عبر 35 عاماً من احتراف الشعر والصحافة، كتبت مريم شقير أبو جودة تاريخها متنقلة بين إدارة تحرير أكثر من مجلة ودورية عربية، آخرها مجلة «إنفينتي»، بينما قامت بإعداد برنامج «دمعة وابتسامة في حياتي» الذي يبث على قناة «إنفينتي » الفضائية. «البيان» التقت الأديبة اللبنانية التي توزع وقتها بين بيروت وأبوظبي، وسألتها حول مسيرتها الإعلامية وتجربتها الشعرية في الحوار التالي :
ـ بعد عملك الطويل مع وسائل الإعلام، هل تعتقدين أن الإعلام العربي مهما اختلفت وسائله يعبر عن الواقع، وما الذي يحتاجه إعلامنا المعاصر ؟
ـ ليس من الضرورة أن يكون الإعلام مرآة عن الواقع، فالمرايا مجرد ناقل أخرس للحدث والصورة والخبر، المرايا امتداد لصورة القباحة وصورة الجمال في آن، وإعلامنا الى حد كبير يقارب المرايا، وأحيانا يخونها، ليذهب الافتراء على واقع الحال، بتقديم صور غير حقيقية عن الحياة والناس والأزمنة.
المرئي اليوم يحصد ثمار ما غرسته الأقلام والعقول ورواه الحبر في حقول التجربة الإنسانية، المرئي يسيطر متناسياً دور المكتوب الرئيسي حتى في استمراره كصورة، فالصورة بلا حبر وعقل مجرد هلام وخداع وهشاشة وخداع بصر.
وإذا تحدثت عن الإعلام عموما، أظنني لا أحيد عن الحقيقة، حين أقول بتبعية هذا الإعلام العربي لتجارب الإعلام في دول الغرب من أساليب ورؤية، وأحيانا توجيهات مما يجعل جزءاً كبيراً من إعلامنا مجرد تابع، لسانه أعجمي وغريب ومتواطئ أيضا، ما يحتاجه إعلامنا المعاصر لكي يستقيم، هو أن يؤمن أولاً بهويته العربية، وأن يؤمن بدوره ويحدد الهدف والطريق.
ـ هل حدت تجربتك الإعلامية من إنتاجك الشعري الذي بلغ لغاية اليوم 15 مجموعة شعرية، وهل استوعب الشعر كل ما تريدين التعبير عنه، وما جديدك الآن ؟
ـ ما ميزني منذ البدايات أنني تعاملت مع الحياة كلها من خلال القصيدة، فالحياة قصيدة بحد ذاتها، قصيدة ألم وقصيدة فرح، وأحلام نادرا ما، ولأنني لا أتقن سوى الكتابة، واحتاج إلى الاستمرار ككائن بشري في أزمنة صعبة، أعتاش من كتابتي، القصيدة لا تطعم الخبز، هذا مصطلح يصح على كل الشعراء ونتاجهم منذ شعراء البلاط ولغاية اليوم، والشعر في أزمنة الاستهلاك تحول إلى ما يشبه الترف ومع ذلك سعيت إلى تحقيق التوازن بين الكتابة الإعلامية الصحافية، وبين كتابة القصيدة والنص الأدبي.
وأكتب في الصحافة لأشتري بثمن ما أكتب الخبز والماء والملبس والحياة المتوسطة، وأكتب الأدب لأشتري فرحي، والابتسامة في عيون قراء ومحبين لطالما شعروا بنصوصي وقصائدي صدى طيباً لأوراقهم ومشاعرهم.
منتهى إحساسي بالطمأنينة، حين أنصهر في ورقة بيضاء أدون فوق شفافيتها نبضي وروحي، ومنتهى إحساسي بالرضا، حين أدرك أن كل موضوعات العدد الجديد من المجلة التي أرأس تحريرها وصل المطبعة، وأن الأمور كلها بخير.
ـ هل صحيح ماقلته إنك «مارست الكتابة حتى الإفلاس ولم تتراجعي» وهل يمكن أن يعي الكاتب إنه وصل إلى الإفلاس، أم كان المقصود إفلاسا آخر من خلال دار ميريم للنشر والتوزيع التي أسستها قبل سنوات طويلة؟
ـ إذا كنت ترمين إلى الإفلاس المادي من جراء الكتابة، فأنا وصلته منذ زمن بعيد، أما الإفلاس في الكتابة، فهذا لا أصل إليه أبدا، لأن شمس كل نهار جديد تعطيني دافعا لأتابع وبشكل مختلف، فالحياة زوادة لا حدود لها، تمنح الكاتب كل لحظة المحرض على أن يكتب الجديد والمختلف.
وبالنسبة للدار كنت وقتها ثرية بالرضا الذي في عيون من نشرت كتبهم، قدمت للمكتبة العربية أكثر من ستين عنوانا، وحاولت إنصاف الشعراء، يوم وجدت أن دور النشر لا تغامر بالوقوف إلى جانبهم، وأعترف إنني لغاية اليوم أسدد ديون المطابع، ومع ذلك أنا في غاية السعادة لأني ساهمت في تقديم شعراء كانوا في بداياتهم، وصاروا اليوم نجوماً في مجال الشعر والأدب والإعلام كذلك.
ـ في برنامج «دمعة وابتسامة في حياتي» الذي سيبث على قناة «إنفينتي» الفضائية والذي قمت بإعداده، حاورتم من خلاله العديد من أقارب الشعراء والأدباء الراحلين في الوطن العربي، برأيك إلى أي مدى يساهم هذا البرنامج في انتشار الأديب الراحل بين الأجيال الناشئة، وهل تفكرين ببرامج للمبدعين في الشعر والرسم وسواها من إبداعات؟
ـ أي عمل جديد يتقصد تكريم الذين أعطوا من إبداعهم حياتنا وأجيالنا الكثير، هو عمل مهم، ويساعدنا ليس فقط على تعريف الناشئة بالمبدعين الكبار بل على تصويب أدبنا وفنوننا الحديثة، حين نقدم للجيل الجديد مادة قيمة سيجد نفسه مجبرا على مقارنتها بما يقدمه إليه عصره الحديث.
نحن صورنا حلقات عن جبران خليل جبران، ونزار قباني، وعبد الرحمن الأبنودي وعن فنانين كبار أيضا، هؤلاء ليسوا من الحاضرين الدائمين في وسائل الإعلام الحديثة، وبتسليطنا الضوء على سيرتهم ونتاجهم المهم، أضفنا إلى الذاكرة المعاصرة شحنات من بريق وسطوع، كان لابد من إضافتها ليصار إلى المقارنة، وإلى الاهتمام وإلى التثقيف في آن.
ولدي أفكار لا تحصى لبرامج تختص بالثقافة والإبداع، برامج من الوزن الثقيل والجاد، ونبحثها حاليا مع «إنفينتي» ومحطات أخرى، وأتمنى أن ترى هذه الأفكار النور، لأنها ستشكل إضافة جديدة إلى الإعلام المرئي العربي، وإن كان تنفيذها وإنتاجها يحتاج إلى مغامرين.
ـ غنى عاصي الحلاني من كلماتك، هل تعتقدين أن القصيدة تذهب إلى مناطق أخرى بعد تلحينها وغنائها ومن يضيف للآخر الشاعر أم المغني؟
ـ القصيدة بمجرد نشرها أو خروجها تجتاز المسافات والحدود والتضاريس، وحين تخضع للحن والغناء ترتدي قميصا آخر، وكلاهما الشاعر والمغني يضيف للآخر لكن القصيدة هي الأسبق، الحامل الذي يوصل الصوت، وليس العكس أبدا.
ـ هناك تكريس ثقافة عامة تجتاح المجتمعات ربما تتلخص في ثقافة الصورة، وبتقزيم المرأة من خلال ما نراه من وجوه متشابهة على أغلفة المجلات وشاشات التلفزة، هل تعتقدين أن عصر الإعلام هذا هو من حد وسطح تجربة المرأة، هل تعتقدين أن عصر الإعلام هو من سطح تجربة المرأة وحصرها في إطار واحد؟
ـ هناك تكريس لهذه الثقافة، الصورة الفارغة من المحتوى، وأي صورة أجمل من المرأة لتحويلها إلى سلعة تجارية تخدم السادة المعلنين عن كل منتجاتهم التي حولت الحياة جميعها إلى طقوس استهلاك رهيب.
بعض الإعلام ساهم في عملية التسليع، لكن بالمقابل هناك إعلام آخر يحاول تصويب الأمور، والحياة بسلبياتها، وإيجابياتها تستمر، والمهم ألا نخسر إنسانيتنا.
ـ حاورت واطلعت على أسرار المشاهير، هل تفكرين ذات يوم في إصدار كتاب يجمع ما لم تنشريه على صفحات المجلات ؟
ـ في ذاكرتي مراحل أوطان وأزمنة، وتفاصيل عن حياة كثيرين وأسرار لا يعرفها أحد، هناك أسرار ستبقى طي الكتمان، وأخرى نشرها لا يسئ إلى أحد، وهذه ستكون في كتاب حياتي الذي أكتبه منذ سنوات، ولا أعرف متى ينتهي.
حوار : عبير يونس
