تعاني »انفوسيتر« شركة خدمات المعلومات التكنولوجية الهندية الرائدة، من نقص حاد في موظفيها، بحيث شرعت في استخدام الكوادر المؤهلة في الولايات المتحدة، حيث وظفت حتى الآن ما يربو على 300 موظف. كما تبحث شركات المحاسبة العالمية، في الصين، بصورة حثيثة عن كوادر لشغل آلاف الوظائف في بلد تشكل فيه الأيدي العاملة المؤهلة ندرة، بقدر ندرة الانتخابات الديمقراطية فيها.

والملاحظ ان هذين البلدين الأكثر كثافة سكانية في العالم، يواجهان نقصاً حاداً في الكوادر المؤهلة، والكفاءات، في وقت، يبدو فيه أن المخزون الهائل من العقول البشرية رخيصة الكلفة، الذي أمد شركات البحوث والتعهيد المحلية، ردحاً طويلاً، في طريقه الى النضوب،

ولا نغالي اذا قلنا ان الأمور ستزداد سوءا، فكيف يمكن لهذين البلدين الفقيرين اللذين، يخرّجان مجتمعين ما يربو على سبعة ملايين خريج سنويا، ان يعانيا من شح في الكفاءات؟ إن أكثر التفسيرات وضوحا، هو أن نموهما الاقتصادي، يفوق بمراحل كثيرة، الفيض الهائل من الأيدي العاملة. أما العامل الآخر، فهو العولمة التي ترفع العائق التنافسي بالنسبة للشركات المحلية، وتتقدم بطلبات جديدة إلى أسواق العمل.

وتمثل حاجة الصين من المحاسبين، أولى عوارض ذلك التغيير، فخلال فترة سيطرتها على الاقتصاد، لم تكن ثمة حاجة للمحاسبين المحترفين، بيد أنها أمست في أمس الحاجة إليهم، مع سعي الشركات للوفاء بالمعايير المالية الدولية، واللحاق بالأسواق الرأسمالية.

ومن الراجح أن تتكثف الضغوط البشرية على المصادر البشرية، في الوقت الذي يخلق فيه التطور التنموي أنواعاً جديدة من الوظائف. وفي هذا السياق، أشار كيران كارنيك رئيس »تاسكون«، هيئة صناعة تقنية المعلومات الهندية الى أن اعضاءها مضطرون لخوض معارك شرسة جرياً وراء كوادر بشرية تغريها فرص النمو في قطاعات مثل الصيرفة والخدمات المالية.

أما العامل الثالث، فهو أن قاعدة الكفاءات المتوفرة في كل من الصين والهند، هي أصغر مما تبدو عليه. نظراً لاعتبارات منها انعدام التكافؤ بين الكفاءات، والاختلال البيّن بين الكم الهائل والنوعية العالية. ففي كلا البلدين، هناك قلة قليلة من مراكز التفوق الاكاديمي تبرز من بين العدد الهائل من المؤسسات العلمية الأقل شهرة.

وأظهرت دراسة لجامعة ديوك، أن الدرجات العلمية التي حصل عليها قرابة مليون مهندس خريج جديد، في الصين والهند عام 2004، كانت أقل مطلبا مما كانت عليه في الولايات المتحدة وكانت مؤهلات البعض لا تسمح لهم بأن يكونوا أكثر من مجرد فنيين.

ولقد أفرزت الولايات المتحدة، بالنسبة لعدد سكانها، درجات علمية في علوم الكمبيوتر وتقنية المعلومات والهندسة، اكثر بـ 55 في المئة عن الصين، وأكثر بأربع مرات تقريبا من الهند. والصين تعلم علم اليقين، انها مطالبة ببذل جهود مضاعفة، فهي فضلاً عن زيادة المدخلات الجامعية، تهدف إلى تحويل 12 جامعة إلى مؤسسات نخبوية تضاهي جامعات اكسفورد وغيرها من الجامعات العريقة.

على النقيض من الهند، التي تميل الى الاغراق، مصرّة على قبول الكليات الجامعية النخبوية لمزيد من الطلبة من الطبقات الدنيا، بدلاً من الاعتماد كليا على الجدارة. وعلى الصعيد ذاته، وجدت دراسة قامت بها مكنزي، أن ربع المهندسين في الهند، وعشرهم في الصين، يمتلكون الكفاءة المناسبة للعمل في الشركات متعددة الجنسية، وبينت مواطن الضعف، ومنها ضعف الاتصال، ومهارات فريق العمل في الصين.

وعدم اجادة اللغة الانجليزية والمقاربة النظرية الزائدة، والمتعالية. ولاغراض ذاتية محضة، تعكف الشركات متعددة الجنسية في الصين، على توفير دورات تدريبية محلية خاصة، بهدف اكسابهم ملكات السرعة. كما قامت شركات تقنية المعلومات في الهند، بانشاء ما أسماه »كارنيك« »مدارس تكميلية«، تقوم باعطاء دورات تدريبية مدتها ستة اشهر، غير ان مثل تلك المبادرات، يمكن ان تخلق مشاكل خاصة بها، وتحديدا مخاطر تدريب الكوادر العاملة، من قبل مشغلين، غير مستعدين للاستثمار في برامجهم التدريبية الخاصة، وهي ليست بديلة للجهود المبذولة لتوسعة وتطوير التعليم الجامعي.

وهي ليست بالمشاكل العصية على الحل. غير ان الحلول تستغرق وقتاً حتى تؤتي أكلها. فالمؤسسات العالمية، لا تبنى بين عشية وضحاها، هذا بالاضافة إلى أن التحديات في البلدين. تختلف عن الأخرى. فالصين تمتلك الادارة السياسية للعمل بيد أنها تفتقر للفهم الحسي لما هو مطلوب القيام به.

اما في الهند، فالأمر مختلف تماما، وبات جليا ان البلدين سيتعرضان لضغوط

متزايدة، لسد احتياجاتهما من الكفاءات المؤهلة، ناهيك عن بقية العالم. وثمة حاجة لاعادة تخطيط الحاجات المطلوبة سعيا وراء استكمالها.

ترجمة: وائل الخطيب