رأى محللون أن تنامي المشكلات التي تحيط بمنطقة الشرق الأوسط، وما أثاره ذلك من مخاوف بشأن استقرار تدفق إمدادات النفط من المنطقة، دفع الدول الغربية إلى الاتجاه نحو غرب ووسط إفريقيا باعتبارها المصدر البديل للنفط بعد أن أسفرت عمليات التنقيب والاستكشاف عن ظهور كميات هائلة من النفط في هذه المناطق، ويأخذ هذا الوضع بعده الخطير المتمثل بالصراع القائم بين أميركا والصين للفوز بأكبر حصة ممكنة من الامتيازات النفطية وحول الطاقة.

وخلال السنوات الماضية تحولت المنطقة الممتدة بين خليج غينيا والسودان إلى ساحة تنافس ضارية بين شركات الطاقة العالمية التي تبحث عن خام نفط عالي الجودة وسهل التكرير وهو ما يتميز به الخام في تلك المنطقة من العالم.

ورغم أن المناخ السياسي في غرب ووسط إفريقيا يبدو أشد ودية واستقرارا مقارنة بالشرق الأوسط فإنه لا يمكن التنبؤ بتطورات الأحداث في قارة إفريقيا بشكل عام في ظل تعدد بؤر التوتر السياسي والعرقي فيها وانتشار الجريمة والفساد في العديد من الدول المنتجة للنفط.

كما أنه ورغم أن استمرار عمليات التنقيب عن النفط في قارة إفريقيا يمكن أن يؤدي إلى طفرة في التدفقات النقدية على القارة السمراء بصورة لم تحدث من قبل في تاريخها فإن المراقبين يخشون من أن تكون هذه الثروة ( نقمة ) وليست نعمة بالنسبة للشعوب الإفريقية لأنها قد تدعم أنظمة الحكم الديكتاتورية الفاسدة مع استمرار فقر الشعوب.

وبدأ خلال السنوات القليلة الماضية انضمام دول إفريقية أخرى إلى قائمة منتجي هذه السلعة الاستراتيجية مثل الجابون وجمهورية الكونغو والكاميرون وغينيا الاستوائية وتشاد والسودان. وأصبحت موريتانيا أحدث أعضاء النادي النفطي في القارة الافريقية عندما بدأت مؤخرا تصدير كميات تجارية من النفط الذي تستخرجه شركة أسترالية بطاقة وصلت إلى 75 ألف برميل يوميا.

وهناك احتمالات قوية بشأن وجود احتياطيات كبيرة من النفط في الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو التي تطالب بإقامة دولة مستقلة في هذه المنطقة تحت اسم الجمهورية الصحراوية. وبسبب هذا الصراع الحالي فإنه من الصعب استغلال الثروة النفطية في هذه المنطقة من القارة الافريقية والتي تتسم بمزايا إضافية أهمها قربها من سوق الاستهلاك الرئيسي للنفط في أوروبا.

واستثمرت بالفعل الولايات المتحدة عشرات المليارات من الدولارات في قطاع الطاقة بغرب إفريقيا بعد أن ازدادت أهمية القارة الافريقية بالنسبة لإستراتيجية الطاقة الأميركية حيث أصبحت الولايات المتحدة تستورد نحو 15 % من وارداتها النفطية من إفريقيا.

وأصبح قطاع الطاقة نقطة الجذب الرئيسية للاستثمارات الأجنبية المباشرة في إفريقيا حيث تتجه أكثر من نصف هذه الاستثمارات إلى القطاع مع ظهور لاعبين جدد في سوق الطاقة العالمية مثل الصين والهند لمنافسة بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة التي انفردت على مدى سنوات عديدة بالاستثمار في قطاع الطاقة بإفريقيا.

ورغم أن ظهور النفط في أي دولة في العالم يعد خيرا بشكل تلقائي فإن هناك أصوات عديدة تعرب عن قلقها من الأضرار التي يمكن أن تلحق بشعوب هذه القارة الأكثر فقرا في العالم بعد ظهور الذهب الأسود في أراضيها. وترى هذه الأصوات أن ظهور النفط وازدياد الأهمية الاستراتيجية لدول القارة سوف يدفع الدول الكبرى إلى التغاضي عن انتهاكات حقوق الإنسان وفساد أنظمة الحكم في العديد من الدول الافريقية مقابل ضمان استمرار تدفق النفط إليها.

ويشكل البعد الأمني الهاجس الأشد حضوراً عند الحديث عن تطور قطاع النفط الافريقي خاصة في ظل وجود العديد من الصراعات العرقية والأهلية في الدول المنتجة من تشاد إلى السودان ومن نيجيريا إلى الكونغو. بالإضافة إلى المخاوف من تسلل العناصر الإرهابية إلى بعض المناطق في القارة التي لا تخضع لسيطرة محكمة من جانب الحكومات المركزية.

ويرى بعض نشطاء حقوق الإنسان أن شركات النفط الغربية تتحالف مع أنظمة فاسدة أو ميليشيات غير قانونية في بعض دول القارة من أجل ضمان تدفق النفط وهو الأمر الذي يهدد مصالح الغالبية العظمى من شعوب القارة الافريقية.

لكن وبعيدا عن حقائق الوضع الداخلي للدول الافريقية فإن القارة ستشهد صراعا حاميا بين الشركات والدول الغربية من جهة والدول المنضمة بقوة إلى سوق مستهلكي النفط وبخاصة الصين والهند من ناحية أخرى.

وقد شهدت بالفعل الفترة الماضية تحركات قوية من جانب الشركات الصينية والهندية من أجل الحصول على حقوق امتياز التنقيب عن النفط في العديد من مناطق القارة الافريقية.

وكانت الخطوة الأحدث في هذا الاتجاه من جانب الصين التي اشترت حصة كبيرة في ثلاث مناطق لإنتاج النفط في أنغولا منتصف الأسبوع الجاري من خلال شركة سينوبيك المملوكة للدولة الصينية.وتتيح هذه الصفقة للصين الحصول على حوالي 100 ألف برميل يوميا من هذه المناطق بدءا من العام المقبل.

وفي كل الأحوال فإن كل الاحتمالات قائمة فيما يتعلق بالآثار التي يمكن أن يتركها تفجر ثروة النفط في إفريقيا سواء بالنسبة لشعوب القارة أو بالنسبة لأسواق النفط العالمية.

( وكالات )