منذ بداية مساره المهنيّ في تحقيق الأفلام السينمائية، قبل نحو عشرة أعوام، أنجز المخرج السينمائي اللبناني هاني طمبا أفلاماً روائية قصيرة، ونفّذ أشرطة إعلانية و«فيديو كليب». ففي العام 1997، حقّق فيلماً وثائقياً بعنوان «بيروت.. حلاّقو هذه المدينة» (1997)، قبل أن ينصرف إلى الفيلم القصير، بادئاً بـ «مبروك مجدّداً» (1999)، ثم «بيروت..
بعد الحلاقة» (2005)، الذي فاز عنه بجائزة «سيزار» (المُعادل الفرنسي لجوائز «أوسكار» في هوليوود) في فئة أفضل فيلم روائي قصير في الدورة الأخيرة (فبراير 2006)، وجائزة الصقر الفضّي للفيلم الروائي القصير في الدورة السادسة (يونيو 2006) لـ «مهرجان الفيلم العربي في روتردام».
في فيلمه الوثائقي الوحيد لغاية اليوم، «بيروت..حلاّقو المدينة»، غاص هاني طمبا في تشعّبات الحالة الاجتماعية لبيروت، من خلال الحلاّقين الذين يرتبطون بالحيّز الجغرافي وفضائه الإنساني بروابط متينة، والذين يستطيعون تقديم صُوَر حيّة عن واقعها وناسها وتفاصيلها الحميمة.
وفي «مبروك مجدّداً»، رسم صورة عن حالة اجتماعية متعلّقة بالزواج، على خلفية الحرب اللبنانية، التي لا تظهر مباشرة، بل تبقى مبطّنة في ثنايا الحبكة الدرامية: زوجان اقترنا معاً في أحد أيام الحرب، من دون أن يتسنّى لهما التقاط صُوَر فوتوغرافية عن حفلة الزواج، أو ربما أضاعاها في خلال هذه الحرب وخرابها.
لكن، بسبب إلحاح والدة العروس، يُقرّر الزوجان استعادة تلك اللحظات الحميمة والجميلة، ولو بعد مرور أعوام طويلة، فيرتديان ملابس العرس، ويزيّنان السيارة بما يليق بالمناسبة، ويعيدان تقديم الطقوس كلّها الخاصّة بالزواج، كي يتسنّى لهما التقاط الصورة المطلوبة. لا يخلو الفيلم من نَفَس كوميدي هاديء، ونقد مبطّن لعادات اجتماعية، وتصوير حسّي لحالات إنسانية.
أما «بيروت، بعد الحلاقة»، فلا يختلف كثيراً عن فيلمه السابق هذا، إذ إنهما يتشابهان بتعمّقهما البصري الجميل والهاديء والمؤثّر في تفاصيل اجتماعية وإنسانية، ويسعيان إلى قراءة شيء من تداعيات الحرب اللبنانية بشكل موارب، ويلتقطان نبض مجتمع وأناس محبطين ومسحوقين وقلقين، وإن مال الأول «مبروك مجدّداً» إلى الكوميديا المبسّطة، وظلّ الثاني «بيروت، بعد الحلاقة» في إطار درامي بحت.
يروي «بيروت بعد الحلاقة» حكاية رجل (رفيق علي أحمد) اعتزل الحياة كلّها بعد وفاة زوجته (جوليا قصّار)، فقرّر البقاء في منزله الفخم، لا يغادره ولا يستقبل فيه أحداً، باستثناء الخادمة والحلاّق (محمود مبسوط) الذي يلعب دوراً في فتح نافذة ما له على العالم الخارجي.
بين تداعيات الحرب وعزلة الفرد وطيف المرأة الذي يحاصره من كل حدب وصوب، تدور أحداث هذا الفيلم، في مناخ عابق بقوة اللحظة الآنيّة في صنع معجزة البقاء للرجل المُصاب بألف خيبة وانكسار، وفي سرد جماليّ ينفتح على الذات وعوالمها الصغيرة والهامشية، كي يعيد بناء تفاصيلها ومآزقها ورغباتها المسحوقة تحت وطأة العزلة والخيبة والوجع.
في العام 1997، حقّق هاني طمبا «بيروت، حلاّقو هذه المدينة» (15 دقيقة): «لم يطلبه أحدٌ مني. أي إنني أنجزته بمبادرة شخصية من قِبلي. فيما بعد، لعبت الصدفة دوراً في هذا الإطار، إذ شاهده منتجٌ فرنسي فأعجب به وطلب مني توزيعه. شارك في عدد من المهرجانات، قبل أن تشتريه المحطّة التلفزيونية الفرنسية «كانال بلوس».
كل ما في الأمر، أني رغبت في تصوير الحلاّقين الذين أسروني بحضورهم المختلف. جميعهم عجائز، ومحلاّتهم تنضح بعبق الماضي، أو بنوع من الحنين إلى مرحلة قديمة. أحد هؤلاء الحلاّقين أوحى إليّ بشخصية الحلاّق في «بيروت، بعد الحلاقة». في الفترة نفسها، أي في مرحلة العمل على هذا الفيلم الوثائقي، الذي فتح أمامي أبواباً كثيرة، كتبت سيناريو «مبروك مجدّداً»، الذي قرأه أحد المنتجين وأعجب به، وبحث عن تمويل لإنجازه.
بعد نحو ستة أشهر، صوّرت الفيلم في لبنان، وذلك بإنتاج فرنسي وبمشاركة إنتاجية لبنانية. أنجزت العمليات الفنية في فرنسا، علماً أن الفريق التقني لبناني فرنسي. عُرض الفيلم في محطّات تلفزيونية في فرنسا، وشارك في عدد من المهرجانات، وفاز بجوائز عدّة».
في «بيروت، بعد الحلاقة»، هناك أيضاً ظلّ الحرب ومناخها، من خلال شخصية الأرمل المنعزل في قصره، الذي رفض الخروج إلى العالم، أي الخروج من ماضيه ومن هذه الحرب التي صدف أنها انتهت مع وفاة زوجته».
بدا الفيلمان الروائيان القصيران لهاني طمبا وكأنهما يخلقان أو يخترعان الماضي بطريقة مختلفة: «كيف كنّا نريد هذا الماضي، ولم نعرفه. كيف نتصوّر هذا الماضي، وهو غير موجود أصلاً في حياتنا. عشنا ماضياً تمنّينا مراراً لو أنه كان مختلفاً. هذا ما أردتُ أن أتناوله في أفلامي، وهذا ما حصل».
أضاف طمبا: «في فيلمي الروائي القصير الأول «مبروك مجدّداً»، طالبت الأم بهذا الماضي الذي لم يحصل، إذ إنها أصرّت على التقاط الصورة، لأنها شعرت أن هذه الصورة تؤكّد ماضياً لم يحصل. أو كأنها تقول: «لو أن الصورة موجودة، لحصل الزواج في شروط طبيعية لم تكن متوفرة في تلك الفترة». إنها رغبة في ماض ليس موجوداً ولم يحصل أبداً.
بيروت ـ نديم جرجورة
