تراجعت مؤشرات البورصات العالمية وأسعار السلع مرة أخرى استكمالاً للاتجاه السابق الذي يتحدى النمو الاقتصادي القوي في غالبية أجزاء العالم، أو قد يكون ذلك مجرد مؤشر على هذا النمو.

انخفض مؤشر داو جونز الصناعي بنسبة 0.8% في المتوسط وخسر 86.44 نقطة بعد الارتفاع الذي سجله في وقت سابق من العام الجاري. وانخفض مؤشر نيكاى في اليابان ثاني أكبر اقتصاد في العالم بنسبة 4.1% وخسر 614.41 نقطة وانخفضت بورصات أخرى بنسبة أكبر.

وانخفض أيضا سعر الذهب مع ان من عادته ان يسير في اتجاه عكس البورصات، حيث انخفض بنسبة 7.3% وانخفض سعر الفضة بنسبة 13%.

ويعتقد كثير من خبراء الاقتصاد الآن ان الاتجاه العكسي في أسعار الأسهم والسلع مثل الذهب والفضة هو تحذير من قدوم تراجع اقتصادي أكثر منه نتيجة لاستمرار ارتفاع أسعار الفائدة في بنوك العالم المركزية، والحقيقة ان البنوك المركزية تهتم بعكس اتجاه هذا الانخفاض ويساورها القلق من أن النمو قد يصبح محموماً ويساهم في رفع الأسعار مرة أخرى او ما يسمى بمعدل التضخم.

وترفع البنوك المركزية سعر الفائدة لتجعل تكلفة استعادة أو اقتراض الأموال وإنفاقها اعلى وبالتالي تحد من الأموال الرخيصة التي أدت إلى ارتفاع الأسعار لكل شيء من سندات الخزانة الأميركية إلى الأسهم اليابانية في السنوات الأخيرة، وهذا الأمر عسير على المستثمرين لأنه عندما تختفي الأموال الرخيصة تنخفض أسعار الأصول بسرعة وتنفجر الفقاعات المالية.

واعزى تيم ادام وكيل وزارة الخزانة الأميركية للشؤون الدولية هذا الخلل إلى وجود الأموال السهلة المعروفة بارتفاع السيولة وليس إلى توقعات الاقتصاد التركي في حالة تركيا التي كان يزورها.

وقال اننا في مرحلة انتقالية عالمية من ظروف الاقتصاد الحميدة وكميات الأموال السهلة الغزيرة في انحاء العالم ـــ الذي تقوم البنوك المركزية فيه بسحب هذه الأموال, لكنه قال ان الأساسيات الاقتصادية في تركيا جيدة.

ولا يعني ذلك ان تقلبات أسواق الأسهم لن يكون لها اثار مؤلمة. وأوضح اننا لانزال في مرحلة نمو عالمي قوي، لكن هذا لا يعني عدم احتمال حدوث أزمة مالية، بناء على رأي كينث روجوف استاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد.

وهناك أزمات مالية مصغرة تحدث بالفعل وينقل المستثمرون أموالهم من الأماكن مرتفعة المخاطر. فقد شهدت كل من ايسلاندا ونيوزيلاندا في وقت سابق من العام انخفاض عملائهما حيث سحب المستثمرون أموالهم من السندات بالعملة المحلية، وبعد ذلك بقليل ترك المستثمرون كل شيء وحولوا الأموال من الأسهم في روسيا وكولومبيا واليابان فانخفض مؤشر بورصة روسيا بنسبة 10.5% وكولومبيا بنسبة 9%.

وعلى عكس ذلك يبدو الاقتصاد العالمي مقبلا على فترة من النمو المتوازن بعد سنوات من الاعتماد على الإنفاق الاستهلاكي الأميركي، ويتوقع غالبية خبراء الاقتصاد ان ينمو الاقتصاد الأميركي بنسبة 5.3% خلال الربع الأول، حيث يصل معدل البطالة حالياً إلى 4.6%.

وتبدو أوروبا واليابان والأسواق الصاعدة على الطريق الصحيح للنمو.

وتوقع صندوق النقد الدولي للاقتصاد العالمي ان ينمو بنسبة 4.9% في العام الجاري و4.7% في العام المقبل بعد حساب التضخم.

ويعني ذلك ان يكون متوسط النمو العالمي في السنوات الأربع حتى 2007 سيكون 4.93% وهو أعلى معدل مستمر لهذه الفترة منذ عام 1973، وتوقع الصندوق لثلاث دول فقط هي زيمبابوي وغينيا الاستوائية وسيشل ان يتراجع اقتصادها في 2006، وهو أقل عدد من الدول يتراجع اقتصادها منذ عام 1980.

وقال مسؤول في صندوق النقد ان عدم الاستقرار الأخير في السوق لم يغير توقعات البنك وأعرب عن اعتقاده بأن مستقبل الاقتصاد العالمي لابد ان يكون مصدر اطمئنان، حيث محركات النمو أكثر توازناً مقارنة بما كانت عليه في الماضي القريب.

وتحسب البنوك المركزية خطواتها للحفاظ على توازن الاقتصاد العالمي بكبح جماح التضخم الذي يمكن ان يحدث إذا تسارع النمو الاقتصادي بشدة. وأشارت بيانات حديثة إلى هناك ضغوطاً تضخمية في أميركا وأوروبا وعاودت الظهور في اليابان بعد سنوات من انخفاض الأسعار.

وتغير تحركات البنوك المركزية الوضع بالنسبة للمستثمرين, فرفع أسعار الفائدة يجعل الدولار بعد عام أو عشرة أعوام من الآن أقل قيمة مما هو عليه، لذلك حتى ولو بدا الاقتصاد جيداً فالقيمة حالياً للدخل المستقبلي سوف تنخفض حتى لو ظلت أصول مثل الأسهم تأتي بنفس العائد. وعندما ترتفع أسعار الفائدة يكون من الأكثر تكلفة على المستثمرين زيادة عوائدهم بأموال مقترضة.

وقد يكون لرفع أسعار الفائدة أيضا تأثير عكسي على الاقتصاد العالمي، وقد أعرب المستثمرون في أميركا وأوروبا عن قلقهم من أن البنوك المركزية قد تبالغ في رفع أسعار الفائدة وتدخل اقتصادات بلادها في مرحلة ركود.

ويتأكد هذا القلق بدليل سوق سندات الخزانة الأميركية حيث ارتفع عائد السندات استحقاق عامين على عائد السندات استحقاق 10 سنوات، وهو ما يعرف بانعكاس مؤشر العائدات.

غير ان بعض المستثمرين يعتقدون ان خطوات البنوك المركزية هي العلاج الفعال للاقتصاد العالمي وأسواق المال ـــ التي فقدت الشعور بالمخاطر كما يقول مايكل ليث المدير في شركة فرنت بونيت لإدارة الأصول الذي أضاف ان الوضع قد يبدو سيئاً الآن لكنه سيكون جيداً على المدى المتوسط والبعيد.

ترجمة: أشرف رفيق