منذ بعض الوقت، كنت في باريس متوجّهة إلى متجر أسطوانات. وفي طريقي، توقّفت لبضع لحظات أتحدّث إلى متشردّة في الشارع، وهي غالباً ما تجلس هناك. فجلسْتُ إلى جانبها على الرصيف، وراحت تحدّثني عن الناس الذين تشاهدهم، وكيف أنّ بعضهم محسِن والآخر لا. هي امرأة عانت أمراً صعباً من قبل- وأمكنني تحسّس ذلك فيها،
فجلسْنا نتحدّث عن مصابِها. وإذا بها فجأة تضع يدها على يدي وتضغط بثلاث أصابع على ظهر يدي، لترفعَها لبضع لحظات بدون أن تتفوّه بكلمة، وتبعِد بعدئذٍ يدها على مهل. خلال تلك اللحظات، شعرت بالإنسانيّة تتغلغل في نفسي وتتوسّع.
فوجودي كإنسان، إنسانيّتي، كان أوسع في تلك اللحظة عندما راحت أصابعُها الثلاث تغوص في يدي. وفي تلك اللحظات القليلة من الاتّصال الصامت، وجدتُني أكثر ممّا أنا عليه عادة: وجدتُني إنساناً أكثر.
وبالطبع، لم يدم شعوري ذلك طويلاً. فما إنْ تركتُها لأذهب في طريقي، حتّى راحت إنسانيّتي تتلاشى من جديد. دخلْتُ المتجر. وبعد دقائق قليلة، اشتريتُ أسطوانةً وتوجّهتُ إلى المكتب الأماميّ لأدفع ثمنها. فأخذ الموظّف بطاقة اعتمادي. لم يكن شيء ممّا قمتْ به خارجاً عن المألوف، ولكنّه كان آليّا بدون تفكير. وإذا بإنسانيّتي تتقلّص على مهل، شيئاً فشيئاً، فيما كنت أقوم بالحركات الاعتياديّة لأدفع بتلك البطاقة.
ولكن ما يسبّب توسّع إنسانيّتي وتقلّصها ليست الحالات الإنسانيّة فحسب، بل هو كلّ ما يحيط بي، حتّى إنّ التفاصيل الهندسيّة تسبّب لي ذلك. فهي، إمّا تدعمني أو تنكرني، بدرجات مختلفة. فقد يكون لِدَرَبْزين حديديّ عاديّ أثر إيجابيّ جدًّا.
وهو ليس بشيء كبير، ولكن عندما أنظر إليه، وإذ أدرك أنّني معه، أشعر بأنّني إنسان، أشعر بأنّ لي قيمةً أكبر بقليل، وإنْ كان شعوري ذلك خفيفاً خفيفاً. أو في مناسبات أخرى، فقد أنظر إلى الثرموستات على الحائط فإذا بشعور معاكس يجتاحني: فالثرموستات بحدّ ذاته ـــ العلبة ــــ ليس بشعاً بل هو عاديّ.
ولكن عندما أتأمّله، وأتأمّل الحال التي أصبحُ فيها نتيجة وجودي مع ذلك الشيء في تلك العلبة، أشعر بأنّني إنسان أقلّ، وأنّ إنسانيّتي تتشتّت منّي من جديد، وإنْ كان شعوري ذلك خفيفاً خفيفاً.
وهذه الأشياء تحدث في كلّ منّا في كلّ الأوقات.وفي مدينتنا العربيّة اليوم، يكمن الخطر الآخذ في التوسّع في ذلك الشعور بأنّ إنسانيّتنا تتدنّى.
فمعظم الناس يشعر بأنّ إنسانيّته تتدنّى عندما يواجه أيّ مبانٍ سكنيّة جديدة أمامه. واليوم، فإنّ تلك المباني بأغلبيّتها لا تتناغم مع الجوار، أو لا تناسبه. فهي كبيرة جدًّا، مرتفعة جدًّا، وغير مريحة، حتّى إنّ معظم المشاريع فيه ما يعيبُه.
أمّا بداية هذا المقال الحسّاسة فتدعونا إلى الإدراك أنّ مراقبة الحالة الداخليّة لامرئ قد تعطينا معلومات موضوعيّة يمكن الاعتماد عليها بشأن الميزة الحيّة أو غير الحيّة الموضوعيّة لنظام ما في العالم خارج ذلك المرء، فهي تُظهر أنّ الاعتبارات النفسيّة لا بدّ من يكون لها تأثير على تقييم الهندسة.
ففي بناء أيّ مشاريع سكنيّة جديدة، لا يكفي أن تقوم دراسة السوق على ما هو كلاسيكيّ: »غرفة نوم، أو اثنتان أو ثلاث«، لا يكفي أن تقوم أيّ دراسة على وسائل قياس مستقرّة فيما لا تكون مدركاً أنّك عندما تقوم بذلك إنّما تقوم بقياس حياتنا.
في بناء أيّ مشاريع سكنيّة جديدة، نسألك أن تسجّل شعورك الداخليّ، كليّتك الداخليّة، وإن بدتْ هذه التقنيّة جديدةً لمطوّري العقارات العصريّين، فهي لم تكن بغير مألوفة عند الشعوب القديمة. فقد أشار »كونفوشيوس« إلى أنّ الحاكم لا يكون فعّالاً إلاّ متى استطاع الإصغاء إلى قلبه. ويُقال إنّ »سقراط« أعطى النصيحة ذاتها.
يُقال إنّ ما كُتِب أعلاه ما هو حقّا إلاّ أسلوب غير مباشر لمعالجة الواقع الضمنيّ بأنّه ينبغي بكلّ مطوّري العقارات، قبل المباشرة ببناء أيّ مشاريع سكنيّة جديدة، أن يضيفوا إلى فريقهم: علماء في الأنثروبولوجيا، علماء نفس وعلماء اجتماع.
Zena@arabianconcept.com