إن تفشّي ظاهرة غسيل الأموال أصبح يمثل أخطر المشكلات غير المنظورة والمثارة في زمننا الحاضر، ماضية بالامتداد والوسّع لتشمل جميع دول العالم قاطبة. وباعتبار هذه الظاهرة من الجرائم الاقتصادية الحديثة ترتبط عادة بأنشطة غير مشروعة وعمليات مشبوهة وبالجريمة المنظمة لاسيما في تجارة المخدرات، وتهريب الأسلحة والفساد السياسي، وتزييف النقود، والرشوة وغيرها من الجرائم.

كما يمتد نشاط هذه الجريمة إلى عمق المؤسسات المالية والبنوك بهدف تنظيف الأموال القذرة المتحصلة من الأنشطة الإجرامية، وذلك لتغيير مصدرها وأصلها غير المشروع وإصباغها بالصفة المشروعة حتى تبدو كاستثمارات قانونية.

إن عمليات غسيل الأموال التي يسودها التعتيم والتمويه والتخفّي، هي من الجرائم التي تتم بمنأى عن رقابة وأجهزة الدولة ولا تدخل في حسابات الدخل القومي، كما أنها تؤثر سلباً على البيئة الاقتصادية المحلية والعالمية،

وبذلك تهدف عمليات غسيل الأموال إلى إخفاء مصادر أموال غير مشروعة وتحويلها عبر حلقات طويلة ومعقدة حتى يصبح أصحابها أحراراً في استخدامها وتوظيفها بعد ذلك دون خشية المطاردة القانونية. كما أن نقل الأموال المهربة أو تحويلها يأخذ أشكالاً متعددة كأن تظل أوراقا نقدية، أسهما، سندات أو تغلغلها في مشروعات مختلفة وذلك لإخفاء مصدرها الأصلي وحتى يُضفى عليها التعتيم والتمويه.

وإذا كان مصدر ولادة هذه الظاهرة وتفشيها في الدول الغربية فإن أصحابها يتربصون بالأسواق الفتية التي تفتح أبوابها أو أسواقها أمام رأس المال الأجنبي. مما يتطلب الحاجة إلى خلق دراسات مجدية وفعالة لمنع تربص هذه الظاهرة بالاقتصادات العربية بحيث باتت تشكل خطراً أكيداً على الاقتصاد الوطني والعالمي.

لذا يرى الكثيرون أن عملية غسيل الأموال تمر بثلاث مراحل، وهي مرحلة الإيداع ثم مرحلة التمويه أو الترقيد، فمرحلة الاندماج وتختلط وتتداخل هذه المراحل ببعضها البعض بحيث يصعب توضيحها والفصل بينها.

وتعني مرحلة الإيداع أو التوظيف قيام أصحاب الأموال بنقلها أو تحويلها عن طريق آخرين أو توظيفها في مجالات مختلفة وذلك لإبعاد الشبهة عن مصدرها الحقيقي، كأن يتم إيداعها في المصارف داخل البلاد أو خارجها، شراء مجوهرات، عقارات، أوراق مالية .. الخ، وتعتبر هذه المرحلة الأكثر صعوبة وخطورة مقارنة مع غيرها.

وتقتضي مرحلة التمويه أو الترقيد تحرير الأموال المشبوهة أي تغيير الشكل الذي استخدمت فيه، وذلك عبر عمليات طويلة ومعقدة أو تجزأ وتوزع وبعدها توظف في أنشطة مختلفة وذلك بهدف التمويه على أصلها ومصدرها. أما مرحلة الاندماج فهي المرحلة النهائية من غسيل الأموال، إذ يتم تطهيرها فتدخل في ثوب نظيف لتنغمس في الاقتصاد بهوية جديدة.

وقد استفحلت مشكلة غسيل الأموال القذرة في أوروبا وازدادت خطورتها بعد أن كثرت محاولات تجار المخدرات لتنظيف أموالهم من خلال البنوك والمؤسسات المالية الأخرى. فقد اتضح بعد ذلك أن أوروبا أصبحت مرقداً للجنايات المالية العالمية ـ بؤر غسيل الأموال القذرة ـ

وان عمليات غسيل الأموال في مدنها الكبرى كانت تتم في العلن، مما دفع إلى سن قوانين جديدة لمكافحة عمليات غسيل الأموال المتعلقة بتجارة المخدرات والجريمة المنظمة، وتنشط أوروبا أيضا في تكثيف عقد اتفاقات التعاون من أجل مكافحة الإرهاب،

وعينت لجانا تكون مهماتها كشف ومعرفة أصول رؤوس الأموال، وكذلك مبادلة المعلومات فيما يخص حسابات المقيمين وغير المقيمين في هذه القارة، كما وضعت الدول الأوروبية برنامج عمل مكثفا لإعادة تفعيل وتنشيط مجموعة (جافي) باعتبارها مجموعة العمل المالية الخاصة بغسيل الأموال التي تأسست في باريس لعام 1947 ومن أهم أهدافها إطلاق استراتيجيات لمكافحة الأموال القذرة ووضع حدود للسرية المصرفية باعتبار أن المصارف لا ينبغي أن تتعارض مع العدالة.

وتوجهت أوروبا في الآونة الأخيرة نحو توحيد تشريعاتها المالية والمصرفية، كما أنها وضعت خطة موحدة لمكافحة الإرهاب لتغطية جوانب عديدة ومنها المالية، وأرفقت شروطاً جديدة بالنسبة للدول التي ترغب بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ومنها منع ضم الدول إلى الاتحاد التي تتم فيها عمليات غسيل الأموال أي تلك الدول المدرجة أسماؤها ضمن القائمة السوداء.

ولا شك أن معظم الدول الأوروبية توصلت إلى تشخيص هذا الداء الفتاك (غسيل الأموال) وحاولت وتحاول استئصاله بشتى الطرق والأساليب، هذا من ناحية، بينما معظم دول العالم الثالث تعيش في غيبوبة دائمة، إذ إنها تفتقر إلى تشريعات جديدة وفعالة واستراتيجيات تحول دون تفشي ظاهرة غسيل الأموال القذرة من ناحية أخرى.

وينبغي التأكيد هنا على أن نطاق غسيل الأموال سوف يزداد اتساعاً بسبب الأموال المهربة من دول العالم الثالث إلى الدول الصناعية والتي يكون مصدرها الفساد السياسي والإداري في ظل غياب الشفافية الإدارية، والاتجار بالرقيق الأبيض، ونهب الشركات وغيرها، والسؤال يطرح نفسه هنا : لماذا تفتح الدول الصناعية صدورها وأبوابها لمثل هذه الأموال, في حين تحث الدول النامية والأقل نمواً على مكافحة الإرهاب والاتجار بالمخدرات؟

وفي هذا ينبغي أن نستنتج بأنه لولا قبول هذه الأموال القذرة من قبل البنوك والمؤسسات المالية في الدول المتقدمة لما تفاقمت مشكلة غسيل الأموال، ولما تكبدت هذه الدول هذا الكم الهائل من المعاناة.

ومن البديهي أن يزداد الاهتمام العالمي بحل مشكلة تنظيف الأموال، نظراً لما تخلفه من آثار سلبية عميقة على الاقتصادات الوطنية وعلى الاقتصاد الدولي بصفة عامة، وفي الآونة الأخيرة توالت الجهود الدولية للحد من تفشي ظاهرة غسيل الأموال وملاحقة وضبط المجرمين وفرض العقوبات عليهم.

وعلى هذا الصعيد حدد تقرير الأمم المتحدة أن عمليات غسيل الأموال خاصة تلك المتحصلة من تجارة المخدرات قد استفحلت وأصبحت تشكل تهديداً حقيقياً لكثير من الاقتصادات في العالم, خاصة الدول النامية. لذلك أصبح هذا الموضوع الشغل الشاغل للحكومات والمنظمات الدولية، ووضع على سلم الاهتمام والأولويات لكثير من دول العالم.

مستشار قانوني