للهندسة تحديدٌ له نتائج خطيرة من السعادة الإنسانيّة ونوعيّة ما يحيط بنا.

فعلينا أن ننسى تلك العادة في التفكير بأنّ بعض المباني المفيدة هي هندسة في حين أنّ بعضها الآخر ليس هندسة، وأنّ فئتي المباني يمكن التمييز في ما بينهما بشكل نهائيّ حاسم.

»لقد أدركت قبل الآن أنّ وضع كلّ شيء في الشيء في حين أنّ كلّ شيء هو في الذهن لهو إدراك أخرق وخاطئ«، على حدّ قول »بروست« (Proust). (بروست، 1913-1927: الفصل السادس، ص. 275).

وقد كانت غرفة »بروست« ذات الخطوط الفلّينيّة أشبه بسَحابَةٍ، تمّ فيها المحافظة على جو معيّن دقيق كلّ الدقّة، حتّى عندما أُدخِلَت إليها الحوادث التافهة من حياته السابقة في المجتمع البرجوازيّ الأنيق (كحوادث ذهنيّة)، خلّفت وراءها ذيولاً وهميّة واهنة الضياء معلّقة في الجوّ.

أمّا المباني فهي أشياء صلبة، ولا شكّ في ذلك، ولكنّها ليست بذاتها هندسة.

فالهندسة هي »شيء من الذهن«. وللتوضيح أكثر، فقد يقول أحد ما: »إنّ ذلك المبنى يولِّد في نفسي إحساساً بفنّ الهندسة«.

وقد يبدو ذلك من الغرابة بحيث لا نقوله بشكلٍ عاديّ، ولكنّ الهندسة في فكر من يتأمّلها كما أنّ الجمال فيه، ولقد كانت على هذه الحال منذ أقلّه القرن الثامن عشر.

وللتوضيح أكثر، فقد يقول أحد ما: »إنّ ذلك المبنى يولِّد في نفسي إحساساً بفنّ الهندسة، إحساساً بالمتعة، متعة المكان«.

متعة المكان: لا يمكن التعبير عن ذلك بالكلمات؛ فهو ما لا يُنطَق به.

إنّه تقريباً نوعٌ من التجربة – »وجود الغياب«؛ إنّه الاختلافات المنبّهة بين ما هو مسطّح وما هو مجوّف، بين الشارع وغرفة جلوسك؛ بين التناسق واللاتناسق اللذين يلقيان الضوء على الحيّز الذي تتمتّع به ميزات أجسامنا: اليمين واليسار، الأعلى والأدنى. فمتعة المكان، إن أُخِذَت حتّى حدّها الأقصى، فهي تميل نحو شاعريّة اللاوعي، تميل نحوه حتّى حافّة الجنون.

وهندسة المتعة تكمن حيثما يتزامن مفهوم المكان وتجربته بشكل مفاجئ، تكمن حيثما تصطدم الأجزاء الهندسيّة وتندمج بسرورٍ، تكمن حيثما تتحطّم ثقافة الهندسة وتُنتهك كلّ القواعد حتّى ما لا نهاية له.

فالهندسة لا تكون مثيرة للاهتمام إلاّ متى تمكّنت من فنّ تشويش الأوهام، من فنّ خلق نقاط تغيُّر تنطلق وتتوقّف في أيّ وقت.

فمتعة الهندسة لا تُمنح إلاّ متى حقّقت الهندسةُ توقّعاتِ المرء المكانيّة، ومتى تضمّنَتِ الأفكارَ، المفاهيمَ والنماذجَ الهندسيّة بذكاء، وابتكار، وحنكة وسخريّة.

ومن أجل بلوغ تلك المتعة في مدننا العربيّة، من أجل فهم عقدة ما هي الهندسة، أوجّه دعوة إلى كلّ مطوّري العقارات ليدرسوا فلسفة »القناع«.

ولعلّك تتساءل: الهندسة والأقنعة؟

إنّ عناصر الهندسة: من واجهات، فقناطر، إلى مربّعات... تضع حجاباً بين ما يُفترض أنّه الواقع والمشاركون فيه (أي أنت وأنا).

فما إن تكشف عمّا يكمن وراء القناع، حتّى تجد نفسك أمام قناع آخر. ويشير الوجه الحرْفيّ للتنكّر (الواجهة، الشارع) إلى أنظمة أخرى من المعرفة، طرق أخرى لقراءة المدينة: فالأقنعة الرسميّة تخفي الأقنعة الاجتماعيّة الاقتصاديّة، في حين أنّ الأقنعة الحرْفيّة تخفي الأقنعة المجازيّة. فالأقنعة تخفي أقنعة أخرى؛ وهي بالتتالي تضعُ حجاباً لتكشفَ عنه، تقلّدُ لتخفيَ. ووراء كلّ الأقنعة تيّارات مظلمة وغير واعية لا يمكن فصلها عن متعة الهندسة.

قد يمجّد القناعُ المظاهرَ. غير أنّه، بوجوده، يقول إنّ في خلفيّتها شيئاً آخر.

فيا مطوّري العقارات، اجعلوا من »كارنفال البندقيّة« توجّهكم التالي قبل أن تعلنوا القيام بمشاريع أخرى في مدننا؛ لعلّكم تدركون وتختبرون مفهوم الأقنعة علّكم توقفون كارنفال البشاعة: ذلك الذي تسمّونه بكلماتكم الهندسة، لأنّ للكارنفالات قواعد...وحتى للبشاعة قواعد.