قال محللون إن قضية إمدادات الطاقة وبخاصة النفط والغاز باتت واحدة من أكثر القضايا سخونة على مائدة صناع القرار في العالم. ومضى البعض إلى أبعد من ذلك حيث قالوا إن حالة الندرة النسبية لهاتين السلعتين الاستراتيجيتين هو سلاح ذو حدين إذ انه يمكن أن يهدد بتحولهما إلى لغم يفجر العديد من الصراعات السياسية في العالم من ناحية وإلى حافز للبحث عن مصادر متجددة للطاقة من ناحية أخرى، مما يشير بوضوح إلى أن ملف الطاقة خلط بشكل واضح أوراق الاقتصاد والسياسة.

وبرزت خلال الآونة الأخيرة العديد من المؤشرات التي تدل على ذلك بدءا بتهديدات الكونغرس الأميركي بفرض عقوبات على الدول المنتجة في حال عدم اتخاذها خطوات تؤدي إلى تهدئة الأسواق ومخاوف الدول المستهلكة، وانتهاء بإعلان فنزويلا وإيران تقديم نفط رخيص للفقراء. وفي هذا السياق أكد رئيس لجنة الطاقة في البرلمان الإيراني كمال دانشيار أن طهران تفكر بإعطاء نسبة مئوية للدول الفقيرة من عائدات البترول أو بيع النفط لها بأسعار منخفضة.

وقال إن »تغيير أسعار النفط وخفضها أمر غير منطقي، وعلينا أن نبيع النفط بالأسعار العالمية ونساعد الدول الفقيرة بإعطائها نسبة من عائدات النفط. وظلت أزمة الطاقة العالمية تتفاعل وتتجمع نذرها تحت السطح على مدى العقود الماضية دون أن يشعر بها المستخدمون العاديون في المنازل التي تحتاج إلى زيت التدفئة أو السيارات التي تعمل بالبنزين،

لكن خلال الفترة الأخيرة بدأت علامات الأزمة تظهر بوضوح وربما كان أبرز تجلياتها ارتفاع أسعار البترول إلى أكثر من 70 دولارا للبرميل وما استتبعه من ارتفاع مماثل في أسعار البنزين في محطات الوقود.

ويرى الخبراء أن العديد من العوامل المساعدة ساهمت في تعميق الشعور بالأزمة النفطية في العالم منها الحرب في العراق وأزمة الملف النووي الإيراني، إضافة إلى أزمتي دارفور في السودان وعمليات خطف العاملين في قطاع النفط بنيجيريا.

وبالفعل بدأت وسائل الأعلام ومراكز الأبحاث الغربية تتحدث عن الصراع العالمي المنتظر من أجل تأمين إمدادات الطاقة للدول الكبرى فتحدثت وسائل الإعلام الألمانية عن »الحرب الباردة« الجديدة بين روسيا والدول الغربية بشأن إمدادات الطاقة وكتب الصحافي الأميركي توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية يقول »اتجاه أميركا لاستهلاك أكبر قدر من الوقود يصب في النهاية في صالح هؤلاء الذين يريدون تدميرها«.

وفي يوليو المقبل تستضيف روسيا لأول مرة وفي مدينة سان بطرسبرغ التاريخية قمة مجموعة الدول الثماني الصناعية الكبرى حيث تأتي قضية الطاقة على رأس جدول أعمال القمة التي يشارك فيها قادة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا واليابان بالإضافة إلى روسيا وعدد آخر من قادة الدول المدعوين للمشاركة بصفة مراقب.

وقبل أسابيع من تلك القمة يشهد الاتحاد الأوروبي تحركا مكثفا من أجل التوصل إلى إستراتيجية موحدة للتعامل مع قضية الطاقة بحيث يمكن لدول الاتحاد المشاركة في القمة طرح رؤية واضحة المعالم بشأن سبل تأمين إمدادات الطاقة للقارة الأوروبية التي تعتمد على الاستيراد لتلبية الجزء الأكبر من احتياجاتها في مجال الطاقة.

وينتظر المراقبون أن تطرح الدول الأوروبية اتفاقية للتعاون في مجال الطاقة مع روسيا أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى أوروبا وبدء محادثات مع الصين ثاني أكبر مستهلك للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة.

وكانت روسيا وهي ثاني أكبر مصدر للنفط إلى أوروبا وتورد 25 % من إمدادات الغاز الأوروبية قد استعرضت عضلاتها في مجال الطاقة خلال الشتاء الماضي أثناء أزمتها مع أوكرانيا وما أدت إليه من نقص حاد في إمدادات الغاز إلى أوروبا الغربية الأمر الذي أثار المخاوف من لجوء موسكو لاستغلال ثرواتها في مجال الطاقة لتحقيق أغراض اقتصادية.

وفي ظل هذه الظروف اختلط ما هو سياسي بما هو اقتصادي في ملف الطاقة حيث ساندت الولايات المتحدة مشروع إنشاء خط أنابيب لنقل النفط المنتج من منطقة بحر قزوين إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط لتقليل اعتماد المنطقة على النفط الايراني. وفي الوقت نفسه تقليل اعتماد دول بحر قزوين على روسيا باعتبارها الممر الوحيد لنفط هذه الدول إلى أسواق الاستهلاك في أوروبا.

وفي المقابل فإن الصين التي تسعى بكل قوتها من أجل تأمين إمدادات الطاقة في المستقبل تتحرك بكثافة في المناطق البعيدة عن دائرة الاهتمام الأميركي بما في ذلك إيران وقارة إفريقيا من خلال ضخ استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة هناك.

وينطبق الأمر على الهند التي تسابق الزمن من أجل إيجاد موطئ قدم لها في مناطق إنتاج النفط والغاز بالعالم الأمر الذي جعلها تتغاضى عن أي اعتبارات أخرى. فنيودلهي تسعى إلى تطوير علاقاتها مع مينامار التي تمتلك احتياطيات نفط كبيرة رغم غياب الديمقراطية وحقوق الإنسان فيها. كما أنها حريصة على مد خط أنابيب الغاز من إيران إلى الهند عبر باكستان رغم الاعتراضات الأميركية.

وانطلاقاً مما سبق يمكن القول إن العالم يقف الآن على صفيح ساخن بسبب أزمة الطاقة التي يتوقع المراقبون أن تشتد إذا لم يحدث تطور مفاجئ وكبير من خلال إيجاد مصادر بديلة ومتجددة للطاقة يمكنها أن تقلص الاعتماد العالمي على النفط والغاز.

(الوكالات)