عندما تستخدم المؤسسات الحكومية أينما كانت في أنظمتها المالية الأساس النقدي، أو الأساس النقدي المعدل، لقياس وقت تحقق الإيرادات والنفقات ووقت تسجيلها ولإظهارها في تقرير الحساب الختامي شيء عادي، أما وان تقوم حكومة دبي بسبق العديد من الدول ومنها المتقدمة بتبني عملية التحول من الأساس النقدي المعدل إلى أساس الاستحقاق في أنظمتها المالية كنظام محاسبي بديل وفعال إيمانا منها بأهمية التغيير والتطوير ومواكبة التطورات الاقتصادية المتسارعة واتخاذ القرارات الجريئة والتخطيط للمستقبل وبناء الأجيال وتحميلهم مسؤوليات قيادية،
بالإضافة إلى تكريس دور وأهمية الإدارة وأهمية الاعتماد على تنويع مصادر الدخل، ومطالبة الدوائر الحكومية بعمل ميزانيات سنوية وقوائم للتدفقات النقدية وقوائم للدخل بحيث تبين النفقات العامة والإيرادات العامة والمحافظة على المال العام من سوء الاستعمال أو الاختلاس أو الضياع،
ومن اجل أن تكون عملية المقارنات مبنية على أسس سليمة وان تكون نتائج موازنة البرامج والأداء ذات مفعول بحيث ينعكس ذلك على تحقيق الرقابة ورسم السياسات المالية وبالتالي التحسن في أداء الدوائر الحكومية وتحقيق الوفر (الأرباح) أو على الأقل تحقيق الاكتفاء الذاتي مع الأخذ بالاعتبار طبيعة عمل كل دائرة من حيث تقديم الخدمات، يعد مثل ذلك التحول إنجازا كبيرا ومهما ويسجل للدائرة المالية في حكومة دبي تبنيه والإشراف عليه.
وعملية التحول إلى نظام الاستحقاق في الدوائر الحكومية ليست بالعملية السهلة فهي تحتاج إلى وضع العديد من السياسات المحاسبية بحيث تتلاءم مع النشاطات المختلفة لكل دائرة حكومية وبحيث لا تتعارض مع المبادئ المحاسبية المتعارف عليها عالميا ومحليا، ويتطلب ذلك توحيدا في تسمية الحسابات والالتزام بتطبيق السياسات المحاسبية حالها كأي شركة تجارية تفصح عن سياساتها المحاسبية لكل ذوي العلاقة،
ففي ظل استخدام أساس الاستحقاق سيتم تحميل السنة المالية بكافة النفقات والإيرادات المحققة بغض النظر عن موعد الدفع أو القبض الفعلي، وسيمكن هذا الأساس الدوائر الحكومية من مقابلة الإيرادات مع النفقات وإجراء مختلف المقارنات بين السنوات المختلفة، فهو يظهر نتائج الأعمال بصورة واقعية والمركز المالي لكل دائرة بصورة عادلة،
بعكس الأساس النقدي او النقدي المعدل الذي يقوم على فكرة أن الإيرادات تتحقق عند قبضها وأن النفقات تتحقق عند دفعها بغض النظر عن الفترة المحاسبية التي تخص كلا منهما سواء كان متعلقا بفترة سابقة أو لاحقة. وعلى الرغم من سهولة فهم وتطبيق الأساس النقدي المعدل إلا إنه لا يصور المركز المالي بشكل صحيح حيث يتجاهل رصد الإيرادات المستحقة والمصاريف المدفوعة مقدماً.
وقد يستغرق إغلاق السنة المالية وإصدار تقارير القوائم المالية في أساس الاستحقاق مدة أطول نظراً لعمليات الجرد وتقييم الموجودات، إلا أنه سيؤدي إلى التمييز الواضح بين النفقات الإيرادية والرأسمالية مع بيان إهلاكات الأصول، والاهم من ذلك إثبات الأصول والموجودات بمختلف أنواعها وأشكالها بقيمها الحقيقية من خلال تكوين مخصصات الاستهلاك والاحتياطيات مما يسهل من إجراءات الرقابة والتقييم واعادة بناء السياسات المالية وقياس العائد ونفس الشيء تسجيل واثبات المدينين.
وما يزيد من أفضلية التحول إلى أساس الاستحقاق أنه يساعد على تقييم الأداء المالي للدائرة الحكومية بدقه وشمولية عن طريق حساب تكلفة وحدة النشاط أو الخدمة المؤداة في ظل موازنة البرامج والأداء، والذي سيساهم في ترشيد النفقات وتقليل التكلفة، بل ويعظم الإيرادات ويزيد من حجمها مما سيصب في مصلحة الدوائر الحكومية ومن ثم في مصلحة حكومة دبي، وفي سبيل تطبيق ذلك ستواجه الدوائر الحكومية في المرحلة المقبلة بعض الصعوبات أهمها:
ضرورة جرد وحصر الأصول الثابتة والمخزون السلعي وضبط عملية تقييمها بقواعد وأعمار افتراضية لتقليل عنصر التقدير الشخصي الذي يفتقر إلى الموضوعية في بعض النتائج، تثبيت وحصر أرصدة المدينين وأرصدة الدائنين لكل دائرة حكومية كمرحلة أولى تمهيدا لمطابقتها وحصرها ومصادقتها مع الدوائر المحلية المعنية والمتعاملين معها كمرحلة ثانية وتحقيق ذلك ليس بالأمر السهل،
تتطلب عملية حصر الإيرادات والمصاريف في بعض الأحيان تقدير بنود الإيرادات أو المصاريف وإثباتها بحسابات وسيطة على أن تغلق فعليا في نهاية العام، تقوية نظام الرقابة الداخلي وخلق حسابات جديدة والمتابعة المستمرة على السيولة النقدية لتفادي حدوث أي خلل لوجود بيانات محاسبية مستقبلية قد لا يتم حدوثها إنفاقاً أو تحصيلاً، الدقة في عملية تحميل النفقات والإيرادات للسنة المالية
والمراجعة الموضوعية لها لتفادي أي تضخيم في قيمة المصاريف المستحقة أو تخفيف في قيمة الإيرادات المستحقة وغير المقبوضة، ارتفاع تكاليف التنفيذ من أنظمة وبرامج. ونظراً لحاجة الإدارة في هذا الأساس إلى تأهيل عدد كبير من الموظفين وكذلك الاستعانة بذوي الخبرة والكفاءة وخاصة في السنوات الأولى من تنفيذ برنامج التحول.
إن تطبيق المبدأ المحاسبي في الوقت الذي تشهد الدوائر الحكومية في إمارة دبي منافسات شديدة بينها لتحقيق افضل الخدمات وافضل التجارب وافضل استخدام للأساليب والبرامج الإلكترونية في أدائها وخدماتها ويظهر ذلك من خلال إلزامية مشاركتها في برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز،
ذلك البرنامج الذي يسلط الضوء على كل متميز كما يسلط الضوء نفسه على كل مقصر، يجعل التناغم بين تطبيق المبدأ المحاسبي الجديد وتحقيق نتائج متميزة في برنامج الأداء الحكومي المتميز كبيرا.
فان استطاعت أية دائرة حكومية تحقيق وفر (أرباح) سنوية بسبب تطبيقها لسياسات محاسبية مبنية على أساس الاستحقاق، أو حصولها على افضل النتائج من حيث تقديم الخدمات بسبب تطبيقها لمعايير برنامج دبي للأداء الحكومي المتميز، تكون بذلك قد عكست فوائد البرنامج من ناحية ونتائج التحول للأساس الجديد من ناحية أخرى.
من هنا نستطيع القول ان تطبيق اساس الاستحقاق في المحاسبة الحكومية لا بد ان يكون ضمن خطة لتطوير وتحديث النظام المحاسبي بكامله وتطوير الادارة المالية الحكومية وحماية موجودات الامارة وتحقيق الكفاءة والفعالية في ادارة الاموال العامة.
أخصائي مالي
Mohd9009@eim.ae