شكلت أوراق العمل التي قدمت في الندوة التي عقدت في الكويت مؤخراً وبدعم من مجموعة البنك الإسلامي للتنمية تحت عنوان «الفرص والتحديات أمام سيدات الأعمال في دول مجلس التعاون» مشهداً حقيقياً لواقع المرأة الخليجية من حيث إمكاناتها، وعكست بدورها رؤية جلية لطبيعة العناصر التي أثرت وتؤثر على وضعها الاقتصادي، كما أوضحت في الجانب الآخر الدور الإنمائي الذي نجم عنه انجازات استطاعت المرأة الخليجية تحقيقها في الآونة الأخيرة.
ومن التحولات المهمة التي أوردتها الأوراق ما حدث في السعودية خلال الفترة الأخيرة، حيث تناول المجتمع موضوع المرأة بطريقة منطقية فرضتها الانجازات التي حققتها المرأة داخل الأروقة الاجتماعية والاقتصادية، إضافة إلى مسألة الحرص على تسليط الضوء على ما هو واجب توافره من أدوات تسهم في دعمها وتعيد طرق تطورها «فكرياً».وأصبح هنالك إدراك بضرورة معالجة المشكلات التي في المقابل شرائح كبيرة من النساء والمتمثلة في إيجاد السبل التشريعية التي ترقى بها إلى التعامل مع حداثة سوق العمل الذي بات لا يرضي الا الكفاءات وجودة المقدم.. وجرزت أصوات تنادي بوجوب تذويب المعوقات المختلفة التي تحول دون أخذ المرأة للمبادرة في إنماء نفسها بشكل يوازي التطور المطلوب.
وسجلت «شريحة سعودية» كثيراً من الإنجازات على الصعيدين الوطني والإقليمي، واستطاعت إثبات أنها قادرة على التعامل بالشأن الحديث إذا ما توافرت لها نوافذ تدريبية تدخلها إلى معترك المال والأعمال وتجمعها بأكاديمية عصرية تندمج مع سوق العمل الحالي، فهنالك نماذج برزت من تلك الشريحة وشكلت أعمدة أساسية في فلك «سيدات الأعمال الخليجيات».
وفي كثير من الندوات والمؤتمرات التي تشارك بها المرأة السعودية تعرج بدورها إلى حقيقة وجود شريحة واسعة متعلمة ومثقفة بيد أنها لم تدخل بعد معترك الحياة العملية وهذا ما يترجم ان المرأة السعودية مازالت تحتاج إلى تدريب وجهد ولا تستطيع مسك دفة القيادة بشكل يرقى إلى المفهوم «العام» في أخذ المبادرة.
وخلال الندوة قدمت سيدة الأعمال السعودية سمراء القويز ورقة عمل بهذا الشأن حيث أوضحت ان المرأة السعودية اخترقت خلال الفترة الأخيرة ميادين كثيرة وعملت في مجالات كانت حكراً على الرجل لفترة طويلة واستطاعت كسر الحواجز الاجتماعية التي كانت تقف أمام طموحها.
وقامت هيئة الاستثمار السعودية بعمل دراسة عن معوقات الاستثمار خلصت إلى وجود قوانين تحد من استثمار المرأة في قطاعات معينة مثل القيود المفروضة على ممارسة المرأة لنشاطات المقاولات المعمارية والصيانة والتشغيل ومنع تسجيل سيارات الأجرة للنساء،
كما أشارت إلى التباطؤ في انجاز المعاملات في المكاتب الحكومية، وعدم وجود منطقة صناعية نسائية، وندرة ونقص العمالة المحلية المدربة، إضافة إلى صعوبة تطوير وتدريب العمالة النسائية، وعدم تمكن سيدة الأعمال مقابلة الوفود التجارية الأجنبية، والفقر في توفير البيانات، صعوبة الحصول على تأشيرات الدخول للعمالة لاسيما العمالة الرجالية.
وأوضحت الدراسة أيضا بعض المعوقات الثانوية منها: وجود عادات وتقاليد اجتماعية لا تشجع على دخول المرأة المعترك العملي، عدم قدرة المرأة على مراجعة أعمالها بنفسها، وعدم قيام البنوك بتهيئة فرص القروض الجيدة للمستثمرات السعوديات، وانخفاض مستوى الوعي بالتطورات الحديثة التي تستجد في مجال إدارة المشروعات الاستثمارية، وصعوبة التعامل مع المرأة مع المؤسسات، وعدم التعرف على الفرص الاستثمارية الجيدة، والجهل بالأساليب الحديثة في إدارة المشاريع.
وأوضح البنك الإسلامي للتنمية رأيه في إتاحة الفرص التمويلية للقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة حيث أشار إلى أن أغلب الأنشطة التي تقوم بها المرأة تدخل ضمن تلك المؤسسات، لذلك أولى البنك اهتماماً في هذا المجال وأبرز أهمية المرأة العاملة والمنتجة داخل المجتمع،
وأفاد في تقريره حول هذا الموضوع ان في بعض الدول الإسلامية وخاصة شمال إفريقيا تلعب المرأة دوراً أكبر في الحياة الاقتصادية من البعض الآخر، وفي المقابل أشار التقرير إلى أن المرأة ظلت تلعب دوراً اقتصادياً مهماً على مستوى الأسرة والمجتمع الحالي، وبين بدوره انه عندما يتم الحديث عن مجالات عمل المرأة فالمقصود في ذلك العمل الاقتصادي المنظم الذي يتقاضى عنه أجرا أو العمل الذي تؤسسه كمنظم وصاحب عمل.
وقامت مجموعة من الخبراء بالعمل بوضع رؤية مستقبلية للبنك الإسلامي للتنمية ليقوم بالإسهام بتنمية الدول الأعضاء فيه وكان من أهم المحاور التي أدرجت في هذه الرؤية تفعيل دور المرأة وتنميته من خلال أطر وآليات قابلة للتنفيذ، حيث احتوت الرؤية على آليات لتنمية المرأة في التعليم والعمل وفي جميع المجالات بما فيها السياسية،
وقد أبرزت هذه الرؤية وجوب: التعاون مع حكومات الدول الأعضاء لعقد لقاءات ومؤتمرات تعريفية لتفعيل قضايا المرأة التعليمية والعملية والسياسية، وتقديم الدعم لمجموعات المجتمع المدني المهتمة بتطوير المرأة، وإضافة الى تقديم برامج ميسرة تمويلية تعطي فرصا أكبر للجهات التي تمول المرأة للمشاركة معها، وإتاحة قدر متساو من الفرص للمرأة بشكل مباشر.
وأولى البنك الإسلامي للتنمية أهمية لتمويل قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فضلا عن كون أن عمل المرأة يدخل ضمن هذا المربع، اقتصر هذا النظام بتقرير له يوضح ان المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تساهم بأكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء.
فهذه النسبة تمثل غالبية المؤسسات التجارية القائمة وتمثل أكبر مصدر للتوظيف بنسبة «60 ـ 70%» وبالتالي تعتبر هذه الشريحة مصدراً لتخفيف البطالة وإبراز الجانب الابتكاري والتنموي للمجتمعات. واعتبر «البنك» ان هذه القطاعات الأقرب إلى تلبية حاجيات الأسر والعائلات.
واستعرض الأكاديمي عقيل الجاسم خلال الندوة دور الحكومات الخليجية في الاهتمام في الجانب النسائي، حيث قال: «حكومات دول مجلس التعاون تخطو خطوات مدروسة في هذا الاتجاه منحت المرأة بموجبها المزيد من الحقوق، كما ترتبت عليها المزيد من الحقوق والوجبات لكي تساهم يدا بيد الرجل في تحقيق الطموحات والأهداف التي ترمي إليها دول المنطقة».
وفصل عقيل التطورات في بعض الدول حيث أشار إلى أن حجم مشاركة المرأة في دولة الإمارات في قوة العمل الوطنية قفز من 6 ,9% في عام 1986 إلى 4 ,22% في عام 2004 كما تم تأسيس مجلس لسيدات الاعمال ويصل حجم الاستثمار المادي إلى 5 ,12 مليار درهم، وأضاف:
«تأتي تلك التطورات نظرا لأنها جاءت ضمن أولويات القيادة من هذا المنطلق لاحظنا ان المرأة الإماراتية تبوأت أعلى المناصب والتي من بينها وزارة الاقتصاد والتخطيط، حيث تم منح الحقيبة الوزارية إلى الشيخة لبنى القاسمي، كما دخلت المرأة الإماراتية في عضوية مجالس إدارات الغرف التجارية والصناعية وخير مثال نذكر رجاء عيسى القرق
حيث تتولى إدارة مجموعة القرق التجارية بالإضافة إلى أنها كانت تتولى رئاسة مجلس سيدات الاعمال في الدولة كذلك تعيين مريم محمد الرومي في منصب وزير الشؤون الاجتماعية». أما في البحرين فقد تبوأت المرأة البحرينية عدة مناصب قياسية سواء في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص منذ عام 2000.
من جانبها قالت الأكاديمية د. سلوى الجسار ان المرأة الكويتية تلعب دوراً متميزاً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال إسهامها في مجالات العمل المختلفة، فقد بلغت إعداد الإناث المقيدات في المدارس الحكومية عام 2003 388 ,153 مقارنة بعام 1993.
وبلغ عدد المقيدات في الوظائف الحكومية (عام 2004) 756 ,79 وفي عام 1996 بلغ العدد 243 ,48 وزادت نسبة الآتي يشغلن وظائف قيادية في عام 2005 إلى (54) قيادية، اما عن مشاركة المرأة في القطاعين الحكومي والخاص فيلفت النظر نسبة قوة عمل المرأة الكويتية في القطاع الحكومي 94% من مجموع قوة عمل المرأة، منها نسبة 93% في وزارتي التربية والصحة حيث يصل عدد العاملات إلى 655 ,46 اما مشاركة المرأة في القطاع الخاص فتصل إلى 3087.
وأوضحت ان تقرير برنامج هيكلة القوى العاملة في دولة الكويت يشير الى ان اعداد القوى العاملة الوطنية بالقطاع الخاص وصلت إلى 37% في عام 2005.
وأشارت حسب تقريرBayt.vom 2006 الى انه لا يزال هناك عامل التمييز ما بين الجنسين، حيث يشكل المشكلة الأبرز في عمليات التوظيف مما يؤدي إلى عزوف العديد من النساء إلى عدم الرغبة في العمل داخل القطاع الخاص والتوجه إلى العمل في القطاع الحكومي، لذلك تعتبر فرص عمل المرأة في القطاع الخاص «على مستوى الخليج» مازالت غير مشجعة اقتصادياً واجتماعياً.
واستعرضت د. (الجسار) التحديات التي تواجهها الخريجات للعمل في القطاع الخاص بقولها: رغم ان الدستور الكويتي منح حق العمل لكل كويتي بغض النظر عن جنسه وحرصه على مقدار العمل الذي يريده، كما كفل حرية مزاولة الأنشطة التجارية والمهن الاجتماعية دون قيد من خلال الإجراءات والقوانين المنفذة للدستور إلا ان المرأة مازالت تواجه العديد من التحديات لاسيما الخريجات وأبرزها.
تدني نظرة المجتمع نحو عمل المرأة في القطاع الخاص، وعزوف النساء عن العمل وتفضيل البقاء في المنازل لاعتبارات دينية أو اجتماعية، حيث مازال عمل المرأة يحوطه العديد من المحاذير الاجتماعية. اضافة إلى اعتماد المرأة على الرجل في جميع مناحي حياتها الاقتصادية والاجتماعية، ووجود معوقات إدارية تحول دون وصول المرأة للمناصب القيادية.
أما سيدة الاعمال القطرية فريدة أبو الفتح فقدمت خلال الندوة رؤيتها حول وضع المرأة القطرية، وقالت ان الفرص المتاحة للعنصر النسائي في دولة قطر تمثل نقلة كبيرة قد تبدو للوهلة الأولى أنها طفرة وقفزة، ولكن المتأمل بروية يجد أنها ليست كذلك، وان المرأة القطرية عندما فتحت لها الأبواب لم يصبها الذهول والخوف من الولوج، لأنها في الغالب كانت دوما على استعداد من الناحية العلمية والثقافية وكل ما قد تحتاجه هو صقل الخبرة العملية وتطويع الفكر الاجتماعي.
وعلى مستوى التعليم العام ومنذ ثلاث سنوات طرحت الدولة مبادرة تمثلت في «تعليم لمرحلة جديدة» تكاد تسير إلى الإمام، وهي تجربة ان كتب لها كل أسباب النجاح بما تجده من دعم ومؤازرة من الحكومة ستكون تجربة خلاقة.
وأفادت ان المرأة الخليجية لها إسهاماتها في عالم المال والاعمال وان كان ذلك وفق ما أملته عليها الخصوصية والأعراف، فلديها أداة ملحوظة في مجال التجارة في قطر تتمثل في مساهمتها برؤوس أموال في كثير من المشروعات الاقتصادية والتجارية وإدارة المحافظ الاستثمارية في سوق الدوحة للأوراق المالية،
ويتمثل أيضاً نشاط المرأة الملحوظ من خلال منتدى سيدات اعمال قطر والذي تم إنشاؤه كلجنة من لجان غرفة التجارة والصناعة بهدف تشجيع دور المرأة أو سيدة الاعمال القطرية للقيام بدورها كعنصر أساسي في القطاع الخاص وتمكينها من ممارسة الأنشطة الاقتصادية التي تعود بالنفع على القطاع النسائي وبالتالي المشاركة في دفع عجلة التنمية للاقتصاد القطري الذي يشهد تناميا ملحوظا. وأضافت «لا يغيب عن البال دور الفتاة القطرية في شغل مناصب قيادية وفي دواوين مختلفة في الدولة.
ونجد المرأة القطرية اليوم شريكاً في مقاعد الكليات العلمية كحاملة للشهادات العلمية الرفيعة ومديرة لجامعة قطر وهي مصرفية مرموقة وطالبة علم في غالبية الجامعات العالمية ومعلمة ومهندسة، وسيدة أعمار ناجحة، أما التحديات فهي مستمرة ولا يمكننا إبرازها فهي تنحصر بالوصايا العائلية وعدم توافر بيئة عمل مناسبة في بعض القطاعات والمؤسسات، فيما تباين التكافؤ بينها وبين الرجل جلي الأمر الذي يبقيها وراء القيادة الأمر الذي لا يسمح لها ذلك بفرص عملية مناسبة.
الكويت ـ «مشهد البيان»:

