بعد عقود من الضربات الموجعة التي كالتها المنافسة اليابانية الرخيصة إلى المصنعين الأميركيين، بدأت الشركات اليابانية تتجرع من ذات الكأس ولكن من قبل الشركات الصينية رخيصة الكلفة، وبدأ يبرز خلال الفترة الأخيرة سؤال مهم حول كيفية مقاومة التنين القادم من الشرق؟

وحفزت المنافسة الصينية الرخيصة، مصنعة الكيماويات »كوريهاكورب« لإقامة مصنع ينتج مادة البولي فنيل كلورايد، البلاستيكية الرخيصة المستخدمة في صناعة مختلف المواد من الكراسي إلى الأنابيب البلاستيكية، وكجزء آخر من الحل، عكفت »كوبرها« على توسعة مصنع منفصل يصنع مادة ثمينة تدعى بولي ثلين سلفايد، وهي مادة مقاومة للحرارة تستخدم لاحتواء المحركات الكهربائية، من ضمن استخدامات أخرى.

وقد ازداد الطلب على هذه المادة من قبل مصنعي ألواح الدارات، ومحركات السيارات الهجينة التي تستخدم الغاز والكهرباء، وأثبتت قدرتها على تحقيق الأرباح، وتعبر إعادة تشغيل مجمع كوبرها الصناعي برهاناً ساطعاً على الكيفية التي تزمع اليابان من خلالها المحافظة على كفاءتها التصنيعية.

وتعتبر صانعة المواد البلاستيكية واحدة من آلاف الشركات في أنحاء اليابان التي تتخلى عن إنتاج المواد الأقل تعقيداً إلى جيرانها الآسيويين بحيث يتفرع الباحثون والمهندسون في البلاد، للتركيز على تصنيع سلع ذات قيم عالية مضاعفة، ومن شأن هذه الخطوة، تقليص دور اليابان كصانعة للسلع الأقل تقنية للسوق الجماعية، وبدلاً من ذلك، تهدف اليابان كي تصبح رائدة في تطوير منتجات جديدة أكثر تطوراً. ويتحدث الساسة والبيرقراطيون عن جعل اليابان مركزاً عالمياً للابتكار.

وعلى الصعيد ذاته، قال تاكاوا يواساكي مدير البحوث في كوريها، إبان جولة له في أرجاء المجمع الصناعي، إذا كان في مقدور الصينيين تحقيق ذلك، ليكن ذلك، فلا قبل لنا في البقاء في هذه الصناعة.

ولا ريب أن وراء ذلك كله، تكمن نزعة وطنية للمحافظة على تراث اليابان التصنيعي. وهو تقليد عريق، من البراعة في ميادين كصناعة الخزفيات والأقمشة، ترسخت جذوره منذ قرون وفي الإطار ذاته، تؤكد مسودة ورقة حكومية بيضاء بعنوان »استراتيجية النمو«، من الراجح إصدارها نهاية الشهر الجاري، على أنه في حين راحت الولايات المتحدة تعول على الخدمات بدلاً من التصنيع، كمحرك لنموها، فإن على اليابان أن تتخذ منحى مختلفاً، باعتمادها محركين متلازمين للنمو، والمتمثلين في الخدمات والتصنيع.

وبالرغم من تحويلها شريحة واسعة من الإنتاج إلى بلدان أقل كلفة، فإن شركات مثل صوني كورب أو ماتسوشيتا الكتريك اند ستريال كومباني، ما انفكت تنتج قسطاً كبيراً من منتجاتها المعقدة في أراضيها، حيث تقوم توشيبا مثلاً، بتصنيع رقائق السليكون لأشباه الموصلات.

وهو الجزء الأصعب من تصنيع الرقائق في اليابان، بالقرب من مراكز التطوير التابعة إليها، بيد أنها تقوم بالتجميع الفعلي للرقائق في الخارج وهناك شركة تويوتا لتصنيع السيارات التي تقوم بتصنيع سيارات الكورولا والكامري في أنحاء متفرقة من العالم، فيما تصنع سيارات اللكزس ذات العلامة الراقية، بمحركاتها المعقدة، وأجهزتها الدقيقة في اليابان.

لقد ساهم الاستثمار المتنامي في هذا النوع من الإنتاج ذي الكفاءة العالية بصورة عظيمة، في النهضة الاقتصادية لليابان، خلال السنوات الخمس الماضية، إذ قفز الإنفاق الرأسمالي بحدود 13.9 في المئة خلال الربع الواقع بين شهري يناير ومارس، عن الفترة ذاتها من عام سابق وهو الربع الثاني عشر على التوالي من الزيادات السنوية.

غير أن الدور المستقبلي لليابان في الاقتصاد العالمي، سوف تمليه، إلى حد بعيد، الكيفية التي ستتخلى فيها عن هذه الاستراتيجية، وأول شروط النجاح، في هذا المضمار هو الابتعاد عن طريق الصين، ولقد بدأت بالفعل، انتهاج هذا الطريق، وبحلول عام 2000، ورغم انخفاض المبيعات، بدأت الأرباح في الارتفاع نظراً لأن المحفظة المتبقية من »كوبرها«، كانت تلك الخطوط التجارية التي تحقق الأرباح، ورغم ذلك، فإن المحافظة على ذلك الزخم، كانت تتطلب ضرورة تعزيز الانضباط في صفوف فرق بحوث المنتجات » كوبرها«.

ولقد برهن ذلك على صعوبته، نظراً لتجربة اليابان، التي أعقبت الحرب. فخلال سنوات الازدهار التي نعمت بها اليابان، لم يكن المصنعون يلقون بالا لتكاليف التطوير. فقد سمح الاقتصاد الناهض بفيض من الأموال لاستخدام أفواج من المهندسين، الذين أطلق لهم العنان، لاستنباط أفكار بعيدة كل البعد عن صميم أعمالهم. كما أن المطورين لم يقيّدوا بأزمان محددة. غير أن ذلك النظام المكلف، ساعد اليابان في استنباط ابتكارات مبهرة مثل ووكمان صوني، أو غيم بوي من قبل شركة نتندو.

بالإضافة إلى المواد البلاستيكية عالمية الجودة والمعادن والخزفيات، التي مكّنت من تصنيع تلك المنتجات. ولقد أصابت معضلة الابداع »كوريها« بضربة في الصميم، اذا شكلت ابتكاراتها حجر الأساس للصناعات التحويلية اليابانية، وهي تعتبر واحدة من آلاف صانعي المواد المنسيين الذين صنعوا وطوروا مواد بلاستيكية وكيماوية وزجاجية تستخدمها شركات أكيد مثل تويوتا أو صوني لتصنيع سيارات فخمة وألعاب فيديو لتهيمن على أسواقها.

وكان التحدي منصبا على المحافظة على التراث الابتكاري، والتركيز في الوقت ذاته على الأرباح، فما كان من »كوريها« الا اللجوء الى مكتب الاستشارات الادارية الأميركي بوز الن هاملتون، طلبا للنصيحة. والذي خرج بنظام للحواجز ويقتضي باقرار كل مشروع للبحوث قبل تمريره، بما في ذلك المواعيد النهائية. وخطط التسوق والقيود المالية. ومن ضمن تلك الأهداف، اجبار الباحثين على التفكير في مفهوم صنع الأرباح منذ بداية المشروع.

وهو الأمر الذي أغضب بعض الباحثين. ومنهم دكونتاكاهيروس، الذي التحق بكوريها خلال فترة نمو اليابان العالية، حيث مولت الشركة بحوثه لاستنباط علاج للروماتيزم، وهو حقل من البحوث بعيد عن صميم اختصاص كوريها. ولقد نال هيروس استحسان المجلات الطبية. لكنه عجز عن الوصول إلى منتج مربح. وما كان من بوزالن، سوى مطالبته بايجاد راع خارجي للمساعدة في تمويل المشروع.

وقد منيت جهوده بالخذلان، الأمر الذي دعا »كوريها« الى الغاء المشروع، وابلاغ د. هيروس، الذي تبخرت اماله، بمتابعة أمور أكثر عملية. بيد ان »كوريها« عادت والتقطت انفاسها، وهي تركز الآن على مواد واعدة جديدة، من البطاريات الجديدة الى الزجاج الحاج للأشعة فوق البنفسجية.

ولكنها منتجات عالية التقنية، يجري تطويرها باستراتيجية تسويقية واضحة. وكانت المبيعات، على مدار السنوات الخمس الماضية انخفضت، فيما ارتفعت الأرباح، اما الآن، فان كلا من الأرباح والمبيعات تسيران جنبا إلى جنب. فقد ارتفعت الأرباح الصافية خلال السنة المنتهية في 31 مارس، بواقع 16 في المئة لتصل إلى 5.17 مليارات ين »45.7 مليون دولار« مع ارتفاع المبيعات 4 في المئة لتصل إلى 136 مليار ين.

ترجمة- وائل الخطيب: