أنجز المخرج السينمائي اللبناني فؤاد عليوان فيلماً روائياً قصيراً جديداً له بعنوان: «إلى اللقاء قريباً» (إنتاج سويسري لبناني)، قدّمه أخيراً في عرض خاص هو الأول له في بيروت، بعد عروض قليلة في مدن سويسرية، علماً أنه اختير للمشاركة في الدورة المقبلة لمهرجان لوكارنو السينمائي الدولي التي تقام في شهر أغسطس 2006.
ويروي الفيلم قصّة عائلة لبنانية مؤلّفة من أبوين (نقولا دانيال وجوليا قصّار) وولديهما (أوبي حوت وعلي قتيبي)، هاجرت إلى سويسرا منذ عشرين عاماً، من دون أن تنقطع كلّياً عن جذورها الأصلية. لكن أحداثاً متنوّعة تكشف حجم التمزّق الذي تعيشه هذه العائلة، المصرّة على مظاهرها الخادعة.
وكان فؤاد عليوان أنجز منذ مطلع التسعينات خمسة أفلام روائية قصيرة، هي: «شوق مريض لوطن مريض» 1991، «حائط المبكى» 3991، «الليلة الزرقاء» 8991، «هوا بيروت» 2002 و«يا سلام» 4002. ويلاحظ المرء أن أفلامه هذه ترتكز على الذات الفردية بهواجسها وانفعالاتها وعلاقاتها بالآخر والجماعة وغيرها من التفاصيل المختلفة.
يقول عليوان ل«البيان»: هناك مدرستان في كتابة السيناريو: الأولى هوليوودية، ترى أن الكتابة تتطلّب تحديد بداية الفيلم وكيفية انتهائه. والثانية لا تعترف بهذه الثوابت، إذ تقول إن القصّة لا تُكتب بشكل كلاسيكي، لأن الحياة لا تسير في خطّ واحد، بل إنها ملتقطة بخيوط كثيرة، تتشعّب منها في الوقت ذاته، اجتماعياً ودينياً وتربية وثقافة وسلوكاً ولغة وجغرافيا وتاريخاَ وطقوساً.
هذه الأمور كلّها تقدّم من خلال شخصية الفيلم أو شخصياته هوية للفيلم، وتجعل المُشاهد يدخل إلى عمق الحدث والإنسان معاً، فتؤسّس أرضية خصبة تأخذ هذا المُشاهد إلى الصورة والفانتازيا، التي يُمكن أن تكون مفتوحة، فنياً وعلمياً». ويواصل المخرج اللبناني عليوان: «بمعنى آخر، يُمكن أن تروى قصة بسيطة بأبعاد مختلفة، تمنح المُشاهد قدرة على استيعابها وأشخاصها الذين يعيشونها».
وأشار عليوان إلى أنه لا يستطيع إنجاز فيلم من دون الدخول في الشخصيات بشكل عميق، «لأنهم هم الذين يحرّكون القصّة. بقدر ما أفهم الشخصية وأتوصّل إلى تفصيلها أمام الجمهور، فإن هذا الأخير يستطيع تصديق القصّة«، معتبراً أن القصّة «تصبح جزءاً من الجمهور. فقصصنا نحن البشر، على الرغم من اختلافاتنا في الهوية والجنس والعرق والثقافة والانتماء الاجتماعي وغيرها، متشابهة. أو إنها تتقاطع في مكان واحد، على الأقلّ».
وأكّد عليوان، في حديثه إلى «البيان»، أن العمل على الشخصيات «أساسي، ليس عندي فقط بل في السينما عموماً، أو بالأحرى في الأفلام المهمّة«، مشيراً إلى أن القصّة «لا تنبع من هواجسي. فأنا لا أصنع أفلاماً عني. في «إلى اللقاء قريباً»، مثلاً، اشتغلت على عائلة لبنانية تعيش في المهجر. من خلال سلوكيات هذه العائلة وتفاصيلها اليومية، أروي قصّتها. وليس العكس. العكس يعطيك قصّة فاشلة وفيلماً لا هوية له«.
واعتبر عليوان أن هواجسه الشخصية موجودة في المعالجة السينمائية للقصّة: «في فيلمي الأخير، قدّمت منذ البداية تفاصيل الحياة اليومية لهذه العائلة، كي أحدّد ملامحها ومناخاتها وحيثيات سلوكها:
يظهر الأب في المشهد الأول وهو يصلّي، والأم تُهيئ الطعام لعائلتها. ثم يخرج الوالدان من المنزل ويعودان إليه في اليوم التالي، ويكتشفان ما حدث في الليلة الفائتة (أحد الشقيقين أقام حفلة في المنزل، والشقيق الآخر أمضى ليلته عند صديقته، وفي صباح اليوم التالي أضاعا كرسياً فيه مجوهرات اخفتها الام من دون أن تقول لأحد.
هذا كلّه سلّط الضوء على مسألة الانفصام الذي تعيشه العائلة، على نقيض الصورة التي تقول إنها عائلة طبيعية تعيش في المهجر، وتحافظ على تقاليدها. معالجتي السينمائية ظهرت في أكثر من مشهد: الحفلة، شوارع المدينة. كما أنها تدخل في تأليف الصورة، والإيقاع العام لهذه العائلة.
أتدخّل على مستوى هواجسي الفنية التي تتضمّن هواجسي الشخصية. هناك من يتحدّث عن هواجسه الشخصية ولا يعرف كيفية إدخالها في السياق العام، ولا يتمكّن من تحويلها إلى هواجس إنسانية عامة. من يفعل هذا، يكون هاوياً برأيي. بالنسبة إليّ، أعمل على أن تصبح هواجسي الشخصية إنسانية عامة، كي تصبح هواجسك أنت أيضاً».
وتحدّث عليوان عن كيفية اشتغاله على فكرة الفيلم الجديد قائلاً: «أسافر دائماً. فأنا عشت أعواماً طويلة في بيروت الحرب اللبنانية، وسافرت بعدها وعشت في الغربة. أعتقد أن تراكم المعاينة الحسية ومقاربة التفاصيل ساهما في إيصالي إلى هذا الفيلم.
أزور إخوتي المقيمين في أوروبا، وألاحظ سلوك اللبنانيين المقيمين هناك. أراقب يوميات حياتهم وهواجسهم وبحثهم الدائم عن وطن داخل منازلهم. ربما خطرت الفكرة على بالي أمام صحن تبولة في منزل أخي في فرنسا، أو حين انتبهت إلى قلقه من مغادرة ابنته المنزل ليلاً لتمضية سهرة مع صديقها، وخوفه من أن تعود متأخرة.
هذه تفاصيل تتراكم في وعيي، أضيف عليها مفاعيل العلاقات التي يعيشها اللبنانيون والعرب في دول الاغتراب والمهجر، والتي يعيشها أي إنسان آخر يقيم في وطن ليس وطنه، وفي تقاليد لا تمتّ إليه بصلة، وفي ظلّ معتقدات لا تمسّه أو تعنيه.
هذه كلّها جعلتني أفكّر أن هناك مشكلة يعانيها أي إنسان يعيش خارج وطنه، وهي مشكلة لا تقلّ أهمية عن مشاكل يُمكن أن يعانيها داخل وطنه.
لهذا، اخترعت قصّة المجوهرات، وهي قصّة بسيطة وخفيفة، ونسجت حبكتها على العلاقات اليومية لأفراد العائلة وتفاصيلها وأبعادها الثقافية والاجتماعية والسيكولوجية، بهدف إنجاز فيلم يعكس صورة حسية عن أي عائلة تعيش في المهجر«.
أضاف أن «التفاصيل تكوّن القصّة، وليس العكس. لأن التفاصيل تكوّن شخصية الفيلم وتعبّر عنها وتصبح هي ملك الجمهور، لأنها تتحوّل إلى أمر عام ولا تبقى مجرّد أمر فردي وخاص بهواجس المخرج أو السينمائي«.
وأكد عليوان أن «إلى اللقاء قريباً» شكّل نقلة سينمائية بالنسبة إليه: «أحبّ المشاهدون «هوا بيروت». إنه فيلم سينمائي بالدرجة الأولى. حواراته قليلة. فيه رؤية سينمائية ومناخ سينمائي مختلفان. في «إلى اللقاء قريباً»، جمعت الفانتازيا بالواقعية». ولاحظ أنه «هو نفسه خليط جميل. اشتغلت مسرحاً، وأنا كاتب سينمائي ومخرج سينمائي.
تعاملي مع الموضوع من ناحية التأليف لا يبدأ بالسيناريو وينتهي به، بل يبدأ بالسيناريو وينتهي بعرض الفيلم على الشاشة الكبيرة وبعلاقته بالجمهور. الممثل عندي جزءٌ من التأليف، والكاميرا والمونتاج والموسيقى وغيرها من التقنيات التي يتضافر بعضها على بعض، مما يؤدّي إلى خلق مناخ خاص جداً بي. لا أصنع فيلماً، بل أعيشه. ربما الفيلم يصنعني.
لا أضع نفسي خارج الحياة والسينما، بل داخلهما، أنا داخل المشهد. لديّ مشكلة في تفسير ماذا يعني أن لدي عالمي الخاص. أنا داخل هذا العالم، ولديّ دور ألعبه، تماماً كما الآخرين الذين يلعب كل واحد منهم دوره».
وقال عليوان إنه يُحبّ الفانتازيا، «لكني لا أشتغل عليها بشكل مفتعل، لهذا تصل إلى المُشاهد جميلة. أضع الفانتازيا في قلب السياق الذي أبدأ به.
أفرش لها أرضية، وأرى نفسي وشخصياتي قد وصلنا إلى الفانتازيا تلقائياً. ثم إن الفانتازيا موجودة في حياتنا. حين يتعب الإنسان ويستسلم للنوم، يصبح في مكان غير موجود، في مكان مفتوح على الاحتمالات كلّها، إلى أن يبزغ فجر يوم آخر، وتضع قدميك على الأرض وتبدأ يوماً جديداً. الفانتازيا موجودة في حياتنا، لهذا فهي موجودة في أفلامي».
وخلص عليوان إلى القول «إن مفهوم السينما قائم على ثنائية الزمان والمكان، واللعب بينهما. أنا بدأت من أرضية الفن السابع، أي من ثنائية المكان والزمان، وإلى أي مدى يُمكن لهذه الثنائية أن تكون مكاناً لخلق عجينة تذهب بك إلى أمكنة وأزمنة أخرى. الأمكنة العديدة هي الفانتازيا. هذه تحتاج أصلاً إلى حساسية كبيرة».
بيروت ـ نديم جرجورة: