قال محللون ان الصين أصبحت تشكل تأثيراً قوياً على الاقتصاد العالمي من خلال صادراتها القوية، وأكدوا أن تحولها من بلد مصنع للأقمشة و»التي شيرتات« إلى مركز قوي لتجارة السندات والصفقات الاقتصادية يشكل هاجساً كبيراً للولايات المتحدة الأميركية. ورأوا أن ادعاء اميركا دائما أن الصين هي السبب في العجز الأميركي الكبير بسبب صادراتها الرخيصة اليها، لكن الحقيقة أن عجز أميركا للصين هو 100 مليار دولار فقط من اجمالي 800 مليار دولار.
والسبب الرئيسي في العجز الأميركي هو الافتقار الى المدخرات المحلية وليس الاتهام الموجه للصين بالمنافسة غير العادلة فالعجز يحمل لافتة صنع في أميركا، وليس صنع في الصين.
وضغطت أميركا على الصين لرفع قيمة عملتها، وقد تعلن الأخيرة ذلك ولو كان بنسبة صغيرة، وهذا بدوره لن يساهم أيضا في حل مشكلة أميركا مع العجز المتزايد.
والنظر إلى تأثير الصين على الاقتصاد العالمي من خلال صادراتها وفائضها التجاري فقط أمر يؤدي إلى سوء الفهم والتضليل، ولابد من فهم العناصر الأخرى التي وراء تعاظم هذا التأثير.
والكل يعلم ان غالبية القمصان وأجهزة التلفزيون في السوق العالمية هي من انتاج الصين، لكن هناك عوامل اخرى مهمة مثل أسعار الفائدة في الدول النامية ومعدلات التضخم فيها والاجور والأرباح وأسعار البترول وحتى أسعار المنازل، مع أن هذه العناصر قد تتأثر ايضا بالعامل الصيني.
وليست الصين هي الاقتصاد الوحيد سريع النمو في العالم والتي تؤثر في الاقتصاد العالمي. لكن التأثير الصيني هو الاكبر. وتضاعف نصيبها في اجمالي الناتج المحلي العالمي ليصل الى ضعف مساهمة الدول ذات الاقتصاد الصاعد الاخرى مثل الهند والبرازيل وروسيا معا منذ عام 2000.
وهناك سبب آخر يعظم من تأثير اندماج الصين مع الاقتصاد العالمي ويفوق تأثيرها نظيره من الدول الاخرى النامية سريعة النمو الاقتصادي او من تأثير اقتصاد اليابان من الخمسينات فصاعدا.
تتمتع الصين بحجم هائل من العمالة الرخيصة مع اقتصاد منفتح على العالم من حيث التجارة والاستثمار الاجنبي. وتمثل صادراتها ووارداتها من السلع والخدمات 75% من اجمالي الناتج المحلي لها، فيما يصل هذا الرقم الى 25ـــ30% في اليابان والهند والبرازيل، ونتيجة ذلك ان صحوة التنين الصيني كانت اكثر تأثيرا على العالم.
ضعف قوة العمل
يركز غالبية المحللين لتزايد الأهمية الصينية على نصيبها من الانتاج والصادرات العالمية، ويغذي ذلك ايضا المخاوف من ان الصين تسرق الانتاج والوظائف من بقية انحاءالعالم غير أن هذه ليست الحقيقة كاملة.
لكن واردات الصين في العقد الماضي ارتفعت بنفس معدل ارتفاع صادراتها، ولذلك تعطي الصين دفعة قوية لكل من العرض والطلب العالمي، وليس العرض فقط.
ويرى ريتشارد فريمان استاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد ان تأثير الهند والصين والاتحاد السوفييتي السابق ادى مضاعفة قوة العمل العالمية بعد انخراط هذه القوى في الاقتصاد العالمي. وزاد ذلك بدوره من احتمالات النمو وساعد في خفض معدلات التضخم وادى الى تغيرات في الأجور النسبية ورأس المال والسلع والأصول.
وقد جاء اللاعبون الجدد المذكورون بقيمة اقتصادية قليلة نسبيا من رأس المال في الاقتصاد العالمي.
ولذلك مع تغيير بسيط في رأس المال وضعف قوة العمل انخفضت النسبة بين رأس المال وقوة العمل بمقدار النصف خلال أعوام قليلة.
وقد كان ذلك أكبر تغيير في تاريخ العالم. ولأن هذه النسبة تحدد عائد العمالة ورأس المال، فهي تفسر التغير في الأجور والأرباح.
كان النمو في الأجور الحقيقية في كل من أميركا وأوروبا واليابان ضعيفا في السنوات الأخيرة وقياسا بنمو الدخل في أميركا، كان ذلك اضعف انتعاش فيها منذ عقد من الزمان.
وقد خفض دخول جيش العمالة الصيني الرخيص في النظام العالمي للانتاج والتجارة القوة التفاوضية للعمال في الدول المتقدمة. ورغم ان عدد الوظائف التي تم تعهدها من الدول المتقدمة في الصين لا يزال ضعيفا، فإن التهديد بأن الشركات يمكن ان تنتج خارج الدول المتقدمة جعل نمو الأجور ضعيفا. ولذلك تصل نسبة الأجور في الدول المتقدمة الى اجمالي الناتج المحلي إلى أقل معدل لها منذ عقود.
والجانب الآخر من المعادلة ان الارباح تقتطع نسبة أكبر من الكعكة، ولذلك ارتفعت الأرباح للشركات الأميركية بعد خصم الضرائب لأعلى معدل لها من اجمالي الناتج المحلي لرقم لم يتحقق من 75 سنة، وهذا هو ما تقول به النظرية الاقتصادية بحذافيرها، فقد جعل دخول الصين في الاقتصاد العالمي العمالة غزيرة ورأس المال اكثر ندرة.
كما أن تأثير الصين الرئيسي على العالم هو التغير النسبي في الأسعار والدخول. فالسلع التي تستوردها الصين ترتفع أسعارها، والتي تصدرها تنخفض أسعارها. والصين الآن أكبر مستهلك في العالم لعدة سلع مثل الألمنيوم والصلب والنحاس والفحم، وثاني أكبر مستهلك للبترول، لذلك فالطلب الصيني له تأثيره على الأسعار العالمية.
أموال رخيصة التكلفة
لكن تأثير استيراد الصين على أسعار سلع مثل البترول تعادل بصادرات السلع المصنعة الصينية، والنتيجة تأثير اخر هام للصين على بقاء معدلات التضخم منخفضة. وتفضل البنوك المركزية أن ترجع فضل السيطرة على معدلات التضخم الى سياساتها، لكن الصين هي العون الأكبر لهم في ذلك في السنوات الأخيرة.
فقد أدت قدرة الصين على انتاج سلع مصنعة بتكلفة اقل إلى انخفاض أسعار غالبية هذه السلع في العالم. مثلا متوسط أسعار الملابس والأحذية في أميركا انخفض بنسبة 10% خلال السنوات العشر الأخيرة أي بنسبة 35% بالمعدل الحقيقي.
وتشير دراسة حديثة إلى أن الصين هي السبب في عدم ارتفاع معدل التضخم الأميركي طوال السنوات الماضية ومطالبة أميركا الصين برفع قيمة عملتها المحلية قد يعود عليها بالضرر اذا ما وافقت الصين على ذلك لأنه سيطلق العنان لمعدل التضخم وتسببت الصين في ان تسيطر البنوك المركزية على معدلات التضخم إلى أقل مما تتوقع.
وافضل تفسير لما يحدث هو المدرسة الاقتصادية النمساوية التي تقول أن دخول العمالة الصينية في النظام العالمي رفع العائد على رأس المال، وهذا بدوره لابد أن ينعكس على تزايد توازن أسعار الفائدة الحقيقية. والصين ايضا بناء على هذه النظرية مسؤولة عن انخفاض أسعار الفائدة على السندات طويلة الأجل، فقد احتلت الصين نصيب الأسد في شراء سندات الخزانة الأميركية خلال العام الماضي حتى تظل عملتها المحلية مرتبطة بالدولار.
من صاحب القرار؟
كانت السياسة النقدية العالمية تتشكل في واشنطن خلال بضعة عقود ماضية، لكن شراء الصين لسندات الخزانة الأميركية حاليا جعل سيادة اميركا على السياسة النقدية يتآكل مقارنة بالماضي. وبالتالي اصبحت السياسة النقدية العالمية تتشكل الآن في بكين.
وقد تكون الصين سببا في فقاعة السيولة العالمية بالمساهمة في خفض أسعار الفائدة في الدول المتقدمة، وارتفعت السيولة العالمية العام الماضي بأسرع معدل لها في ثلاثة عقود. لكن هذا الارتفاع لم يرفع بدوره معدل التضخم (بفعل الملابس والحواسيب الصينية الرخيصة). ومن جانب آخر عزز بنك الشعب الصيني (المركزي) سوق الرهونات الأميركية بشراء كميات كبيرة من الأوراق المالية المدعومة بقروض الرهونات.
واذا نكث الصين ارتباط عملتها بالدولار إلى عملات أخرى أو سلة عملات سيجعل احتياطي عملاتها الأجنبية متنوعا. لكن ليس من المحتمل أن تتخلى الصين عن الاحتياطي بالدولار. لكن الصين قد تخفض مشترواتها من سندات الخزانة لصالح عملات أخرى. واذا حدث ذلك أو فكت الصين الارتباط بين عملتها المحلية والدولار ستنخفض العملة الخضراء مقابل اليورو والين والعملات الأخرى.
ولو حدث ذلك سيتقرر مصير أسعار المنازل الأميركية على يد البيروقراطية الصينية غير المنتجة بدلاً من البنوك المركزية في الغرب.
والخلاصة أن الصين تخلق فرصا هائلة، كما تفرض مخاطر كبيرة ايضا. فاذا تعثرت الصين في نموها أو قررت تقليل مشتروات سندات الخزانة الأميركية ورفعت عائداتها لأعلى، لكان لدى أميركا ما تشكو منه وحينئذ تكون عبارة »صنع في الصين« هي السبب، لكن هذا لم يحدث حتى الآن.
ترجمة: أشرف رفيق
