أحالت عقود الفضة الآجلة المتداولة في بورصة الذهب والسلع دبي إلى مركز لتجارة الفضة، وأضفت هذه العقود المزيد من الجاذبية على عمليات اقتناء الفضة للأغراض غير الاستثمارية، مما ساهم في صعود الطلب على المعدن الأبيض بمختلف فئاته، سواء فيما يتصل بطلب مصنعي المجوهرات أو مستخدمي الفضة للأغراض الصناعية.

وقاد هذا الصعود إلى حدوث تغييرات في الصورة الكلية لتجارة الفضة، بحيث لم يقتصر الانتعاش على الجانب المتعلق بالطلب الاستثماري والذي يجسده الارتفاع الكبير في أحجام التداول على عقود الفضة، بل انسحب إلى التجارة المادية للفضة.

وبهذا، تمكنت بورصة دبي للذهب والسلع من تحدي المقولة التي راجت إبان إطلاقها لعقود الفضة الآجلة والتي أخذت شكل علامة تساؤل يحمل الكثير من الدلالات، وتتمثل في التساؤل عن كيفية إطلاق عقود الفضة الآجلة في وقت يتضاءل فيه حجم سوق الفضة في دبي.

وساقت هذه الآراء مقارنة بين عقود الذهب الآجلة وعقود الفضة الآجلة بأن الأولى تلقت دعما من كون دبي مركزاً لتجارة الذهب في المنطقة، فيما تفتقر الثانية إلى مثل هذا الدعم، وتناست هذه الآراء الحقيقة الجلية أمام الأعين وهي أن دبي تعتبر مركزا لتجارة الألماس في العالم، على الرغم من عدم امتلاكها منجما واحدا لإنتاج الألماس.

نمو تجارة الفضة

ويسلط التقرير الأخير الصادر عن بورصة دبي للذهب والسلع الضوء على الطرف الأول من معادلة سوق الفضة في دبي والمتمثل في التجارة المادية على هذا المعدن الأبيض،حيث جاء هذا التقرير على خلاصة رئيسية مؤداها أن دبي سجلت نموا مؤثرا في تجارة الفضة خلال السنوات الثلاث الماضية.

وتبين الأرقام الواردة في التقرير وجود نقلة نوعية ضخمة في سوق الفضة بدبي، حيث ارتفعت الواردات من 25 مليون دولار فقط في عام 2002 إلى 252 مليون دولار في عام 2005.

أي أنها تضاعفت نحو عشر مرات خلال ثلاث سنوات فقط، كما زادت تجارة إعادة تصدير الفضة من 5 ملايين دولار في عام 2002 إلى 166 مليون دولار في عام 2004، أي أنها تضاعفت ثلاث عشرة مرة خلال الفترة المذكورة.

وجاء القسم الأكبر من هذا النمو من الصعود الضخم في الطلب الاستثماري، وهو ما اتضح جليا في أحجام التداول الكبيرة على عقود الفضة الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع، إذ سجلت هذه العقود التي جرى تداولها في 28 مارس 2006 مستويات قياسية.

وتشير هنا بيانات بورصة دبي للذهب والسلع إلى أن عدد العقود التي جرى تداولها خلال الأيام الأربعة الأولى بلغ 3052 عقدا، أي بمعدل 763 عقدا في اليوم، وبلغ عدد العقود في الأيام الأحد عشر الأولى من شهر إبريل 13702 عقد أي بزيادة نسبتها 63%.

وبلغ عدد العقود في كامل الفترة من 28 مارس حتى 17 إبريل 2006 ومدتها 15 يوما 16754 عقدا أي بمعدل 1117 عقدا في اليوم.

وينسجم هذا الصعود في الطلب الاستثماري على الفضة في دبي مع اتجاهات الأسواق على مستوى العالم، وتفيد هنا أرقام مؤسسة »جي أف أم إس« للاستشارات في مجال المعادن ومقرها لندن أن الطلب الاستثماري على الفضة في العالم قد ارتفع في عام 2005 بنسبة 23% ليصل إلى 47.5 مليون أونصة.

وساهم هذا الصعود في جني الفضة مكسبا سعريا خلال العام المذكور نسبته 10%، وهو الأمر الذي أعطى قوة زخم لأن يسجل المعدن الأبيض ارتفاعات قياسية خلال النصف الأول من العام الجاري، بحيث وصلت الأسعار في شهر إبريل الماضي إلى المستوى الذي كانت عليه في فبراير 1983.

وتضمن الصعود كذلك ارتفاع الطلب الصناعي بنسبة 11% ليصل إلى 409.3 ملايين أونصة وطلب مصنعي المجوهرات ليصل إلى 249.6 مليون أونصة. ومع ذلك تراجع طلب التصوير الفوتوغرافي بنسبة 9% والطلب لأغراض تصنيع العملات بنسبة 4%.

كما قفز الإنتاج العالمي من الفضة بنسبة 3% ليسجل ارتفاعات فائقة جديدة تبلغ 641.6 مليون أونصة، ووفقا لمؤسسة الفضة احتلت جنوب إفريقيا المكانة السابعة عشرة كأكبر منتج للفضة في عام 2004.

وتضم الشركات الأكبر إنتاجا للفضة كل من شركة »بي إتش بي بيلتون« التي تمتلك منجم كانينجتون في استراليا الذي يعد أكبر منجم في العالم وشركة »باريك جولد« الكندية وشركة »ريوتينتو«.

ازدهار الطلب الاستثماري

ويؤكد هذا الصعود في الطلب الاستثماري صواب رؤية القائمين على البورصة باغتنامهم فرصة هذا الصعود لإطلاق عقود الفضة الآجلة، إذ أرادت أن يكون إدراج هذه العقود في ظل سوق يسوده ازدهار الطلب الاستثماري.

وأن يتمشي هذا الإدراج مع الدور الذي خطته البورصة لنفسها بأن تكون مكملة للبورصات العالمية الأخرى، عبر ملء فراغات الزمن بين البورصات في العالم الغربي وتلك الموجودة في شرق آسيا،فضلا عن أنها أرادت أن يتم تصميم العقد على نحو يحقق مصالح صغار التجار وكبار المستثمرين على حد سواء.

وبهذا، اختارت البورصة توقيتا مثاليا في إطلاق تعاملات عقود الفضة الآجلة، بأن جاء هذا الطرح في ظل التصاعد غير المسبوق في الإقبال على المعدن الأبيض والذي بشر بتسجيله الارتفاعات الفائقة التي شهدها في حقبة السبعينات.

كما تؤكد أحجام التداول أن تحقيق هدف البورصة الخاص بوصول متوسط حجم التداول على عقود الفضة الآجلة 20 ألف عقد يوميا بحلول نهاية العام الجاري أي ما يوازي 622 طناً أي حوالي 20 مليون أونصة، يعد هدفا ممكنا وليس مستحيلا.

على اعتبار أن متوسط حجم التداول اليومي على عقود الفضة الآجلة في قسم كوميكس ببورصة نيويورك التجارية يبلغ حوالي 100 مليون أونصة، وهو ما يوازي المتوسط السنوي لحجم الطلب على الفضة لأغراض التصنيع

ولعل ما يدلل على واقعية هذا الهدف الطموح.

حقيقة النجاح الذي حققته البورصة في تعاملات عقود الذهب الآجلة منذ إطلاقها في نوفمبر 2005، حيث حقق تداول عقود الذهب في مارس 2006 مستويات لافتة وصلت إلى 31989 كيلوجراما بقيمة 568 مليون دولار بزيادة نسبتها 400% عن تداولات عقود يناير البالغة 6478 كيلوجراما.

وكل ذلك في فترة لا تتجاوز أربعة شهور منذ بدء عمليات البورصة، ويبلغ متوسط عدد العقود اليومية التي يتم تداولها في البورصة 1750 عقدا.

وجرى تسجيل أعلى معدل تداول في السادس من مارس حيث بلغ عدد العقود 3082 عقدا ونظرا للارتباط الوثيق بين الذهب والفضة فإن إدراج عقود الفضة الآجلة سوف يزيد من حجم التداول في بورصة دبي للذهب والسلع.

ورغم التقلبات التي تشهدها أسعار الفضة، بتراجع أسعار عقود الفضة الآجلة تسليم شهر يوليو في قسم كوميكس ببورصة نيويورك التجارية في يوم 7 يونيو بمقدار 20.5 سنتا أي 1.7% إلى 11.64 دولاراً للأونصة، مسجلة انخفاضا عن أعلى مستوى سجلته على مدي ربع قرن بوصولها إلى 15.20 دولاراً في 11 مايو.

إلا أن الطلب الاستثماري على الفضة ما زال يتمتع بقوة زخم تبشر باستمرار صعود أسعار الفضة، حيث يستمد هذا الطلب الجانب الأكبر من قوته من تبلور اتجاه لتأسيس صناديق استثمارية مدعومة بالفضة.

وتطلع المستثمرون إلى أوعية استثمارية جديدة للتحوط من مخاطر التضخم وتقلبات أسواق العملات وتدني أداء أسواق الأسهم والسندات، وعلى جانب العرض، يعاني مخزون الفضة من النضوب نتيجة لتصاعد الطلب على المعدن الأبيض المدفوع بقوة النمو السريع للطبقة الوسطى في الهند.

وتزايد إقبال المستثمرين، ونمو الطلب الصيني خلال السنوات العشر الماضية من 25 إلى 30 مليون أونصة.

وفي ظل مقومات سوق تدفع السعر نحو الصعود، قفز متوسط سعر الفضة في عام 2005 بنسبة 30%، بينما صعد مؤشر استانداردآند بورز الذي يتألف من أكبر 500 شركة أميركية بنسبة 3% وحققت عائدات السندات الأميركية لمدة 10 سنوات عائدا نسبته 2.8%.

وقد تعزز تصاعد الطلب الاستثماري نتيجة لتبلور اتجاه تأسيس صناديق استثمارية مدعومة بالفضة، حيث حصلت شركة Barclays Global Investors وهي احدى الشركات التابعة لمؤسسة Barclays على موافقة لجنة البورصات وأسواق المال الأميركية بقيد أسهم صندوق استثماري مرتبط بالفضة في بورصة الأسهم الأميركية.

وتلا ذلك، قيام المؤسسة في 28 إبريل بطرح 50 ألف سهم من صندوق »آي شيرز سيلفر ترست« للاكتتاب العام ويمثل السهم الواحد 10 أونصات من الفضة.

وينطوي إطلاق صندوق استثماري مدعوم بالفضة على تأثيرات ضخمة بالنسبة لسوق الفضة نظرا لاتسام السوق بالصغر والمحدودية والتشدد، فضلا عن أن الصندوق يمثل ابتكارا ناجحا في طريقة تملك الأفراد والمستثمرين للفضة مما سيزيد من طلبهم على الفضة.

وقد فتح إطلاق صندوق شركة باركليز كابتال إنفستورز Barclays Global Investors المجال أمام بلورة اتجاه استثماري جديد على مستوى العالم لتأسيس صناديق مدعومة بالفضة في أماكن أخرى من العالم، إذ يتردد في السوق أن هناك صندوقاً استثمارياً مدعوماً بالفضة في طور الإطلاق في دبي.

وفي ظل مقومات سوق تدفع الأسعار نحو الصعود، تثور التقييمات المبشرة بتحقيق المعدن الأبيض مستويات سعرية عالية من شأنها أن تحافظ على قوة الطلب الاستثماري في بورصة دبي للذهب والسلع أسوة بالأسواق العالمية الأخرى.

وتبرز في هذا السياق تقديرات بيتر بارنيس الرئيس التنفيذي لشركة »سيلفر ويتون كورب«،إذ أنه يتوقع أن تصل أسعار الفضة إلى 20 دولاراً للأونصة خلال فترة تتراوح من 5 إلى 10 سنوات.

وأن انخفاض السعر لا يعدو أن يكون سوى عملية تصحيح للأسعار لن تستغرق طويلا، حيث من المتوقع أن يشهد في الربع الأخير من العام الجاري جولة جديدة من صعود الأسعار. وأرجع أسباب هذا الصعود المتوقع إلى حالة الطلب الآخذة في الصعود المتواصل على نحو ما تظهره اتجاهاته خلال العقدين الماضيين.

فرغم تراجع طلب التصوير الفوتوغرافي، إلا أن طلب التطبيقات الصناعية آخذ في الصعود، كما يسهم طلب مصنعي المجوهرات في الحفاظ على قوة الطلب بشكل عام.

مزايا عقود الفضة الآجلة

وبقدر استفادة بورصة دبي للذهب والسلع من قوة الطلب الاستثماري في الأسواق العالمية، فإنها وبالقدر ذاته أتاحت للمتعاملين مزايا حفزتهم على تكثيف أنشطة التداول على عقود الفضة الآجلة. فمن ناحية.

حدد القائمون على بورصة دبي للذهب والسلع ساعات التداول بنحو 13 ساعة في اليوم، بهدف سد الفجوة الزمنية بين التعاملات في سوقي طوكيو ولندن، وتغطية ساعات التداول أسواق الشرق الأقصى وأوروبا والأسواق الأميركية.

وتتيح ساعات التداول على هذا النحو فوائد عديدة للتجار المحليين والمستثمرين الدوليين، يبرز من بينها، تعزيز قدرة تجار الفضة المحليين على التخطيط للمستقبل،حيث أصبح في إمكانهم معرفة حجم إمدادات الفضة في المستقبل، وبالتالي صار في مقدورهم التحوط ضد المخاطر.

خصوصا فيما يتعلق بمخاطر تذبذب الأسعار في سوق الفضة فضلا عن المخاطر الأخرى المتصلة بالتضخم، وتبين الخبرات أن الأصول المالية تتآكل قيمتها في الأوقات الصعبة، في حين تحتفظ المعادن النفيسة بقوتها الشرائية.

ويضاف إلى ما سبق ميزة أخرى، تتعلق بإعطاء التجار المحليين إمكانية التكهن بما سوف يكون عليه السعر في المستقبل، الأمر الذي يتيح لهم امتلاك رؤية طويلة الأجل بشأن مستقبل سعر الفضة.

وفي السياق ذاته، توفر ساعات التداول في بورصة دبي للذهب والسلع ميزة ثالثة للمستثمرين تتمثل في القيام بعمليات المراجحة أي الاستفادة من الاختلافات الموجودة في الأسعار بين البورصات.

ويكمن هنا المفتاح الرئيسي لقوة عقود الفضة الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع، فعن طريق تتبع حركة الأسعار عليها، يمكن للمستثمر أن يحقق فوائد ويجني فرصا من خلال الاستفادة من فروق الأسعار بين البورصات وهي العمليات التي تطلق عليها باللغة الإنجليزية ARBITRAGE وتعني باللغة العربية »المراجحة«.

وتتحقق هذه الاستفادة نتيجة ملء البورصة الفراغ الزمني الموجود بين البورصات في الشرق وتلك الموجودة في الغرب.

ومن ناحية ثانية، راعا القائمون على البورصة أن تكون عقود الفضة الآجلة في بورصة دبي للذهب والسلع مميزة عن تلك المتداولة في البورصات، بأن يكون العقد من فئة 1000 »اونصة«.

في حين تعد عقود الفضة الآجلة في بورصة نيويورك التجارية من فئة 5000 أوقية، أي أن بورصة دبي للذهب والسلع تبنت حجماً أصغراً للعقد، وذلك بهدف تلبية طلب التجار المحليين الذين يأملون في استخدام البورصة لأغراض التحوط..

ومن ناحية ثالثة.

وضع القائمون على بورصة دبي للذهب متطلبات صارمة بالنسبة لتسليم عقود الفضة، وذلك من خلال إطلاق »معيار دبي لتسليم الفضة« الذي تم تصميمه وفق أرقى المواصفات العالمية، ليرسي بذلك أسساً جديدة للجودة في المنطقة.

وبموجب هذه المتطلبات، يكون من المتعين على المصافي التي ترغب في الحصول على اعتراف مركز دبي للمعادن والسلع، أن تستوفي مجموعة الشروط الخاصة بمستوى الإنتاج السنوي الذي لا يجب أن يقل عن 30 طناً من الفضة على شكل سبائك زنة 1 كيلوجرام أو أكبر، إضافة إلى استيفاء مجموعة من الشروط المالية.

كما يتوجب عليها تزويد مركز دبي للسلع المتعددة بالوثائق التي تثبت جاهزيتها وامتلاكها للنظم المطلوبة بما في ذلك نظام »اعرف عميلك« ومتطلبات حفظ السجلات. كما وضع المركز مجموعة من المواصفات الواضحة لسبائك الفضة التي تنتجها المصافي المعنية، وتشمل الوزن والنقاوة والمظهر والعلامات.

أما الطرف الآخر من معادلة سوق الفضة في دبي، فيتمثل في التجارة المادية، وتشير هنا تقديرات بورصة دبي للذهب والسلع إلى حدوث انتعاش في الطلب على الفضة في مجالات تصنيع المجوهرات والاستخدامات الصناعية والتصوير والتطبيقات الإلكترونية، كما تشير التقديرات إلى زيادة الطلب على الأواني الفضية رغم الزيادات الضخمة في الأسعار.

وهكذا، تمضي دبي قدما في اجتياز الخطوة تلو الخطوة لتحقيق تطلع مركز دبي للسلع المتعددة والمتمثل في تحويل المدينة إلى مركز لتجارة السلع على مستوي العالم.

دبي ــ مجدي عبيد: