يعيش مركز دبي للسلع المتعددة مرحلة المخاض لعقود المنتجات البترولية المكررة، وكأي لحظة مخاض، تمتزج معا مشاعر الأمل والألم والترقب، فالأنظار تترقب ما سوف يكون عليه المولود الجديد، وما إذا كان سيتمتع بالعافية لأن يكون بحق آلية التسعير الجديدة التي على أساسها ستتحدد أسعار المنتجات البترولية المكررة.
كما تكتنف عملية المخاض الكثير من الألم، فهي نتاج جهد طويل من العمل الدؤوب، بدءا من عقد حوارات متواصلة مع اللاعبين في السوق للتعرف على وجهات نظرهم وآرائهم بهدف التيقن من احتياجات السوق الحقيقية، حتى تكون هذه المنتجات مرآة تعكس بصدق هذه الاحتياجات.
ومرورا بأجراء دراسات معمقة حول جدوى آلية التسعير الجديدة وأوجه ردود الأفعال المحتملة، وانتهاء بوضع هذه العقود بما تتضمنه من تفاصيل تتعلق بالمواصفات وتوقيتات التداول وحجمها وشروط ومواصفات التسليم، ويثور في هذا المجال العديد من الإشكاليات التي تتعلق بالبنية التحتية للتسليم سواء فيما يتعلق بمكان التسليم ومستودعات التخزين وأماكنها.
كما تنطوي عملية المخاض على آمال تعانق السماء، وتتجاوز مجرد تعزيز مكانة دبي كمركز عالمي لتسعير المنتجات البترولية المكررة، لتتطرق إلى تغيير أنماط العلاقات داخل أسواق الطاقة العالمية، بطرح آلية تسهم في خلق المزيد من الشفافية في تسعير منتجات الطاقة.
وتحوي جعبة بورصة دبي للذهب والسلع العديد من المنتجات البترولية المكررة التي من المتوقع أن تقوم بطرحها خلال هذا الوقت القصير المتبقي من العام، وتشتمل الأجندة على العقود الآجلة لزيت الوقود ووقود الطائرات والجازولين والبنزين.
وصارت نوايا مركز دبي للسلع المتعددة أكثر وضوحا بالنسبة لتوقيتات إطلاق عقود زيت الوقود الآجلة ووقود الطائرات، وهو ما حمل على الاعتقاد بأن عمليات التحضير والإعداد لهذين المنتجين قد قاربت من نهايتها وأن العديد من القضايا والإشكاليات قد تم التوصل إلى حلول لها.
بحيث باتت البورصة على مقربة من مواجهة »لحظة الحقيقة« وهي لحظة إطلاق هذين المنتجين التي من المتوقع أن تأتي في أي وقت خلال الأشهر المتبقية من العام، ويندفع مركز دبي للسلع المتعددة نحو هذه اللحظة التاريخية مدفوعة بالرغبة في وضع نظام للتسعير أكثر كفاءة بالنسبة لهذه المنتجات.
التحضير للعقود
وتجري التحضيرات على قدم وساق هنا وهناك، بحيث تكون العقود جاهزة بكل تفاصيلها، ووفقا للخطة الموضوعة لها، ولا تقتصر التحضيرات على العقود في حد ذاتها بل تنسب إلى محاور ومجالات أخرى عديدة، تشمل تحضير البنية التحتية لعملية تسليم العقد، واستطلاع آراء ووجهات نظر اللاعبين الرئيسيين في سوق المنتجات المكررة، من خلال عقد مؤتمرات وورش عمل في عواصم عديدة من العالم، إلى جانب الشركات الرئيسية العاملة في الدولة.
ولقد شملت اماكن عقد هذه الجولات النقاشية كلا من دبي والشارقةوالبحرين الى جانب عواصم اخرى وشارك فيها منتجون وتجار وشركات الشحن الى جانب الاطراف المعنية بتجارة الوقود وذلك بغرض التعرف على وجهات نظر المعنيين بهذا السوق، وأظهر هؤلاء تحمسا لإطلاق آلية جديدة للتسعير واستكشاف السعر تحل محل تلك الموجودة في الوقت الحالي والتي تعاني من أوجه تشوهات عديدة.
ويفيد ما ترشح من معلومات أن مركز دبي للسلع المتعددة قد حل الكثير من القضايا المتعلقة بالتخزين وأماكن التسليم، وهو ما يندرج ضمن الالتزام الذي قطعه مركز دبي للسلع المتعددة على نفسه بأن يكون هناك عدد كاف من مستودعات التخزين، ومساحة متاحة للتسليم، حيث تعتبر الطاقة التخزينية مسألة حيوية لنجاح عقود زيت الوقود الآجلة، وتقع أماكن تسليم كميات زيت الوقود في كل من الفجيرة وخورفكان على ساحل عمان وجبل علي في إمارة دبي.
والجدير بالذكر هنا أن إمارة الفجيرة قد انتزعت من مدينة روتردام المرتبة الثانية في السوق العالمي للوقود البحري والذي تبلغ قيمته 25 مليار دولار، بتسجيلها حجم مبيعات سنوي من زيت الوقود مقداره 12 مليون طن، وبالتالي أصبحت ثاني أكبر مركز لوقود السفن بعد سنغافورة.
وقد أعلنت شركة »فوباك هورايزن الفجيرة المحدودة« وهي مشروع مشترك بين شركة فوباك الهولندية وشركة »هورايزن للتخزين المحدودة« ـــ المملوكة بالكامل لشركة بترول الإمارات الوطنية المحدودة (اينوك) عن خطط لزيادة الطاقة الاستيعابية لخزاناتها بنحو 360 ألف متر مكعب، بالإضافة إلى إقامة رصيفين جديدين لتحميل الناقلات، مما سيعزز مكانة الشركة ودورها المحوري في مجال تخزين منتجات ومخلفات تكرير النفط في الشرق الأوسط.
وبانتهاء عملية التوسعة، سيصل إجمالي الطاقة التخزينية للمنشأة إلى 1.5 مليون متر مكعب، كما سيرتفع عدد أرصفة التحميل إلى ستة مع نظام إرساء موحد للناقلات حتى سعة 175 ألف وحدة نمطية.
ومن المتوقع تشغيل المنشآت الجديدة في الربع الثالث من عام 2007، وتشمل عملية التوسعة 8 خزانات جديدة بسعة إجمالية تصل إلى 360 ألف متر مكعب، تتراوح سعة الواحد منها ما بين 30 - 60 ألف متر مكعب. وفي حين سيتم تخصيص الرصيف الأول لتحميل وتفريغ الناقلات التي تصل سعتها حتى 110 آلاف وحدة نمطية، سيتم تجهيز الرصيف الثاني لاستقبال الناقلات حتى سعة 60 ألف وحدة نمطية. ويتضمن المشروع أيضاً إضافة ذراعي تحميل، قياس 12 بوصة، لمنتجات التكرير النظيفة، وذراعين آخرين، قياس 16 بوصة لمخلفات التكرير.
وتفيد التقديرات هنا أن الشرق الأوسط يعتبر المصدر الرئيسي للمنتجات المكررة وأنه من المتوقع أن يتزايد الطلب بقوة على هذه المنتجات من المستوى الذي بلغه في عام 2004 والبالغ 2.5 مليون برميل يوميا ( مع استبعاد الغاز الطبيعي المسال )، وأنه من المقدر أن تصدر منطقة الشرق الأوسط ما يزيد على 3.5 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2007 و7 ملايين برميل يوميا بحلول عام 2010.
وتحتفظ المنطقة باحتياطيات من النفط الخام تبلغ حوالي 734 مليار برميل أي ما يمثل 62% من إجمالي احتياطيات النفط الخام في العالم. وذلك وفقا للدراسة المسحية التي أجرتها شركة بريتش بيترولييم في عام 2004، وأنتجت المنطقة ما يزيد على 30% من إجمالي الإنتاج العالمي من النفط. فيما استهلكت 7% فقط من هذا الإنتاج.
ردود أفعال إيجابية
وحتى الآن، تسود مفردات الترحيب على أي خطاب يصدر عن اللاعبين الكبار في السوق بشأن تصوراتهم بخصوص هذه المنتجات، وهو ما يحمل على الاعتقاد بأن البورصة ستتمكن من تجاوز المعضلة التي واجهتها من قبل، فيما يتعلق بجذب كبار اللاعبين لكي يجروا تداولهم على البورصة أو على الأقل يستندون إلى آلية البورصة كمؤشر مرجعي في استكشاف السعر.
ويبرز في هذا السياق عدد من ردود الأفعال التي بثها مركز دبي للسلع المتعددة في موقعه على شبكة الإنترنت والتي استقاها من ما نشرته وسائل الإعلام المتخصصة في هذا المجال، حيث أوردت إحدى التحليلات الصحفية تعليقات لعادل المؤيد مدير عام التسويق في شركة نفط البحرين »بابكو«، وقال فيها إن الشركات الحكومية المنتجة للنفط في الخليج ستجد من السهل عليها دعم عقود المنتجات البترولية المكررة كمؤشر مرجعي للأسعار.
وذلك بشكل أكبر من عقود النفط الخام الآجلة، وأوضح انه من المحتمل أن تكون دول الخليج الأعضاء في أوبك حذرة بشأن تغيير الأسس الحالية لأسعار النفط الخام. وأضاف أنه بوصفه مسؤولا في شركة نفطية حكومية، يري أن الشركات النفطية الحكومية ستكون أكثر إقبالا على عقود المنتجات البترولية.
على اعتبار أنها ستكون أقل حساسية من الناحية السياسية بالمقارنة مع النفط الخام، وأنه أذا ما نجحت البورصة من خلق الكتلة الحيوية من ناحية أحجام التداول والمشاركين، فسوف تكون الشركات الوطنية الحكومية أكثر تأييدا لهذه الآلية في تسعير المنتجات البترولية المكررة، لأجل جلب المزيد من الشفافية في تسعير هذه المنتجات.
ويبرز في سياق ردود الأفعال ما ورد على لسان إيه جيه هاربير رئيس الشركة المشتركة بين شركة نفط عمان وشركة فيتول الدنامركية Denmark-based Vitol، حيث قال إن الشركة لديها 50 ألف برميل من نفط عمان، وإنها ستكون نشطة في السوق بهذه البراميل. وأضاف أن الشركة ستكون مهتمة بمسألة المشاركة، عندما تبدأ بورصة دبي للذهب والسلع في طرح منتجاتها من العقود الآجلة، موضحا أن بورصة دبي للذهب والسلع تريد معالجة الفجوات في تقييمات أسعار المنتجات البترولية المكررة التي يجري تعديلها وفقا لرسوم الشحن.
آلية التسعير الحالية
وتستمد ردود الفعل الإيجابية وجودها من واقع التشوهات التي تحف الآلية الحالية لتسعير المنتجات البترولية، حيث يستند أسلوب تقييم أسعار صادرات المنتجات البترولية المكررة لمنطقة الشرق الأوسط إلى الأسعار الفورية لهذه المنتجات في سنغافورة كأساس للسعر المرجعي مخصوما منها رسوم الشحن.
ولكن انطوى هذا الأسلوب على الكثير من التشوهات وأوجه القصور مما جعل التجار يتطلعون إلى إرساء آلية أخرى لاستكشاف السعر. وبرزت هذه التشوهات نتيجة لتقلب أسعار ورسوم الشحن، فضلا عن إثارة الشكوك في جدوى إتباع هذا الأسلوب في تقدير أسعار صادرات المنتجات البترولية المكررة لمنطقة الخليج والمتجه إلى مناطق جغرافية أخرى بخلاف منطقة شرق آسيا كجنوب إفريقيا.
ويذهب الشطر الأعظم من صادرات زيت الوقود الذي تنتجه مصافي الدول الرئيسية المنتجة للنفط في منطقة الخليج إلى الفجيرة، وتشمل هذه الدول كلا من المملكة السعودية وإيران والعراق والكويت، ويذهب نحو 700 ألف برميل يوميا من زيت الوقود من هذه الدول إلى سوق الوقود البحري في الفجيرة التي تعتبر ثاني أكبر سوق للوقود البحري في العالم بعد سنغافورة.
وتتوقع الدوائر الاقتصادية في دولة الإمارات أن يؤدي النمو الاقتصادي الإقليمي إلى زيادات ضخمة في الطلب على أساطيل الشحن، وهو ما سوف يرفع الطلب المحلي على الوقود البحري بمعدل 30% بحلول عام 2007، وهو ما يقلل جاذبية تسعير منتجات مصافي منطقة الخليج من خلال الاعتماد على الأسعار الفورية في سنغافورة، الأمر الذي يزيد الحاجة إلى مؤشر مرجعي محلي في تحديد أسعار هذه المنتجات، وتخطط كل من السعودية والكويت والإمارات لإقامة مصافي تكرير بمليارات الدولارات والتي سوف تدخل حيز الإنتاج بدءا من عام 2008.
وإلى جانب تنامي الطلب العالمي على المنتجات المكررة، فإن بروز أهمية الشرق الأوسط كمركز للاستهلاك آخذة في التزايد، وبالتالي، فإنه مع تزايد وتنوع أنماط التجارة في المنتجات النفطية المكررة، تتأكد أهمية أن يكون مركز تسعير المنتجات المكررة في داخل منطقة الخليج وليس خارجها.
وفي ظل هذه التشوهات، تظهر أهمية العقود الآجلة التي تخطط بورصة دبي للذهب والسلع بوصفها الأدوات الأكثر كفاءة وشفافية والتي يمكن أن توفرها الأسواق لاستكشاف الأسعار وهو ما سوف يسمح للتجار بإدارة المخاطر على نحو أكثر رشادة وفاعلية.
بالإضافة إلى أن هذه العقود ستسهم في سد ثغرات وأوجه قصور الأسلوب الحالي المتبع، حيث إن التجارة عن طريق أسلوب العقود الآجلة تتم على أساس الهامش أي العربون، وبالتالي، فإنها تأخذ في الاعتبار المخاطر المرتبطة بالطرف المقابل فيما يتعلق بتسديد أثمان الصفقات.
وهكذا، تعتبر بورصة دبي للذهب والسلع المكان الأمثل للمتاجرة على عقود المنتجات البترولية المكررة، ولا ينحصر الرهان هنا على شركات الشحن والبنوك وشركات الوقود ولكن الرهان يمتد كذلك إلى الشركات النفطية الكبرى، ويعود السبب الرئيسي لتطلع هؤلاء اللاعبين إلى تلك العقود لكونها تلبي حاجة السوق لإرساء آلية تسعير جديدة تتسم بالشفافية والقدرة على تلبية حاجات التجار في إدارة المخاطر.
البوكس
أوجه قصور آلية التسعير الحالية
تنطوي آلية تسعير المنتجات البترولية على الكثير من أوجه القصور، وهو ما دفع أحد المحللين إلى التساؤل باستغراب عن كيفية تسعير احدي الصادرات الحيوية لمنطقة الشرق الأوسط وهي المنتجات البترولية المكررة في جزيرة سنغافورة التي تبعد 3500 ميل عن منطقة الخليج.
وأجاب عن هذا التساؤل بإشارته إلى أنه بإمكان الاقتصادي تفسير ذلك على إنه نتاج للتفاعل بين قوى الطلب والعرض، ولكن الحقيقة التي ستظل باقية أن هذه الأسعار تمثل تلك التي يرغب المشترون في آسيا في دفعها، وما يثير سخرية البعض أن هذا العملية في استكشاف الأسعار لا تنطوي حتى الآن على أية مزادات يومية، يجري فيها تحديد الأسعار بشكل جماعي، وهو ما يسلب منها صفة الشفافية.
وتكتنف عملية تحديد الأسعار الكثير من التعقيدات المتعلقة بالتوقيتات الزمنية للإنتاج والتسليم ورسوم الشحن. ولهذا، ولأجل تجاوز هذه التعقيدات، يلجأ التجار إلى السوق غير الرسمي والذي تنفذ فيه الصفقات عن طريق أجهزة التليفونات والتليكس والفاكس.
وتجري هذه العملية في ظل غياب وجود وكالة دولية مركزية يناط بها مسؤولية تقييم المعلومات من خلال إعطاء أوزان لها، تفيد في عملية استكشاف الأسعار. وكنتيجة لذلك، طور القطاع الخاص آليات تقييم متنوعة تسعى إلى استكشاف أسعار المنتجات البترولية المكررة في الأسواق.
دبي ـــ مجدي عبيد: