بعد أشهر طويلة على مشاركته الناجحة في عدد من المهرجانات السينمائية المختلفة، عُرض الفيلم الوثائقي «أن تكون أسامة» للمخرج اللبناني محمود قعبور للمرّة الأولى في بيروت في نهاية مايو الفائت، في «الجامعة اللبنانية الأميركية»، علماً أنه سيُعرض على شاشة المحطّة التلفزيونية الفضائية «العربية» في العشرين من يونيو الجاري، السابعة مساء بتوقيت دبي.
يُسلّط الفيلم الضوء على علاقة العربي والمسلم بالواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي في الغرب، إثر الاعتداء الإرهابي على واشنطن ونيويورك في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وذلك من خلال ستة شباب عرب مهاجرين في كندا صدف أن أسماءهم الأولى هي أسامة، مما أدّى إلى مواجهتهم مشاكل مختلفة، بسبب الاسم الذي بات يثير الرعب والكراهية في الغرب، بعد اعتراف زعيم تنظيم «القاعدة» أسامة بن لادن بهذه الجريمة البشعة.
في الفيلم، يروي هؤلاء الشباب معاناتهم الإنسانية بسبب هذا الاسم، في مجتمع غربي لا يزال يعيش تحت وطأة المأساة والخراب. يسرد كل واحد منهم جزءاً من الحكاية العامّة، أثناء سرده قصّته الشخصية التي مزج فيها فصولاً من هجرته إلى الغرب، ولحظات إنسانية تسلّط الضوء على علاقاته المتنوّعة بوطنه ومجتمعه وبيئته وناسه، وأيضاً بالمجتمع الغربي والتفاصيل السياسية والاجتماعية والثقافية التي اختبرها في غربته، والتي ازدادت حدّتها بعد هذا التاريخ المشؤوم.
كأن الفيلم لم يعد مجرّد توثيق بصري لجانب من المعاناة العربية والإسلامية الجديدة، بقدر ما أعاد رسم ملامح الفرد العربي في مساره الحياتي والإنساني. أو كأن النمط الفني المعتمد في «أن تكون أسامة» تحرّر من تقنيته المبسّطة في تصوير المشاهد، كي يعيد التقاط النبض الحياتي لأناس محاصرين بالخوف والتمزّق.
أمضى محمود قعبور ثلاثة أعوام متتالية لإنجاز هذا المشروع، منذ بداية بحثه عن شباب عرب ومسلمين يحملون اسم «أسامة»، حتى عرضه التلفزيوني الأول في كندا (إنتاج كندي). بلغت تكاليفه 350 ألف دولار كندي (أي ما يُعادل 300 ألف دولار أميركي). شارك في عدد من المهرجانات، وفاز بجوائز عدّة من «مهرجان الشباب السينمائي» في أوتاوا ومهرجان «بيغ مادي» (اسم لنهر المسيسيبي) و«مؤتمر الجامعات السينمائية» في الولايات المتحدّة الأميركية.
ورُشّح لجائزة أفضل عمل لمحاربة العنصرية في كندا، وهي جائزة غير سينمائية تُمنح عادة لأي جهد ثقافي أو اجتماعي يُقام في هذا المجال.في العام ألفين، تخرّج محمود قعبور من إحدى الجامعات الكندية، وعمل لفترة في المطاعم. ثم وقعت جريمة الحادي عشر من سبتمبر: «طُلِب منّي مراراً أن أغيّر اسمي. بدأت أتنقّل من عمل إلى آخر.
ذات مرّة، غفوت أمام شاشة التلفزيون، لكني استيقظت فجأة على وقع ترداد اسم أسامة بن لادن على محطة «سي أن أن» عشرات المرات في دقائق قليلة. قلتُ في نفسي: اسمي محمود، أتحدّث اللغة الإنجليزية بطلاقة، ومع هذا حدث ما حدث لي. تُرى، ما الذي يُمكن أن يواجهه كل من يحمل اسم أسامة؟ قرّرت أن أترك كل شيء، وأبدأ البحث عن أناس يحملون اسم أسامة. نشرتُ إعلانات في أمكنة متفرّقة، طالباً من «هؤلاء» الاتصال بي.
هذا ما حدث. وهكذا نشأت فكرة فيلمي الوثائقي هذا». أضاف قعبور أن أسلوبه في العمل الوثائقي يرتكز على البحث عن أناس يرى أنهم قادرون على التحدّث في موضوع خطر على باله سابقاً، وأراد تحقيق فيلم عنه: «في خلال عام واحد فقط، تعرّفت على سبعة عشر شخصاً يحملون الاسم نفسه (أسامة). تحدّثت مع كل واحد منهم على حدة، وكتبتُ عنه مراراً، إلى أن اخترت ستة أشخاص فقط شكّلوا مادة الفيلم. بينهم فروقات واسعة جداً، ومهمّة للغاية: أحدهم يشرب الشمبانيا، آخر يلعب كرة السلّة، الثالث يعمل في مدرسة دينية، الرابع موسيقي بشعر منفوش وعينين خضراوين، وهكذا
. أردتُ أن أكسر الصورة النمطية عن العرب في الخارج، باختياري هؤلاء الأشخاص الذين يختلفون عن بعضهم البعض، وباعتمادي طريقة في التوليف تقدّمهم بأشكال متنوّعة. فالفكرة تتجاوز مسألة التحدّث عن الاسم وأسراره إلى ما هو أبعد منها، أي إلى التعمّق في تفاصيل حياتية تقدّم صورة حيّة عن واقع إنساني واجتماعي يناقض الصورة النمطية للغرب ونظرته المسبقة عن العرب والإسلام: من عرس إسلامي إلى حفلة اجتماعية يشرب المدعوون إليها الشمبانيا، مروراً بلعبة كرة السلّة والتمارين الخاصّة بالعزف الموسيقي إلخ»..
من ناحية أخرى، قال محمود قعبور إنه لا يكتفي بالحديث عن الشباب الستة في الفيلم، «بل عن الجالية العربية ككل. لعبت على فكرة الأضداد، وعملت على إخراج المختلف عند كل واحد منهم، في التوجّه أو التفكير أو أسلوب العيش والحياة. أردتُ أن أُقدّم صورة حيّة عن الواقع: لا يوجد شخصان عربيان يشبهان بعضهما البعض. نحن نعرف هذه الاختلافات في لبنان والعالم العربي، لكن الغرب يُعمّم كثيراً حين يستخدم كلمتي (عربي) و(مسلم).
هذا التعميم ضار جداً، لأنه يطال الأشخاص في يومياتهم، أي في وظائفهم وحياتهم وعلى الحدود..».. ورأى قعبور أن استعماله اسم «أسامة» مفتاحٌ لتناول مواضيع عربية: أسامة العراقي وآثار الحروب التي عاشها وجوانبها، أسامة اللبناني يروي شيئاً من الحرب اللبنانية التي أجبرته على الهجرة إلى كندا منذ عشرين عاماً، أسامة العلماني «أداة لي لتناول معاناة الفنان العربي واضطراره للسفر إلى الخارج بحثاً عن ذاته. إذاً، ظلّ الاسم مفتاحاً، تماماً كما فعل الغرب بجعله اسم أسامة مفتاحاً.
لكن الفرق بينه وبيننا، كامن في أن الغرب استخدمه لتوجيه التهم إلينا، في حين أننا استعملناه لتقديم صورة حقيقية عن واقع إنساني بحت». لهذا السبب ربما، «بات الفيلم وثيقة تعليمية في أوروبا وأميركا (كما قال قعبور)، تشرح للغرب أموراً متنوّعة عن الجالية العربية، خصوصاً بعد الحادي عشر من سبتمبر وظروفها».
أضاف قعبور: «عُرض الفيلم في مدارس ثانوية عدّة في كندا، وسألتُ التلاميذ عمّا يخطر على بال كل واحد منهم حين يُلفظ اسم أسامة، أو أي اسم عربي آخر، أو تعبير «جالية إسلامية». أخبرني كثيرون منهم أن فكرتهم عن العرب كانت بعيدة جداً عن الحقيقة، وأنهم لا يعرفون من أين جاءتهم الصورة التقليدية المسبقة عنهم».
وانتهى إلى القول إن احداً في البداية لم يرغب في التحدّث عن أسامة: «الفكرة غريبة، توحي أن المشروع ليس أكثر من «تلفزيون الواقع». أمضيت شهورا عدّة لتوطيد العلاقة بيني وبين هؤلاء الشباب الستة، ولبناء الثقة. فيما بعد، سارت الأمور بشكل حسن».
بيروت ـ نديم جرجورة