بالإمكان شراء لوحة الموناليزا الشهيرة لقاء حفنة دولارات فقط من الصين التي ترى التجارة هي الفن من زمن طويل، والآن تغيرت القاعدة وتحول الفن إلى تجارة. سبب ذلك ارتفاع شعبية الفن الصيني المعاصر وأدى انفجار الإبداع الذي تلا الانفتاح الصيني على العالم الخارجي إلى إفراز جيل من الفنانين المبدعين الذين تزداد شعبيتهم ومقتنيات هواة الفن من أعمالهم،
وترتفع أسعار الأعمال الفنية من إنتاج وانغ توانغي الذي يمثل ثورة في الفن الشعبي الذي يحمل روحاً غريبة، وأعمال فانغ ليجون الذي يرسم رؤوساً خالية من الشعر أو يويه منجون الذي يرسم رجالاً يرتسم الحزن على وجوههم.
وتقول صحيفة »نيويورك تايمز« ان صالات مزادات الفن المعاصر تنمو كعيش الغراب في بر الصين الرئيسي والمعارض والصالات العالمية التي أصبحت فجأة تهتم بالفن الصيني المعاصر.
وتهتم بهذا الفن أيضاً صالات المزادات الفنية العالمية. وقد بلغ سعر لوحة صينية من القرن العشرين باعتها صالة مزادات كريستي في هونغ كونغ الشهر الماضي 214 مليون دولار هونغ كونغ (27 مليون دولار أميركي) من بين 150 عملاً فنياً آخر مما يمثل رقماً قياسياً لأعمال الفن الصيني. وبيعت لوحة »رولكس« من إبداع وانغ مقابل أكثر من نصف مليون دولار أميركي، أي أكثر من سبعة أضعاف تقديرات ما قبل البيع.
وباعت صالة مزادات سوثبي نيويورك في مارس الماضي لوحة من إنتاج تشانغ شياو فانغ مقابل مليون دولار. وتنوي شركتا المزادات كريستي وسوثبي زيادة الأعمال الفنية الصينية المعاصرة المعروضة للبيع للوفاء بالطلب المتزايد عليها.
وتقع قرية الرسم الزيتي إلى جوار هونغ كونغ في مدينة دافن البعيدة عن المزادات العلمية لكن الفن تجارة في هذه المدينة أيضا، لكنه فن من نوع مختلف، ويوجد في قرية الفن الزيتي التي تصل مساحتها إلى كيلومتر مربع واحد من البنايات في بلدة بوجي ـ المتاخمة لمدينة تشن تشن ـ نحو 700 قاعة عرض فني.
بعض قاعات العرض مفتوحة ويتكدس فيها الأعمال الفنية، وبعض الصالات الأخرى مغلقة ومكيفة وتحمل حوائطها اللوحات الفنية في براويز أنيقة ويستطيع الزائرون طلب ان شيء من الأعمال المعلقة أو غيرها في المخازن وتقع المناظر الأوروبية الطبيعية إلى جوار صور الحيوانات والمشاهد الصينية،
إلى جوار أعمال أوروبية شهيرة مثل الموناليزا. كل الأعمال الفنية مقلدة ومنسوخة باليد بدقة شديدة، وكل منها سعره حفنة دولارات فقط »سعر البرواز 50 سنتا فقط«.
وقد نقلت بلدة دافن وغيرها الكثير خط التجميع الصناعي الفني الى صالات العرض ويقف الفنانون الصينيون أو بالأحرى عمال الفن في صالة خافتة الضوء على حدود بلدة دافن، يرسمون لوحات بالساعات ويعمل ليو تشانغ تشن »27 سنة« مثلا ثماني ساعات، ويرسم نحو 200 لوحة شهريا. ويرسم احيانا بضع نسخ لنفس الصورة في الوقت نفسه قبل ان ينتقل لنسخ صورة جديدة.
وفي »مصانع« فنية أخرى قد ينسخ عمال الفن نفس الصورة، لكنهم يتخصصون في أجزاء أخرى، مثل الأذان أو الأشجار أو الأيدي، وينقل هؤلاء كتب الفن والبطاقات البريدية وصور من الانترنت، وأحيانا يملأون بالألوان مساحات في صورة منسوخة الكترونيا من صورة فوتوغرافية للوحة الأصلية، ومكبرة ومطبوعة على الخلفية القماش التقليدية.
كان ليو يدرس رياضيات قبل ان يمارس هذا العمل، ولم يكن مدربا فنيا وليس لديه النية للعمل في هذا المجال، لكنه يقول ان راتبه الشهري البالغ 1500يوان »188 دولارا أميركيا« جعله يتعلم الحرفة الفنية، ويقول انه يمكنه جمع مال طيب اذا عمل ساعات أطول.
ويقول فانغ يوين من مكتب الحكومة في البلدة ان دافن تضم خمسة آلاف من عمال الفن الذين ينتجون أرخص اللوحات المقلدة فضلا عن 3 آلاف فنان محترف. ويوجد عشر قرى على الأقل تنسخ الأعمال الفنية على مقربة من دافن، يعمل بها نحو 30 ألف شخص.
وكما تسطو الصين على صناعة الملابس والالكترونيات ولعب الأطفال، يحول هؤلاء العمال الفن إلى صناعة إنتاج بالجملة ويدمرون منافسيهم بالأسعار الزهيدة التي تباع بها أعمالهم.
والمستهلكون يشترون هذه الأعمال. يجلس شيموكا هيدتيوش وساداكي رجلا الأعمال اليابانيان على مقاعد صغيرة في الهواء الطلق في صالة تي مي الفنية ويتصفحان مطبوعات أعمال من المدرسة الانطباعية في أحد الكتب، ويضع عمال الفن الصينيون قماش الرسم ويتفاوضون مع رجلي الأعمال اليابانيين حول سعر اللوحات التي يريدان نسخها من الكتاب.
ويقول صاحب قاعة الفن إنه يستطيع إنتاج أعمال مقلدة من إبداع ليوناردو دافنشي إذا طلب منه ذلك، ويفضل سائحون آخرون أعمالاً تظهر فيها الموناليزا مع حروف من اللغة الصينية ولوحة دوار الشمس من إبداع فان جوخ مثلاً، باللون الأزرق. ويشتري رجلا الأعمال اليابانيان لوحة الموناليزا ولوحة العشاء الأخير لدافنشي مقابل 350 يوانا، مع البرواز (الإطار) أيضاً.
وغالبية المشترين يأتون من دول أجنبية مثل الأغنياء الحداثي من روسيا والمجمعات السكنية في فلوريدا التي تشتري هذه اللوحات لتزيين حوائط مداخل البنايات وفنادق في الشرق الأوسط تشتري لنفس الفرص وتجار تجزئة أميركيون وتصدر صالة جي بي يوانغ التي يرأسها يويه وي 15 ـــ 20 حاوية تحمل نحو 8 آلاف لوحة فنية مقلدة شهرياً إلى أميركا.
غير أن هناك مستهلكين من الصين أيضاً من الطبقة المتوسطة يشترون هذه الأعمال، ويقول ليانغ جيانغ مدير صالة فن في »دافن« إن غالبية الأثرياء في الصين لم يتعلموا لسنوات طويلة في المدارس، لكنه عندما يعلق صورة فنية غربية في مكتبه، يظن أن الناس يقولون ان تعليمه راق وعال،
وتزداد أيضاً هواية تزيين المنازل باللوحات الفنية بين أعضاء الطبقة المتوسطة الصينية.ومع تزايد هذه الأعمال الفنية المقلدة، يصبح من الصعب التعرف على مصداقية العمل الفني، وليس من المعروف إذا كان لهذا تأثير سيئ أم جيد على سوق الفن الأصلي.
ترجمة: أشرف رفيق
