تستند استراتيجية وزارة الطاقة في زيادة الطاقة التكريرية إلى توليفة من الحسابات الشاملة، تتجاوز نطاق الاعتبارات السياسية المحضة، لتشمل جملة من المحفزات التجارية والاقتصادية التي تجعل ضخ الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي ينطوي علي مردود اقتصادي وليس مجرد هدرا للأموال.
وقد سلط علي اليبهوني رئيس قسم البحوث والتحاليل التسويقية بدائرة التسويق والتكرير في شركة بترول أبوظبي الوطنية »أدنوك« الضوء على بعض جوانب هذه الرؤية، وتدور أساسا حول إدراك الدولة للأهمية البالغة التي بات يشغلها قطاع التكرير في استقرار أسواق النفط العالمية.
بحيث أصبحت زيادة الطاقة التكريرية من أولويات صناعة النفط العالمية، وهو ما جرى ترجمته في إطلاق عدد من المشاريع في هذا المجال خاصة بمنطقة آسيا والشرق الأوسط، الأمر الذي يدل على سرعة استجابة هذا القطاع لتنامي الطلب المتزايد على المنتجات المكررة.
وورد في تقريره المنشور في 31 مايو الماضي أنه من المتوقع أن ترتفع الطاقة التكريرية في العالم بنسبة 2% إلى 4% خلال السنوات الخمس المقبلة، بما يعكس استجابة الدول المنتجة للنفط لمتطلبات السوق، وذلك عبر ضخ الاستثمارات في مشاريع تكريرية جديدة تسهم في رفع الطاقة التكريرية، ورغم أنه سيتم انجاز بعض هذه المشاريع في دول منظمة أوبك، إلا أن الجزء الأكبر من الإنتاج سيباع للدول المستهلكة في آسيا وأوروبا.
ورصد التقرير الذي وزعته مجلة أخبار أدنوك ما شهده قطاع من تطورات في السنوات الأخيرة، فبعد الانتعاش الكبير الذي شهده القطاع في عام 2004 حدث ارتفاع معتدل في العام المنصرم لكون حجم التوسعات أقل مما كان متوقعا خلال الربع الأخير من عام 2004، ولفت إلى أن أحدا لم يتوقع في السنوات القليلة الماضية مدى ارتفاع الطلب على النفط الذي حدث خلال الأعوام الأولى من هذا القرن حيث أن قطاع التكرير لم يكن على استعداد كامل لهذا التغيير الذي تلا فترة اتسمت بهامش ربح ضعيف في القطاع لعدة سنوات.
وأنه بمقارنة زيادة الطلب بارتفاع الطاقة الإنتاجية التكريرية، يتبين أنه منذ عام 2002 ارتفع الطلب إلى أكثر من ستة ملايين برميل يوميا بينما ازدادت الطاقة التكريرية بأقل من مليوني برميل في اليوم، وهو ما قاد مع عوامل أخرى إلى فوران أسعار النفط.
تعاظم الحاجة لاستثمارات جديدة
وتتسق هذه الرؤية مع تعاظم الحاجة إلى ضخ استثمارات ضخمة في مجال الصناعة النفطية، ويشير هنا التقرير الصادر عن وكالة الطاقة الدولية، إلى أنه يجب أن تقوم دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بضخ استثمارات في قطاع النفط بقيمة تبلغ 56 مليار دولار سنويا، وذلك لكي تزيد حصتها من الإنتاج العالمي من 35 % إلى 44 %..
وقدر التقرير الشهري الصادر عن منظمة أوبك في نوفمبر 2005، بأن إجمالي حجم الطاقة التكريرية للمصافي في دول أوبك قيد البناء والتصميم بنحو 4 ملايين برميل يوميا وأنه إذا ما تم تنفيذ هذه المشروعات، فأن الطاقة التكريرية الإجمالية لدول أوبك سترتفع إلى 13 مليون برميل يوميا وربما أكثر من ذلك في السنوات المقبلة.
وفي السياق ذاته، تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن تتزايد الطاقة التكريرية لدول الشرق الأوسط بما لا يقل عن 8 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2030 وأن تتزايد الطاقة التكريرية على مستوي العالم من 82.9 مليون برميل في عام 2005 إلى 121.3 مليون برميل في عام 2030، وتعني مثل هذه الزيادة والبالغة 38.4 مليون برميل.
أنه سوف يتم إقامة 150 مصفاة تكرير على مستوى العالم بطاقة تبلغ 250 ألف برميل يوميا لكل واحدة منها، وبمعدل يبلغ 6 مصافي سنويا، ومن هذا المنظور، تقدر وكالة الطاقة الدولية أن قيمة الاستثمارات المطلوبة لتحقيق هذا الهدف تبلغ 460 مليار دولار.
محفزات توسيع الطاقة التكريرية
ولا ترتكز سياسة وزارة الطاقة الرامية إلى زيادة الطاقة التكريرية على اعتبارات سياسية محضة، بل تنهض هذه السياسة على جدوى تجارية تجعل من مسألة الاستثمار في هذا القطاع لها مردود اقتصادي، إذ تحفل صناعة التكرير بالعديد من المحفزات المشجعة علي توسيع طاقتها التكريرية، وتتمثل تلك العوامل في التالي:
أولا : الارتفاع الصاروخي في أسعار النفط : وترتب على هذا الارتفاع زيادة هواجس المستهلكين والمنتجين من أن تثقل هذه الأسعار المرتفعة على آفاق النمو الاقتصادي، مما يعرض الاقتصاد العالمي للركود والانكماش، وهو ما قد يهوي بالأسعار إلى مستويات شديدة التدني، إذ قفزت الأسعار بشكل كبير خلال العامين الماضيين.
فعلى سبيل المثال في عام 2003، بلغ متوسط سعر خام غرب تكساس 31.07 دولارا للبرميل وسلة خامات أوبك 28.2 دولارا للبرميل، وفي عام 2004، زاد متوسط سعر خام غرب تكساس إلى 41.49 دولارا وسلة خامات أوبك إلى 36 دولارا للبرميل. وفي عام 2005 حامت أسعار هذه الخامات فوق مستويات عليا غير مسبوقة ووصلت في أغسطس الماضي إلى حوالي 70 دولارا للبرميل.
ثانيا : تعاظم القدرة المالية في تمويل مشروعات توسيع الطاقة التكريرية، وقد ساهمت أسعار النفط المرتفعة في جني هذه الدول عوائد نفطية قياسية، ووفقا لبيانات وكالة معلومات الطاقة الأميركية فإنه من المتوقع أن تجني الإمارات المتحدة عائدات نفطية قياسية في عام 2005 تبلغ 39 مليار دولار وانه من المتوقع أن يقفز دخلها النفطي إلى ما يزيد على 40 مليار دولار خلال عام 2006.
وبنت وكالة معلومات الطاقة الأميركية تقديراتها لعائدات نفط دولة الإمارات في عام 2005، على أساس أن سعر برميل النفط في حدود 45 دولارا للبرميل، ويبلغ متوسط إنتاج الإمارات حوالي 2.3 مليون برميل يوميا، وتعني العائدات المرتفعة انه من المتوقع أن تبقي أسعار النفط قوية وأن الإمارات سوف تظل تنتج عند مستوى 2.3 مليون برميل يوميا أو ربما أكثر.
ويعتبر العائد النفطي في عام 2005 أعلى العائدات النفطية التي تحققها دولة الإمارات المتحدة على الإطلاق، وهو ما يجعل هذا الوضع متناقضا تماما مع الأوضاع التي كانت سائدة منذ ست سنوات مضت عندما انخفضت العائدات النفطية لدولة الإمارات إلى اقل من 10 مليارات دولار في عام 1998 إثر تراجع أسعار النفط إلى 10 دولارات للبرميل.
ثالثا : زيادة الطلب على المنتجات البترولية المكررة وعلى وجه التحديد الجازولين ووقود الديزل والطائرات، وعجز المصافي على تلبية الطلب المتصاعد، إذ أنه مع بلوغ الطاقة التشغيلية لمصافي التكرير إلى نسبة 90 %، وعدم تيسر طاقة تكريرية تكفي لتلبية الطلب، زاد فارق السعر بين خامات النفط الثقيلة وتلك الخفيفة.
وسجلت الأخيرة مستويات أسعار عالية نتيجة لصعود الطلب عليها، فعلى سبيل المثال تراجع الطلب السنوي على زيت الوقود بنسبة 1.4 % خلال الفترة من 1980 إلى 2004 مع ظهور موارد أخرى للطاقة.
وعلى العكس وخلال نفس الفترة، صعد الطلب السنوي على الجازولين والمنتجات المقطرة بنسبة 1.9 و 2.2 % لكل منهما على التوالي. وعلى نفس المنوال، زادت مساهمة المنتجات النفطية الخفيفة في الطلب الإجمالي من 64 % في بداية الثمانينات إلى 80 % في الوقت الراهن.
وتشير هنا تقديرات مجلة »أويل آند جاز« إلى أن حجم الطاقة التكريرية قد بلغ في مطلع عام 2005 نحو 82.4 مليون برميل يوميا تنتجها نحو 647 مصفاة تكرير على مستوى العالم، وفي نفس التوقيت، قفزت الطاقة التحويلية ( أي طاقة المصافي علي تحويل المنتجات النفطية الثقيلة إلى منتجات خفيفة ) إلى 27.5 مليون برميل يوميا أي ما يوازي 33 % من إجمالي الطاقة التكريرية.
وأفادت المجلة أن مصافي التكرير تعمل بطاقة تشغيلية قصوى تصل إلى 90 % بالمقارنة مع معدل تشغيل تراوح بين 60 و 70 % في أواخر الثمانينات، وجاء هذا الصعود القياسي في مستوى التشغيل كنتيجة لزيادة الطلب على النفط في عام 2005 إلى نحو 83.5 مليون برميل يوميا.
وقد قدرت وكالة الطاقة الدولية أن هناك حاجة لزيادة طاقة التكرير العالمية إلى ما يزيد على 93 مليون برميل يوميا في عام 2010 و 118 مليون برميل يوميا في عام 2030 كذلك قدرت بأن تصل قيمة الاستثمارات المطلوبة في صناعة التكرير إلى 487 مليار دولار حتى عام 2030 أي ما يعادل 18.7 مليار دولار سنويا.
ثالثا : تغليظ القيود على بناء مصافي التكرير في الدول الصناعية : فقد تميز عقدا الثمانينات والتسعينات بوجود فائض ضخم في الطاقة التكريرية لدى كل من الولايات المتحدة وأوروبا نتيجة لتلقي هذه الصناعة استثمارات ضخمة في عقدي الستينات والسبعينات.
وهو ما أدى إلى انخفاض هامش ربحية التكرير حتى وقت قريب، منخفضة حتى وقت قريب، الأمر الذي أدى إلى ضعف الحافز للاستثمار في هذا المجال وإغلاق معظم المنشآت التكريرية خاصة الصغيرة والغير متطورة من الناحية الفنية، واكب ذلك إطلاق العديد من التشريعات المتعلقة بحماية البيئة خاصة قانون »الهواء النقي« في الولايات المتحدة الصادر في عام 1990 إلى جانب القوانين المماثلة في أوربا واليابان وفي بعض الدول النامية.
عندئذ اضطرت المصافي إلى ضخ استثمارات في مثل هذه الأنشطة الجديدة للوفاء بهذه المقاييس، وبالتالي، زادت الطاقة التكريرية بشكل طفيف خلال الفترة من 2000 إلى 2005 إلى 1.1 % فيما قفز الطلب خلال الفترة المذكورة بنسبة 8.3 % ، وفي نفس التوقيت زادت الطاقة التحويلية بنسبة 9.8 %.
ويقدر هنا تقرير وكالة الطاقة الدولية انه بات من المستحيل عمليا أن تقوم الدول الصناعية التي يتزايد فيها الطلب علي النفط ببناء مصافي جديدة، وأكثر من ذلك، فإن آخر مصفاة للتكرير في الولايات المتحدة، قد جرى بناؤها منذ ثلاثة عقود تقريبا، بل وحتى مصفاة التكرير في ولاية أريزونا والتي حصلت على ترخيص بنائها في عام 1999 مازالت قيد التشييد.
ويسود الوضع نفسه في الدول الأوروبية واليابان، وبهذا، تقتصر التوسعات المتوقعة في الدول الصناعية على بعض الإضافات إلى مصافي التكرير المتواجدة حاليا.
رابعا : ارتفاع هامش أرباح التكرير، وهو أمر من شأنه أن يجعل استثمارات دول أوبك في هذا المجال ذات جدوى اقتصادية، حيث بلغ هامش أرباح التكرير في عام 2004 نحو 8 دولارات للبرميل.
وقفز هذا الهامش إلى مستويات مرتفعة خاصة في أعقاب إعصاري كاترينا وريتا اللذين ضربا سواحل خليج الولايات المتحدة، ولكن وعلى الرغم من التقديرات المشجعة بشأن تصاعد الطلب العالمي على المنتجات المكررة، إلا أنه لا توجد من وجهة نظر البعض ضمانات مؤكدة بأن يظل هامش أرباح التكرير على مستوى يغري بضخ الاستثمارات في المستقبل. «البيان»
