يُعرض حالياً في الصالات المحلية، الفيلم الكندي «أميركان سولدجرز» أو «جنود أميركيون يوم في العراق» وهو من إخراج سيدني فيوري وبطولة كل من: كورتيس مورغين، مايكيل بيليسارو، فيليب باكلاند، مايكيل شالينور، بول ستورينو وتم تصوير معظم مشاهده في «أونتاريو» والجزء الآخر في العراق.

تدور قصة الفيلم حول يومٍ دامٍ تعيشه سرية عسكرية أميركية بعد وقوعها في مصيدة المسلحين في العراق في شهر أبريل من عام 2004م، الذي يعتبر لغاية الآن الشهر الأكثر دموية للقوات الأميركية من حيث عدد القتلى، حين يحاصرون في منطقة زراعية، وتتم ملاحقتهم إلى أن يقتل معظمهم.

وبينما تتنقل هذه السرية داخل الأراضي العراقية في محاولة لتخليص نفسها من الموت، بعد انقطاع اتصالاتها مع مقر قيادتها، يتعرض أفرادها لامتحان أخلاقي بعد اكتشافهم لصنوف مختلفة من التعذيب تمارس بحق المعتقلين العراقيين في أحد سجون الاحتلال.

ـ في إشارة إلى حالات التعذيب التي تعرض لها المعتقلون في سجن أبوغريب- مما يحتم عليهم الوقوف بوجه ضباط «المخابرات الأميركية- CIA» الذين يديرون هذا المعتقل، وإنقاذ المعتقلين من التعذيب والفرار بهم بعيداً إلى قاعدتهم، وتنتهي أحداث الفيلم بنهاية ذلك اليوم الدامي.

قبل الخوض في تفاصيل الفيلم الفنية والدرامية، يجدر بنا القول ان مخرج الفيلم الكندي «سيدني فيوري» متهم من قبل أوساط فنية عربية بتشويهه لصورة العرب والمسلمين، وبعد عودتنا لرصيد هذا المخرج المغمور في السينما، وجدنا بعض الإشارات إلى ذلك من خلال فيلمه التافه «النسر الحديدي- Iron Eagle» بأجزائه التي نافت على الأربعة.

وتدور أحداثه حول إلقاء سلطة عربية القبض على طيار أميركي سقط على أراضيها، فيخاطر ابن الطيار بالهجوم على تلك الدولة واقتحام أجوائها كي ينقذ والده وينجح في ذلك، في مغامرة يخجل منها حتى «فان دام» أو «آرنولد» في أكثر أدوارهما سطحية وبعداً عن المنطق.

وتتصاعد البطولات السخيفة لأبطال الفيلم في الجزء الثاني حينما يقومون بقصف مفاعل نووي في إحدى البلدان العربية التي تضعها أميركا في محور الشر، ونتيجة لهذه البطولات الخارقة للطبيعة لأبطال «سيدني فيوري»، ارتأت «الدولة العبرية» رعاية سلسلة أفلام «النسر الحديدي» عبر دعمها مادياً بعد وضع اسم «إسرائيل» كراعٍ رئيسي للسلسلة،.

ويبدو أن «الشيكل» الإسرائيلي بات يسيل اللعاب له أكثر من «دولار» أبناء العم سام، ويبدو أيضاً أن ذلك هو ما دفع لاعب «غانا» لرفع علم الدولة العبرية في المونديال المقام حالياً في ألمانيا.

نعود إلى فيلم «الجنود الأمريكان» لسيدني فيوري، ونقول انه كارثة كبرى للسينما العالمية، وضحك على الذقون من الدرجة الأولى، ولكن بعيداً عن نقد العاطفة الذي يعشش في رؤوس المثقفين العرب في قراءتهم لأعمال الغرب عبر نظرية المؤامرة، لأننا حين نقرأ هذا الفيلم نحاول .

وإن كان يشق عليّ ذلك ـ أن نقرأ الفيلم بمعزل عن جروح أرض الرافدين الدامية التي يشترك الجميع في نكأها ـ لا استثني أحداً.. اقتباساً من الشاعر مظفر النوّاب ـ فنبدأ من المشاهد الأولى للفيلم الذي تظهر ساعة التوقيت فيه الساعة السادسة صباحاً بتوقيت العراق، فتنطلق عربات السرية الأميركية في منطقة قريبة من سامراء التي تقع شمالي العاصمة بغداد بحوالي 120 كلم.

وتبدأ رشقات الأسلحة الخفيفة والهاون وقذائف «آر بي جي» تتهاوى على رؤوس الجنود الأميركان من المسلحين، فيحتمون في مستشفى عراقي، ثم تظهر الساعة وقد قاربت السابعة والنصف لنجد المشاهد تتنقل إلى كربلاء ـ لاحظ أن كربلاء تبعد عن بغداد حوالي 140 كلم جنوباً - أي أن المسافة بين موقع الحدث الأول «سامراء».

والثاني «كربلاء» تتجاوز 300 كلم تم قطعها من قبل عربات السرية الأميركية المرتعبة بأقل من ساعة مع التوقف المستمر بسبب الهجمات لأكثر من ساعة، وهذا ما لا تستطيعه سيارة سباق من نوع «فيراري».

يحتمي الجنود الأميركان في كربلاء في مركز للشرط العراقية، وتحيط بهم مجموعة من المقاتلين -الذين يبدو من مظهرهم أنهم تابعون لجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر الذي تظهر صوره في جميع الأمكنة، حتى في سامراء وهذا من عجائب الدنيا، لأن سامراء بينها وبين مجموعة مقتدى ما صنع الحداد- فينهال هؤلاء المقاتلون بالقذائف على المركز.

والأدهى من ذلك أنهم يهاجمونه بسيارة مفخخة، بل ان انتحارياً بحزام ناسف يهجم في البداية على الجنود الأميركان والشرطة العراقية مما يؤدي إلى سقوط عشرات القتلى من المدنيين العراقيين قرب مركز الشرطة.

وهنا يجب أن نشير الى أن المخرج قد خلط بين أسلوب تنظيم «القاعدة» في العراق المعروف بميله إلى التفخيخ والأحزمة الناسفة الانتحارية، وبين أسلوب جيش المهدي المعروف بالمجابهة المباشرة ولم ينقل حتى في أشد لحظات الاحتدام في المعارك مع القوات الأميركية أنه استخدم أسلوب الانتحاريين.

والمضحك في الأمر أن المُشاهد للفيلم -شرط أن يكون عارفاً بالشأن العراقي وجغرافيته ويعرف التنظيمات الموجودة هناك- سيصاب بالدهشة وخيبة الأمل في آن معاً، حين يرى التوافق والانضواء التام لمجاميع المسلحين تحت لواء مقتدى الصدر.

حيث تظهر صوره - كما ذكرنا- في جميع أرجاء العراق، حيث تجد شكل ملابس مسلحي «القاعدة» و«جيش المهدي» و«مجاميع أنصار السنة» في المنطقة الغربية كلهم في مكان وزمان واحد، وهو العجيبة الثامنة في الدنيا.

من الأخطاء المخزية في إنتاج الفيلم هي لهجة المسلحين العراقيين الشامية الواضحة، فتسمع هذا المسلح ينادي «يا زلمة» وهي مفردة شامية وفلسطينية واضحة ولا ينطق بها في العراق مطلقاً، ومفردات أخرى مثل «أيوه هيك» «اليوم نرسل الأميركان لجهنم.. بتعطيش الجيم» وغيرها من مهازل الحوار، وكأن الفيلم يتحدث عن احتلال سوريا وليس العراق، ويبدو أن مخرج الفيلم الفاشل «فيوري» لم يجد ممثلاً أو «كومابرساً» عراقياً يشارك معه في الفيلم.

والأغبى من ذلك أنه لم يقم بدبلجة تلك الحوارات أو المفردات إلى اللهجة العراقية التي يعرفها القاصي والداني في العالم العربي، أما طريقة الفيلم بتنفيذ المعارك فهي تصل إلى حد الخرافة، حيث ترتطم قذيفة «آر بي جي» بعربة غير مصفحة دون أن تترك ولو «دخاناً» أو خدشاً.

يظهر الفيلم المبادئ الأخلاقية الراقية التي تصل بجنود السرية الأميركية إلى حد مجابهة ضباط «CIA» لتحرير وإنقاذ المعتقلين العراقيين، وهي محاولة من المخرج لتبييض صورة القوات الأميركية التي تورطت في تعذيب سجناء أبوغريب وغيرها من التصرفات الهمجية التي قامت بها في العراق، كما يظهر الفيلم بعض اللقطات التي تتناسب مع أفلام «سوبرمان» الخيالية ولا ينقل مطلقاً ما يجري على الأرض.

كما أنه يظهر الشرطة الوطنية العراقية بمظهر يشعر المشاهد العربي بعمالة هذه الشرطة للأميركان، وإن كان من كلمة تقال؛ فإن فشل هذا الفيلم ينبع من كونه استخدم مآسي الناس وجراح العراقيين كجسر لطريق النجومية، مثلما هو حال تجار الحروب الذين أنتجوا أفلامهم وقصائدهم وموسيقاهم على حساب مذابح «فلسطين» و«فيتنام» وغيرها من المناطق المنكوبة، وهي أعمال فنية يجب أن يخجل صانعوها من نواياهم التي لا تعدو أن تكون طريقاً للشهرة والثراء على حساب دماء الناس.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري: