بعد التشخيص العلمي والتوضيح الشيق الذي قدمته الدكتورة رفيعة عبيد غباش أثناء استضافتها في برنامج قلم رصاص من خلال فضائية دبي في الأسبوع الماضي، حول أهم المعايير التي اعتمدها تقرير معهد التعليم العالي في جامعة جياو جونغ الصينية لعام 2005 ، إذ تم ترتيب أفضل 500 جامعة في العالم ولم تحتل أية مؤسسة تعليمية عربية أي موقع من بينها،

ولعل من أهم المعايير التي صنفت هذه الجامعات على ضوئها هو معيار( البحث العلمي)، والتي ركزت عليه رئيسة جامعة الخليج العربي من خلال الاستضافة، إذ تأكد بما لا يدع مجالاً للجدل الإسهام الفذ لعملية البحث العلمي في التطور التقني، وقد ركزت الاتجاهات الحديثة على ضرورة دمج مطالب البحث العلمي والتطوير التكنولوجي مع التنمية الاقتصادية،

وترجع إمكانية تطبيق هذه الاتجاهات ونجاحها في البلدان المتقدمة إلى بنيتها الاقتصادية القائمة على الأسواق المفتوحة المعالم وبنيتها التنموية الخاصة بالبحث العلمي، وهذا ما هو مفقود في بلدان العالم العربي، فما أهميته إذاً، وكم ينفق عليه في عالمنا العربي؟ وكم يشكل حجم الإنفاق المخصص للبحوث العلمية من الناتج القومي؟ هذا ما سنتناوله في الآتي:

أخذت الاهتمامات تتزايد بالبحث العلمي بشكل كبير في مختلف دول العالم خاصة تلك الدول التي أخذت تتسابق فيما بينها من أجل إحراز نتائج متقدمة في البحوث التقنية لغرض التفوق على الآخرين، وهذه الاهتمامات أخذت تخدم جوانب التنمية الشاملة وتضع الحلول لمشكلاتها الواقعية مما يساعد على مواجهة التحديات التي تواجهها الشعوب داخلياً وخارجياً، وتظهر قيمة الأبحاث العلمية في المجتمعات من خلال دورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن خلال مقارنة كلفتها بدرجة الاستفادة من تطبيقاتها العلمية في المجتمع.

ويمكن تعريف البحث العلمي بأنه: الإنجاز الذي يعتمد على الأسس العلمية المتعارف عليها، ويتم نتيجة جهود فردية أو جهود مشتركة أو الأمرين معاً، وتهدف البحوث التي تجرى في الجامعات إلى إثراء العلم والمعرفة في جميع المجالات النافعة، إذاً هو استنباط للمعرفة، وتطوير لمنتج، وان تخلف البحث العلمي في القطاع الصناعي أو الزراعي أو غيره يحول دون تطوير هذه القطاعات والتغلب على مشاكلها؛ فبدونه لا زيادة في إنتاج الثروات.

إذ لم يعد البحث العلمي منهجا أكاديميا يمارسه مجموعة من العلماء المعنيين، بل أصبح ضرورة لا بد منها، وإن ارتقاء الأمة بأبنائها لا يتم إلا بالارتقاء في المستويات العلمية والمعرفية وتقديم التسهيلات اللازمة والضرورية لهم كي يتمكنوا من إنجاز البحوث العلمية الرصينة، وقد رصد تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003 م معاناة البحث العلمي من شح الإنتاج،

وضعفا في مجالاته الأساسية، وشبه غياب في حقول متقدمة مثل المعلوماتية والبيولوجيا الجزئية، إذ يعاني البحث العلمي أيضا من انخفاض الإنفاق عليه وغياب الدعم المؤسسي وعدم توافر البيئة العلمية المواتية لتنمية العلم وتشجيعه وانخفاض عدد المؤهلين للعمل في مجاله. فالدول العربية بقيت دون تفعيل وتمويل جاد لمنظومة البحث العلمي والتنمية التكنولوجية في الوطن العربي،

خاصة إذا علمنا أن المخصصات والمعونات والمنح المالية اللازمة لهذا الجانب لا تتجاوز 2% من إجمالي الإنفاق العالمي على البحث العلمي، ففي ستينات القرن الماضي كان حجم إنفاق الولايات المتحدة على البحث العلمي يعادل أربعة أضعاف ما تنفقه دول أوروبا مجتمعة، ووجدنا أن ما ينفق في الدول العربية مجتمعة لا يشكل نسبة 1-120 مما تنفقه الولايات المتحدة،

وفي الثمانينات من القرن الماضي كانت الدول العربية تنفق 0.3% من دخلها القومي على البحث العلمي بينما تصل النسبة إلى 3.5% في الدول المتقدمة، وكما هو موضح في الإحصائية الصادرة عن اليونسكو، فإن المكون المعرفي في الصناعات الإسرائيلية تعدى الـ 12% في حين المكون المعرفي لـ 22 دولة عربية لم يصل بعد إلى 1% من المنتج العربي.

ولا يزال ما تنفقه الدول العربية على التعليم العالي أكثر بكثير مما تنفقه على البحث العلمي والتطوير التقني، فالإنفاق عامل رئيس من جملة العوامل المؤثرة في تدني مستويات البحث العلمي، فالميزانيات التي تخصص للبحث العلمي في معظم الدول العربية لا تكاد تذكر،

ومساهمة الشعب في عملية الإنتاج العلمي هي الأخرى معدومة, فالولايات المتحدة تنفق أكثر من 150 مليار دولار سنوياً على البحث العلمي، أما عالمنا العربي فلا وجود له في مثل هذه الإحصائيات نتيجة للأسباب الآتية:

- ضعف الإمكانات والمستويات العلمية مما يعرقل عملية النهوض بالبحث العلمي.

- عدم وجود استراتيجيات علمية مدروسة تهتم بالبحث العلمي.

- ضعف الربط بين العلم والتكنولوجيا من جهة، واحتياجات المجتمع من جهة أخرى.

- تنامي ظاهرة هجرة العقول العربية، مما يشكل هدراً لرأس المال الفكري العربي، ومن ثم ضياع فرصة الاستفادة من هذه الطاقات البشرية. ويقدر عدد العرب من حملة الشهادات الجامعية، المهاجرين إلى أوروبا وأميركا خلال عامي 2000-2002 بحوالي 85 ألف مهاجر. أما على مستوى هجرة الأطباء فقد بلغ عدد المهاجرين منهم بين عامي 1998 و 2000 حوالي 15 ألف طبيب.

حيث أثرت الهجرة على عرقلة التنمية في الدول العربية، وعند الانتقال بالحديث من عمومية الواقع العربي، إلى خصوصية الواقع العراقي، حيث نجد أن للاحتلال الأميركي للعراق آثاراً مباشرة في مجال انتهاك حقوق الإنسان،

وفي إحداث دمار مادي بالغ على التراث العراقي، فضلاً عن تعرض العلماء العراقيين للملاحقة وللقتل والتي أدت إلى غياب البحث العلمي، وان الإنجليز كانوا على حق عندما أطلقوا على هذه الظاهرة: ظاهرة »نزيف العقول« بعد الحرب العالمية الثانية.

باحث اقتصادي

E-mail: Kutaiba @ emirates .net .ae