تتطور الدراما التلفزيونية والحركة السينمائية بشكل مطرد أو على الدوام نحو الأحسن. مع أن نسبة كبيرة من مجموعة قليلة من المخرجين تتحلى أعمالهم بمستوى فني مرتفع، ومنهم من استطاع بفيلم واحد أو اثنين أن يضع اسمه على لائحة أسماء كبار صانعي الفن السابع في العالم العربي والأجنبي على حد سواء، مثل: أسامة محمد في عمله «نجوم النهار»، ومحمد ملص في «الليل»، وإلى جانبهما مخرج مميز هو عبداللطيف عبد الحميد الذي عرضت له مؤسسة العويس منذ فترة الفيلم البديع «نسيم الروح»، بينما عرض له الليلة قبل الماضية في صالة «قناة القصباء» في الشارقة فيلمه المؤثر «ما يطلبه المستمعون».

في فيلم «مايطلبه المستمعون» يتجاور الضحك والقهر، والحياة يقابلها الموت، ويحط الجنون على حافة الفرح، بينما تتولد عظمة الشعر من عفوية غير متعمدة، فالتجاور بين متناقضات يشكل فحوى سينما عبداللطيف عبدالحميد الذي يحبك سرديته في فضاءات الكوميديا الواسعة، من دون حشرها بلون نوعي، أسود أو «لايت».

وإلى ما هنالك من تسميات، فيراها المشاهد تارة «كاريكاتورية» مضخمة بلمسات الواقعية السحرية، وتارة أخرى تنقلب إلى غصة واقعية قاتمة، لا يمكن الفرار منها إلا بالخاتمة، التي يعوّل عليها كثيراً هذا المخرج، بإصرار أكاديمي على أهمية الشغل على القفلة بعد التراكم الرقيق للأحداث الدرامية.

يروي فيلم «ما يطلبه المستمعون» أحداثاً في قرية نائية في الجبال الممتدة على الساحل السوري، حيث التخلف الاقتصادي والبداءة، يتمسكان ببعضهما بعضاً.

وبينهما بشر لا يكترثون للصخب الدائر على هذه البسيطة فهم يمتلكون عالمهم الخاص، وحياة شبه فطرية، صلتهم الوحيدة، بالعالم الخارجي تأتي من «الراديو»، ومن خلال البرنامج الإذاعي «ما يطلبه المستمعون»، الذي اختاره المخرج عبداللطيف عبدالحميد ليكون عنواناً لفيلمه.

كل يوم ثلاثاء صباحاً يتجمع بعض النسوة والرجال والمراهقين امام منزل عائلة «أبو جمال» الشخص الكريم والطيب، ويستمعون معاً إلى الأغنيات والموسيقى، على أمل ان تصل رسائل الإهداء وان تذكر أسماؤهم بعضهم يحصل على ما يريد، وبعضهم ينتظر كثيراً، خاصة ذلك الفلاح العامل في حقل يمتلكه إقطاعي قاسٍ الذي يقع في غرام الخادمة وتسرق له بالكاد رغيف خبز يسد رمقه. إلا أنها ترفض ان تتزوجه قبل إذاعة اسمه والأغنية الإهداء في البرنامج المذكور.

«جمال» الابن البكر للعائلة يقع في غرام ابنة الجيران التي تزوده بطاقة تطلق مواهبه في التمثيل الاراجوزي والرقص والغناء أمام رجل أخرس تؤويه عائلة جمال، كبيت يتسع لأي منبوذ في القرية.

فبالإضافة إلى «الأخرس» يلتحق بكنف العائلة الفلاح الذي ما إن حقق حلمه بتقديم أغنيته يطرد من عمله على الفور، لتلحق به الخادمة «وظيفة»، وتتزوجه، بعد أن حاول العامل الجديد لدى الإقطاعي الاعتداء عليها.

لكن العاشق المبتهج يستدعى إلى خدمة العلم، ويصارح قائده العسكري بحبه الكبير، فيحترم الآخر صدقه وجرأته، فيتركه يستمع إلى أغنيات «أم كلثوم»، ويمنحه ساعات قليلة في لحظات عسكرية حرجة، بأن يزور قريته، إلى أن تشتعل الحرب بين سوريا وإسرائيل، ويستشهد جمال على مدفعه، في مشهد شعري بلا دماء، صنعه عبدالحميد بلغة بصرية شفافة، كأن تمر الجنازة في نهاية الفيلم، كطيف على إيقاع أغنية فيروز «جايبلي سلام».

في هذا الفيلم يظهر فايز قزق ممثلاً من طراز رفيع، ويستحق أن يكون اسمه بين أسماء أفضل الممثلين العرب، من خلال أدائه دور الأخرس أو مجنون القرية التقليدي الحاضر دوماً في أكثر القرى في العالم الثالث، مستخدماً حالات تعبيرية تلامس حد التضخم لكنها لا تدخل إليه. أحياناً تبدو شخصية أراجوزية وأحياناً أخرى لا.

بهذا المعنى يقفز فايز قزق بين مستويات ويقيم علاقات مشدودة بينها. فالشجاعة والصدق والتزمت الأخلاقي والخجل تشكل معاً روحية هذا الكاريكاتير الذي عرف الممثل أن يجسد كل تناقضاته، من دون أن يترك حالة التطرف الطبيعية مع شخصية كهذه أن تتمادى في تصاعدها البراني والمجاني فأمسك بالدور وبحجمه الطويل، كونه بطل الفيلم من بطلين، الثاني جمال العاشق الشهيد.

فالممثل فايز قزق يشكل مع الممثلين بسام كوسا وغسان مسعود أهم ثلاثة ممثلين لمعوا في تنوع أدائي بين المسرح والتلفزيون والسينما، بالطبع لا يمكن تناسي أسماء كبيرة لها طابعها الخاص على مساحة السينما والدراما السورية هما: القدير خالد تاجا والمخضرم عبد الرحمن آل رشي.

ويتشكل التوازن اللوني في كوادر عبد اللطيف عبد الحميد من توليفة مشغولة بعناصر الضوء الحقيقي والفعلي، إلى جانب المزج مع المصاحبات التقنية لتصنيع الضوء والظل. لكن هذه التوليفة مستخدمة بشكل تلقائي لا يتوخى المخرج من خلالها الإبهار البصري، بقدر ما يريدها تؤلف ذاتها في كادر يؤلفه على الدوام أمام المشاهد.

والمخرج في ذلك يعطي للسينما مجالها الأصلي في الإمساك بالزمن المطلق والتعبير عنه، ومن ثم ينفلت المكان على معان شاملة أوسع بكثير من محدودية حجم الكادر أو من مساحة الجغرافيا لأي مكان، والجميل في سينما هذا المخرج، قدرته على تضمين صوره لمسات من شعر يلمع كنصل، ويفوح كعطر يتسلل إلى تذوق المتلقي عنوة ولا يمكن ردعه.

فمشاهد هذا الفيلم وغيره من أعمال عبداللطيف عبد الحميد لابد وأن يصاب بانتشاء لتلقيه وجبة إبداعية تضعه أمام الماضي والحاضر، أي على الزمن المفتوح غير المحدود كما أسلفت، وهذه بحد ذاتها قضية السينما بمعانيها الأساسية والعميقة.

والتي اثبت من خلال هذا المخرج الفذ بأنه كلما تريد ان تنتشر «عالمياً» فما عليك إلا التوجه نحو مسقط الرأس أكثر. فهذه صورنا التي يقدمها عبدالحميد كمرآة فيها الواقع والتعبير، وما حدث وما يمكن أن يحدث في وعاء واحد اسمه الإبداع الذي لا يمكن أن يكون إلا الرقم واحد.

دبي ـ حسين قطايا