عرض على شاشة مسرح مؤسسة العويس الثقافية الليلة قبل الماضية الفيلم السوري «الطحالب» الذي أخرجه ريمون بطرس في العام 1991 وحاز على الجائزة الفضية في مهرجان دمشق السينمائي الدولي في دورته السابعة. كما نال الجائزة ذاتها بعد ثلاث سنوات عن فيلمه «الترحال». وهو يعد من جيل السينمائيين الثاني في سورية، الذين اختاروا لهم خطاً مستقلاً عن تأثيرات السينما الروسية، التي كادت مع بعض مخرجي بلاد الشام أن تكون عربية فقط باللغة المستخدمة.

قصة فيلم «الطحالب» تدور حول صراعات اجتماعية ضمن العائلات والقبائل الواحدة في مدينة حماه السورية، وعلى هامشها معاناة الأفراد في حياتهم المعنوية والمادية في خضم تفكك أسري يدفع بأشقاء وشقيقات لأن يتقاتلوا حول قطعة أرض موروثة، ويقتل أحدهم ثأراً داخل أسوار المحكمة، وآخر يقوم بجريمة «شرف»، وهكذا دواليك في لعبة الحياة، التي يطغى عليها الموت، وكأن الثاني هو النتيجة الطبيعية لفعل الوجود الأول.

وبقدر ما هي تقريرية الحالة التي يقدمها ريمون بطرس، إلا أنه يعتبرها من ضمن نسق طبيعي ليس افتراضياً، بل ينتصب على أرضية واقعية على علاقة مركبة جدلية مع الرموز التي تستخدم بغزارة ومباشرة تارة، ثم تتوارى خلف الحوارات وإيحاءات الشخصيات تارة أخرى. مع أن هذا النوع من الرموز قديم وبال، ولم يعد قادراً على التعبير عن حالات الزمن، كما تفترض الصورة السينمائية.

وغني عن القول إن اللغة البصرية في الفن السابع هي غيرها في فنون أخرى، فقد يصح استخدامها مثلاً في صناعة اللوحة التشكيلية، لكنها تتهاوى داخل الكادر السينمائي، الذي يرتكز أساساً على مضمون واقعي أكثر حرارة من أي ادعاءات نظرية، حول الأبعاد العميقة للمعنى.

وإذا كان المشهد يحتاج إلى تفسيرات الرموز التي تمنح السرد روحيته، فإن الحكاية الأصلية للعمل تضيع حينها في متاهات لا حصر لها، ولعل الميزة الرئيسية للفيلم الروائي، أنه يقدم صيغة الزمن والمكان في قالب واحد، متماسك ويصرح دون أي مواربة عما يريد قوله إضافة إلى أن الرمز في السينما على هذه الشاكلة التي يستخدمها ريمون بطرس لم يعد مقبولاً منذ ستينات القرن الماضي في أعمال السينما العالمية وإنتاجاتها المتنوعة.

وقد يكون ذلك ما أرهق العمل الذي يتصف بالمتوسط على مستويات التقنية والفنيات والمصاحبات الأخرى، من صناعة كوادر ومونتاج دقيق وملفت استطاع عبره المخرج أن يمسك بالكثير من عناصر عمله.

وأفضل ما في الفيلم تلك اللمسات الموسيقية والغنائية المشيرة إلى قوة الحياة لدى هؤلاء البشر الذين يتقاتلون ويتصارعون ويفسدون في الأرض، بالطبع بعض هذه المشاهد تشي بتشوهات النفوس لكنها أيضاً فعل حياة حين يتمسك بها المرء حتى العثور على نافذة نحو مصير أفضل من السوداوية التي سيطرت على أجواء فيلم «الطحالب» بقوة.

لعب دور البطولة في الفيلم أيمن زيدان، الذي استطاع بأدائه المتقن أن يرفع من إرهاصات سيناريو ضعيف. وإلى جانب زيدان جاءت كارمن لبس الممثلة اللبنانية التي نطقت بلكنة سورية مقنعة، وأدت دورها بما يتناسب مع الشخصية عن امرأة مطلقة ومغرمة بصديق طفولة يمنحها الثقة بالذات والحلم في آن.

ولم تكن القديرة منى واصف أقل تألقاً من الاثنين رغم دورها الصغير، وبرع مدير التصوير جورج لطفي الخوري بزوايا لقطاته الطويلة والقصيرة الجيدة الصنعة، التي ترافقت مع مونتاج ذكي قامت به إنطوانيت عازرية صاحبة اللمسة الاحترافية، لفيلم يلزمه بعض التعديلات الضرورية حتى يتسنى له أن يتجاوز حالته المتوسطة.

دبي ـ حسين قطايا