تعتبر الموارد البشرية من أهم الركائز الأساسية التي تعتمد عليها التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فالجامعيون في ظل اقتصاد السوق هم في حيرة من أمرهم بعد تخرجهم، وإحدى الخصائص الهامة لعصرنا المعلوماتي اشتداد التنافس على اختيار نوع العمل، ونوع القطاع،
وقد أدت الزيادة في أعداد الطلاب المقبولين في الجامعات إلى زيادة حدة التنافس بينهم، بالإضافة إلى تدفق الأيدي العاملة وخاصة في بلدان دول التعاون، وإن ما تم دراسته في الجامعات قد لا يتناسب مع متطلبات سوق العمل، مما جعل مشكلة التوظيف أكبر هَمْ للخريجين في معظم البلاد العربية،
وأحيانا تكون فرصة العمل متوفرة، ولكن بعض الخريجين يرفضها لاعتقاده بعدم ملائمة تطلعاته، سواء من حيث مكانته الاعتبارية في المجتمع أو من حيث الاختصاص، وأن شيوع بعض العادات والتقاليد بين ظهرانينا، تنصرف إلى التركيز على أهمية وظيفة معينة دون غيرها لبعدها الاجتماعي والأخلاقي، وهذا يعني أن العائلة تمارس ضغوطاً على أبنائها للتأثير في توجهاتهم العلمية.
وإن شيوع الأمية التطبيقية أو المهنية التي يعاني منها عدد كبير من الخريجين، والتي بسببها يواجهون صعوبات تطبيق ما تم دراسته، والخوف والقلق من مواجهة المهنة لأسباب عدة، منها: عدم قناعته باختصاصه العلمي أو بجدوى تعلمه، أو ضعف في استيعاب المناهج التعليمية أما لصعوبتها أو لكونها روتينية وتقليدية أو عدم رغبته في دراستها.
ومن المشاكل التي يواجهها القطاعان العام والخاص_ في جميع بلدان العالم، سواء كانت تلك البلدان متقدمة أم نامية_ نظاماً يتعلق بتحديد الأجور والرواتب في المؤسسة، إلا إنه في الغالب يكون معدل الرواتب في القطاع العام أعلى في البلدان المتقدمة أو البلدان التي تتمتع بدخول مرتفعة، مما يسبب اتساع الهوة بين معدلات الأجور في القطاع العام وبين تلك المعدلات التي يدفعها القطاع الخاص، بمعنى أنه في حال تحديد الأجر للوظيفة،
يصبح من الضروري تقرير ما إذا كان جميع الأفراد العاملين الذين يشتغلون بالوظيفة نفسها سيتقاضون الأجر نفسه أم لا ؟ تبين من بعض الدراسات أن كثيرا من المنشآت تدفع أجور مختلفة لأفراد يشغلون نفس الوظيفة، وقد يعزى ذلك إلى اختلاف الكفاءة أو إلى الاختلاف الكبير في الإنتاجية،
إذ إن (ماريون ريشاردسون) المستشار في علم النفس الصناعي قال: معلوم أن بعض العاملين ينتج بسهولة ضعفي أو ثلاثة أضعاف عاملين آخرين، وأن العامل الأفضل هو الذي ينتج أحيانا خمسة أو ستة أضعاف العامل الأضعف.
من هنا تأتي أهمية إدارة الأفراد للتأكد من حسن استثمار العاملين في المؤسسة، ولا تستطيع المؤسسة أن تستثمر أفرادها إن لم يكن هناك وضوح في طبيعة الوظائف التي يشغلها جميع العاملين، أي اعتماد آلية لتطوير مناهجها من خلال التحليل الوظيفي للمهن،
فالإشكالية الأساسية لقضية المرتبات والأجور في البلدان العربية تكون واضحة في قطاع الوظيفة العمومية، إذ تتمحور في أن مدخلات عناصر العمل لا يواكبها مدخلات عناصر الإنتاج الأخرى، وأخطر النتائج هو عدم وضوح الصلة بين الجهد والأجور، وبالتالي انخفاض قيمة العمل،
وقد بين (الدكتور محمد التويني) في دراسته المنشورة في مجلة المصارف الكويتية عدد 29 السنة الحالية، بأن: الحكومة الكويتية اتبعت سياسة توظيف وأجور هدفت في جوهرها إلى توزيع الثروة النفطية بين الكويتيين وكان من أخطر نتائج هذه السياسة هو تشوه الصلة بين الجهد (العمل المنتج) والعائد (الأجور) وانخفاض قيمة العمل المنتج لدى فئات عريضة من قوة العمل الكويتية وتركزها في القطاع العام.
كل هذه الإختلالات تحتم ضرورة الإسراع بالقيام بالإصلاحات المالية والاقتصادية المطلوبة بما في ذلك التصحيح الهيكلي (الخصخصة) لبنية الاقتصاد الكويتي، ويذكر أن 90% من العمالة الكويتية تعمل في مؤسسات حكومية وشبه حكومية وبنسب أقل في كل من قطر والبحرين والإمارات، إذ تصل هذه النسب إلى 65-80%،
ونؤكد هنا على أن دور الخريجين في شغل الوظائف يجب أن يكون وفق رؤية واضحة ومحددة لأنهم ليسوا فقط من الموارد البشرية المهمة فحسب، بل قوة محركة دائمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية. لكن توظيفهم أصبح في السنوات الأخيرة مشكلة تعاني منها معظم البلدان العربية، بل أضحى هاجساً يؤرق المعنيين،
فالمشكلة تتركز على نوع المهن ونوع قطاع العمل والمناطق التي يختارها الخريجون، والسعي الدؤوب على وحدات القطاع العام دون غيره لأسباب ذكرت، فمن الطبيعي أن يكون التنافس حادا في ظل هذا الوضع. وتكمن حلول الإشكالية في عدم التمييز بين القطاع العام والقطاع الخاص من خلال وضعه في منافسة غير متعادلة مع القطاعات الأخرى(الأجنبية).
إن حل مشكلة التوظيف هو عملية مشتركة ومتسلسلة بحاجة إلى تعاون جميع الجهات المعنية لوضع آليات واضحة المعالم، ولعل أبرزها الحاجة إلى تطوير المؤسسة التعليمية لتعزيز المواءمة بين مخرجاتها واحتياجات سوق العمل من الموارد البشرية، وتوعية الجامعيين إلى تغيير أسلوب ونمط رغباتهم في التوظيف ليتفاعلوا مع سوق العمل ومعطياته المتغيرة والتي توصف بالمرنة.
ونستذكر في هذا المجال الجهود التي بذلت في دولة الإمارات العربية المتحدة، لتطوير مؤسساتها التعليمية، والتي تمثلت في زيادة أعداد كليات التقنية العليا، بعد ثبوت نجاحها في ربط برامجها ومخرجاتها بسوق العمل واحتياجاته من القوى البشرية.
كما تمثلت في الاستعانة بالهيئات والجمعيات المتخصصة في الاعتماد الأكاديمي وضبط الجودة لتطوير الكليات والبرامج في جامعة الإمارات وغيرها، وإقامة نظام للترخيص والاعتماد الخاص بالجامعات والكليات الخاصة والتي شهدت نمواً في أعدادها وتوسعاً في برامجها. مع التأكيد على تفعيل دور القطاع الخاص والذي يعد أحد المقومات الرئيسة لنجاح المشاريع الحكومية.
وخلاصة القول إن الجهود العملية، والدراسات التطبيقية في مجال التوظيف والأجور والرواتب، أكدت كلها بأهمية تحليل الوظائف وتقييمها أي توضيح ماهية الواجبات والمسؤوليات الخاصة بالوظيفة، وتقدير درجة المهارة، ونوع المقدرة المطلوبة، لمن يشغلها في القطاعين العام والخاص على حد سواء من أجل التوصل إلى نظام تتوافر فيه المبادئ الثلاثة وهي مبدأ العدالة، والمساواة، والكفاية.
باحث اقتصادي
E-mail: Kutaiba @ emirates.net.ae