومات والمؤسسات الدولية المعنية.
وتتعلق المسألة بشكل أساسي برفع المستوى المعيشي للسكان في مختلف دول العالم، فعلى سبيل المثال من شأن الاستثمار في البنية الأساسية للطاقة في إفريقيا أن يؤدي إلى ارتفاع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بنسبة لا تتعدى 3 في المائة ـ أي أقل من النسبة المنبعثة عن شركات الطيران في الوقت الحالي والتي تبلغ 4 في المائة. إلا أن تلك الاستثمارات ستؤدي إلى تخفيض التلوث الداخلي الذي يحدث من جراء احتراق الوقود الصلب لأغراض الطهي والتدفئة.
لكن الأمر يتطلب جهداً من الدول الغنية أيضاً حيث أن زيادة القدرة على الحصول على الطاقة لا تعني بالضرورة تردّي الأوضاع البيئية. فذلك الى جانب مهمّ إذ أنه لا ينبغي جعل إفريقيا جنوب الصحراء تدفع ثمن تغيّر المناخ، إذ أن 20 في المائة من البشر الأشد فقراً في بلدان العالم يستهلكون أقل من 4 في المائة من الطاقة، بينما يستهلك أغنى 20 في المائة 58 في المائة، ومن هنا لابد من بذل الجهود من أجل إحداث «أقل قدر من الآثار البيئية»، واستخدام تكنولوجيا الطاقة المتجددة التي تتسم بقلة استهلاك الطاقة.
وقد عبر بول وولفويتز، رئيس البنك الدولي، عن ذلك بقوله: «يسعى المجتمع الدولي، اليوم، إلى أن يحقق كسباً مزدوجاً ـ وذلك بغرض تلبية احتياجات الطاقة اللازمة لتحقيق النمو ومكافحة الفقر من ناحية، والمحافظة على البيئة من الناحية الأخرى. والواقع أنه لا يوجد أدنى تناقض بين هذين الهدفين.
إذ إنه من الصعوبة بمكان مكافحة الفقر إذا كان السبيل إلى ذلك هو تدمير البيئة»، ويشير الخبراء هنا إلى أن المشاريع المحتملة لا تشمل فقد تلك القائمة على فكرة أن كل صغير جميل، ولكنها تضم أيضاً مزيجاً من المشاريع التي تتراوح بين المشاريع الضخمة لتوليد الكهرباء وتقديم حلولٍ على مستوى الأسرة.
ويمكن للطاقة النظيفة أن تكون وسيلة لضمان أن نبني للأجيال المستقبلية عالماً للطاقة أكثر نظافة وأكثر إنصافاً وأقل إثارة للجدل عما حدث خلال السنوات الخمسين الماضية.
وتبرز هنا بقوة مسألة تنمية مصادر طاقة اقليمية تشمل إقامة مشروعات تكاملية في قطاعي الكهرباء والمياه، حيث أثبتت التجارب ان تنمية مصادر صغيرة الحجم لتوليد الطاقة في إفريقيا أدى في بعض الحالات إلى ارتفاع تكلفتها ارتفاعاً هائلاً، بحيث باتت «المؤسسات والأماكن التي تستطيع تحمل تلك التكلفة تدفع بعضاً من أعلى تعريفات الاستهلاك».
ولدى بعض البلدان وفرة في الموارد الطبيعية كالنفط أو إمكانات توليد الطاقة المائية، لكن لا توجد لديها البنية الأساسية الكافية لتسهيل التجارة فيما بين البلدان، بحيث تتيح إمدادات مأمونة للمستوردين، وأسواقاً مستقرة للمصدرين.
والمؤكد أن من شأن تمويل مشاريع البنية الأساسية ـ التي تؤدي أولاً إلى تحسين أمن إمدادات الطاقة لتلك البلدان، وثانياً، إلى تقليل التكلفة الزائدة للجميع، إلى حد ما، عن طريق تبادل تلك الموارد ـ أن يفضي في نهاية المطاف إلى تحسين موارد الطاقة للجميع في إفريقيا.
لقد خلق الارتفاع الكبير في أسعار النفط واقعاً جديداً في البلدان المستوردة الصافية للنفط التي تشهد زيادة كبيرة في أسعار الطاقة المُستخدمة لأغراض التنمية وللأغراض المنزلية.
يقول جاري ستجينز، الخبير الاقتصادي في مجال الطاقة بالبنك الدولي، إن البنك أجرى أعمالاً بحثية على مدار العام الماضي حول ما ينبغي على العالم القيام به لإحداث خفض كبير في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
وتركز هذه الأعمال البحثية، التي يتم إجراؤها بناءً على طلبٍ من قادة بلدان مجموعة الثماني في أعقاب قمة غلين إيغلز التي عُقدت في يوليو 2005، على إمكانية تخفيض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم الحجري في الصين والهند، وبدرجة أقل، على إمكانية تحسين كفاءة استهلاك الطاقة في روسيا، حيث تُعتبر تلك البلدان الثلاثة من بين أكبر المنتجين الرئيسيين لانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون على مستوى العالم.
وتشير الاستنتاجات إلى أنه يمكن لتكنولوجيا الطاقة المتجددة أن تحل محل الوقود الأحفوري بصورة أسرع مما كان يُعتقد في السابق، حيث يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى جعل تلك التكنولوجيات أكثر جاذبية. ويضيف ستجينز قائلاً إن بعض تكنولوجيات الطاقة المتجددة الحالية، كالطاقة الريحية، تُعتبر مُجدية من الناحية الاقتصادية. «نشعر بتوفر قدرٍ كافٍ من التكنولوجيات بالفعل، وعليه، فإذا ما توافرت الإرادة السياسية للقيام بذلك، فسيكون بوسعنا إحداث تحسّن كبير».
ومازالت مشاريع توليد الطاقة الكهرومائية أكبر مُكون في حافظة البنك الدولي الخاصة بمشاريع الطاقة المتجددة، إلا أن المساندة التي يتيحها البنك لمشاريع الطاقة المتجددة الأخرى قد تسارعت بشدة منذ عام 2000.
وتشمل حافظة مشاريع البنك الدولي في مجال الطاقة في الصين تشمل مشروع تنمية الطاقة المتجددة الذي يهدف إلى «تهيئة الأجواء» لمشاريع الطاقة المتجددة المستقبلية في هذا البلد.
ويتيح هذا المشروع منحاً إلى الشركات التي تنتج الخلايا الشمسية، المعروفة بالفولتية الضوئية. حيث تقوم هذه الشركات بتسويق وبيع منتجاتها في المناطق الريفية غير المربوطة بشبكات الكهرباء، كما توفر أعمال الصيانة اللازمة لها. وتغطي المنح المُقدمة حوالي 300 ـ 400 ألف نظام فولتية ضوئية في المنازل والمؤسسات، تستهدف توليد الكهرباء اللازمة لأغراض الإضاءة وتشغيل أجهزة الراديو والتلفزيون في المجتمعات المحلية المنعزلة في أقاليم: كينغاي، وغانسو، ومنغوليا الداخليّة، وشينجيانغ، وكسيزانغ، وسيشوان.
ويركز مشروع آخر في الصين على زيادة مستوى الكفاءة بما يصل إلى 50 في المائة في محطات توليد الكهرباء التي تعمل بالفحم الحجري. كما يعمل البنك الدولي حالياً مع الحكومة الصينية لتجهيز إحدى محطات الفحم الحجري الجديدة لتوظيف تكنولوجيا «احتجاز الكربون» التي تولد الكهرباء في الوقت الذي تحتجز فيه ثاني أكسيد الكربون وتخزنه بصفة دائمة في تشكيلات جيولوجية.
ومن المُتوقع، وفقاً لما قاله ستجينز، أن يتم المُضي قدّماً في تطبيق تكنولوجيا احتجاز الكربون على نطاق واسع إذا ثبت نجاح مبادرة تكنولوجيا FutureGen التي ترعاها وزارة الطاقة الأميركية عندما يبدأ عملها في عام 2012 في الولايات المتحدة.
وفي محاولة لتنشيط البحث والتطوير في مجال الطاقة المتجددة، اقترح البنك الدولي إنشاء صندوق لرأس المال المخاطر لتمويل أعمال البحث والتطوير المتعلقة بالتكنولوجيات التي ينخفض فيها الكربون.
دبي ـ «مشهد البيان»:
