متعة بصرية متفوقة وأداء هزيل لسيناريو فاشل

«بوسيدون».. سفينة «الإله الإغريقي» أغرقت مخرجها

صورة

رغم الإمتاع البصري، والمشاهد المنفذة بطريقة عالية الجودة، والمؤثرات الصوتية الفائقة؛ فإن المخرج «وولفغانغ بيترسون» سقط بالضربة القاضية في فيلمه الجديد «بوسيدون» إنتاج 2006م، بطولة: جوش لوكاس، كورت راسل، ريتشارد درايفوس والنجمة الشابة إيمي روسوم.

حيث بدا الأداء هزيلاً، ولم يكن السيناريو والحوار الذي كتبه «مارك بروتوسفيتش- صاحب فيلم الخلية الأكثر إمتاعاً مع النجمة جنيفر لوبيز»، بمستوى القصة والتصوير الجميل للمشاهد.

فيلم السفينة «بوسيدون» يحكي قصة مجموعة مسافرين في سفينة عملاقة تنطلق من لندن قاطعة المحيط الأطلسي بنية الوصول إلى نيويورك، وتتعرض لموجة «تسونامي» غير متوقعة في ليلة رأس السنة، وتغرق بطريقة مأساوية ولا ينجو منها سوى بضعة ركاب حالفهم الحظ.

وهذا الفيلم هو النسخة الثانية لفيلم حمل نفس الاسم وتم إنتاجه في عام 1972م وأخرجه «إيروين آلن»، ولكن الحظ بدا بعيداً عن مخرج نسخة 2006م، حيث حاز نظيره السبعيني على عدة جوائز أوسكار عن فيلمه، بينما انهالت سهام النقاد في نيويورك على مخرج الفيلم الجديد لتطيح به من شاهق.

ويبدو أن مخرج الفيلم «وولفغانغ بيترسون» هو الغارق الوحيد في مأساة السفينة «بوسيدون»، وهو الذي أمتعنا من قبل بعدة أفلام ناجحة كفيلمي: العاصفة المثالية والمركب، ولكن الكوارث التي تخصص «بيترسون» في إبداعها وتنفيذها أضحت في هذا الفيلم كارثة حقيقية عليه، وانقلب السحر على الساحر.

تظهر المشاهد الأولى للفيلم سفينة الحدث «بوسيدون» في ليلة صافية انتثرت نجومها كما اللؤلؤ في ليل أسود كشعر الغجريات، وأجاد فريق التصوير في اختيار زوايا ولقطات السفينة والبحر من جميع جوانبها، وساعدهم في ذلك تصويرهم في ليلة اكتمل فيها القمر ليلقي بأنواره الممتدة بين أفق البحر والسماء.

وتنتقل الكاميرات إلى داخل السفينة في لقطات تشويق بدأً من صالة الاحتفالات التي اعتلت منصتها مغنية جميلة الصوت وضيوف متأنقين زادتهم روعة المكان وأبهته وسعته حبوراً، وتم تنفيذ ديكور السفينة من الداخل بطريقة راقية فاقت تنفيذ ديكور «تايتانيك».

ووسط قصص فردية لأبطال القصة وتشابك في العلاقة التي ستبدو بعد لحظات مصيرية، تنتقل الكاميرا وسط سكون الليل والبحر، ليأتي صوت من بعيد يهدر كجيش مغولي حين يغزو المدن، وتظهر موجة «تسونامي» في الأفق تطوي البحر طياً وتحجب القمر في مشهد يعتبر أجمل ما تم تنفيذه في أفلام الكوارث والمغامرات لغاية الآن.

تنقلب السفينة رأساً على عقب؛ ويفيق ركاب السفينة المحتفلون برأس السنة على وقع الكارثة، حيث تبدأ فصول جديدة من الكارثة، ويتساقط الركاب من أعلى السقف الذي كان قاعاً قبل لحظات، في مشاهد تشعر المرء بأنها حقيقية؛ إلى الآن والفيلم يسير بجمالية وخطى إخراجية ثابتة ويتوقع المشاهد أن تستمر وتيرة الأحداث بنفس التصاعد والتناغم الفني.

ولكن يحدث العكس، بعد انطلاق المقامر المحترف «ديلن جونزـ الممثل جوش لوكاس» بمجموعة من الأشخاص ليفلتوا من الكارثة المحتملة عبر الصعود إلى أعلى عبر غرفة المحركات، وتضم مجموعته رئيس بلدية نيويورك السابق «روبرت رامزي ـ الممثل كورت راسل» وابنته «جنيفرـ الممثلة إيمي روسوم» وخطيبها «كريستيان ـ الممثل مايك فوغل».

ورجل أعمال محبطا «ريتشارد نلسون ـ الممثل ريتشارد درايفوس» وأربعة مسافرين آخرين جمعهم القدر، وتبدأ المهزلة الحقيقية للفيلم وسط أداء لا يقارن حتى بأداء ممثل مستجد يقف أمام الكاميرا لأول مرة، أما الحوار فقد بدا أقرب إلى الحوار الجامد وكأنما كتب باللغة الهيروغليفية لأناس ينطقون الفرنسية.

تنطلق المجموعة بقيادة المقامر «جونز» وسط صراع من أجل البقاء وصراع آخر مع الزمن قبل أن تهوي السفينة بأكملها في قاع البحر، وتمر المجموعة بحطام القاعات والردهات للوصول إلى أعلى وتحيط بهم جثث الركاب الآخرين من كل مكان، ولكن أداء هؤلاء النجوم كان أقرب إلى الضحك على ذقون المشاهدين منه إلى الأداء المقنع، ساهم فيه فشل السيناريو والحوار بالوصول إلى الذروة أو حتى إيقاظ المتعة البصرية في المشاهد الداخلية لدى المُشاهدين.

وبدا جلياً ومتوقعاً من سيحظى بالنجاة ومن سيهلك، ولا يحتاج من المشاهد أي ترقب أو ذكاء في معرفة ذلك، وفي النهاية يستطيع المقامر جونز والقلة الباقية من مجموعته أن يهربوا من السفينة قبل تحطمها وغرقها في قاع المحيط، ويمكن استثناء الممثلة «إيمي روسوم» من الأداء السيئ والفاشل الذي أظهره بقية الممثلين، بما فيهم بطلا الفيلم «كورت راسل» و«جوش لوكاس».

السفينة «بوسيدون» أخذت اسمها من الإله الإغريقي الذي يحمل نفس الاسم، وهو إله البحار والعواصف، وهو «بوصيدون» باللغة الأمازيغية، بل انه يظهر في جميع الديانات للحضارات القديمة.

وتم ذكره في كتب أفلاطون على أن معبده يقع في القارة «المفقودة ـ أتلانتس» وأن هذا المعبد قد بني بالكامل من الذهب الخالص، وتظهر صورته في رسوم الإلياذة والأوديسة وهو يحمل رمحاً ثلاثيا بوجه غاضب الملامح، يبدو أن هذا الإله قد غضب فعلاً على مخرج الفيلم وأهاج البحر على فيلمه وسفينته وحطمه ولم يبقِ له من باقية.

وإن كان المخرج يقرأ العربية ـ ونشك في ذلك ـ فنحن نهديه مقطعاً شعرياً من قصيدة للشاعر وئام ملا سليمان لعله يعزيه في فيلمه الغارق: بوسيدون.. يا مغرقي، كما أنت لن أدعك تندثر، ابقَ الهيكلَ الذي نحتته مخيلة زاهدة، تنتهي له في تقاطع المتاهات.. بوسيدون.. لا تتنكر لغضبك ذات زمن، يا من حرّكتَ بحرك وهبطت بي إلى قراره.

أبوظبي ـ محمد الأنصاري:

تعليقات

تعليقات